
داريا – خاص حرية برس:
حين عاد «أ. ش» مع عائلته من لبنان إلى داريا لم يكن يعود إلى مدينة انتهت مشكلاتها بانتهاء الحرب. عاد إلى بيت والده الذي احتاج إلى ترميم طويل وإلى حي ما تزال فيه مساحات من الأبنية المهدمة والخالية.
قبل سنوات كانت تقديرات منشورة تشير إلى أن أكثر من 80 بالمئة من البنية التحتية في داريا تعرضت للتدمير خلال قصف نظام الأسد للمدينة وحتى اليوم ما تزال آثار ذلك واضحة. أبنية متضررة وطرقات تحتاج إلى العمل وشبكات مياه وصرف صحي يعاد تأهيل أجزاء منها تباعاً.
وفي حزيران الماضي قال رئيس مجلس مدينة داريا إن معظم شبكة الصرف الصحي تحتاج إلى إعادة تأهيل أو استبدال بسبب الأضرار التي لحقت بها خلال سنوات القصف وبعدها بدأت أعمال لتأهيل خزان المياه وعدد من الآبار وتحسين وصول المياه إلى المدينة.
الكهرباء أيضاً لم تعد إلى وضع مستقر دفعة واحدة. خلال الأشهر الماضية جرى تركيب محولات جديدة ورفع استطاعة مراكز تحويل داخل داريا لمعالجة الضغط على الشبكة وفي تموز انقطع التيار عن جزء من المدينة بسبب عطل في محطة الفرسان قبل إصلاحه وإعادة التغذية. هذه التفاصيل قد تبدو خدمية لكنها بالنسبة للعائدين هي شكل الحياة اليومية التي عادوا إليها.
وسط هذا الواقع بدأت مشكلة عائلة «أ. ش».
تقول الأسرة إن مضايقات استمرت قرابة شهر بدأت بصورة متقطعة. حجارة تصل إلى المنزل ثم تختفي. في البداية اعتقدوا أن الأمر قد يكون عبث أطفال ولم يريدوا الدخول في خلاف مع أحد.
لكن ما كان متقطعاً تحول خلال ثلاثة أيام إلى اعتداءات متكررة وفق روايتهم.
أشخاص ملثمون يقتربون من المنزل ويرشقونه بالحجارة ثم ينسحبون باتجاه الأبنية المهدمة المحيطة بالمكان. تحطم جزء كبير من زجاج الواجهة وبقي أهل البيت يراقبون المنطقة خوفاً من تكرار الأمر.
في البيت أطفال وامرأة مريضة وأطفال صغار. وفي الخارج منطقة يستطيع شخص أن يختفي فيها بين الأبنية المهجورة خلال دقائق.
تقول الأسرة إنها لجأت إلى مخفر داريا أكثر من مرة وإنها لم تشعر بأن شكواها أخذت المسار الذي كانت تتوقعه. وبحسب روايتها لم تحصل معاينة للمنزل بالشكل الذي طلبته ولم يسمع إلى جميع الأشخاص الذين قالت إنهم يملكون معلومات عما جرى.
في النهاية بدأ ابن صاحب المنزل يراقب المكان بنفسه. تقول العائلة إنه تمكن من التعرف إلى أشخاص اشتبه بصلتهم بالحوادث.
عندها ذهب أفراد الأسرة إلى المخفر وحضر أشخاص من الطرف الآخر.
ما حدث هناك هو الجزء الذي جعل الأسرة تشعر بأن المشكلة لم تعد حجارة وزجاجاً مكسوراً فقط.
بحسب الرواية التي وصلت إلى حرية برس دخل صاحب المنزل في نقاش حاد مع مسؤول في المخفر وتحول جزء من الحديث إلى إمكانية تقديم شكوى ضده من الطرف الآخر. الأسرة تقول إنها كانت تنتظر استكمال التحقيق في الاعتداء على البيت وسماع الأشخاص الذين ذكرت أسماءهم لكنها خرجت من المخفر من دون أن تعرف إلى أين وصلت شكواها.
الطرف الآخر لم يقدم في النهاية شكوى ضده.
لو بقيت هذه الواقعة وحدها لكان من الممكن القول إنها شكوى عائلة على طريقة التعامل مع ملف محدد ولا أكثر.
لكن قبل شهور ظهرت قضية أخرى في داريا.
أنس العباس وهو شاب من أبناء المدينة ظهر في صور متداولة وهو يتلقى العلاج بعد إصابات واضحة في الرأس والوجه عقب حادثة اعتداء. وفي تسجيل نشر بعد الحادثة تحدث والده عن ذهابه إلى المخفر وقال إن الرد الذي تلقاه كان أن يذهبوا هم ويأتوا بالأشخاص الذين يتهمونهم بالاعتداء.

حرية برس لا تستطيع من التسجيل وحده معرفة كل ما حدث داخل المخفر ولا ما هي الإجراءات التي اتخذت بعد ذلك. والصورة تثبت إصابة الشاب ولا تثبت هوية المعتدين أو ظروف الاعتداء. لكن رواية والده تستحق جواباً واضحاً. هل تقدم ببلاغ وما الذي جرى بعده وهل طلب منه بالفعل أن يحضر المشتبه بهم بنفسه؟
وجود الحالتين لا يكفي للقول إن مخفر داريا يتعامل بالطريقة نفسها مع كل الشكاوى ولا يسمح بإصدار حكم على جميع العاملين فيه. لكنه يجعل السؤال عن آلية الاستجابة للبلاغات في المدينة أكبر من شكوى عائلة واحدة.
خصوصاً أن داريا ليست مدينة عادية في هذه المرحلة.
الناس يعودون إلى مناطق ما تزال تحمل أثراً ثقيلاً من الحرب. قبل أيام فقط قتل شخص وأصيب آخر بانفجار من مخلفات الحرب داخل مدرسة التمريض المدمرة في داريا. وقالت مديرية الطوارئ إن المبنى مدمر بالكامل وخارج الخدمة وإن علامات تحذيرية وضعت حوله. أي إن الخراب الموجود في بعض مناطق المدينة ليس مجرد مشهد قديم. في بعض الأماكن ما يزال يشكل خطراً فعلياً على حياة الناس.
والأنقاض نفسها لم تنته بعد. في آب أعلن الدفاع المدني ترحيل عشرات آلاف الأمتار المكعبة من الأنقاض في دوما وداريا بينما ما تزال أعمال الإزالة وإعادة التأهيل مستمرة.
إلى جانب ذلك ظهرت خلال العام شكاوى أخرى تتعلق بالأمان داخل المدينة. تقارير محلية وثقت خلال شباط عدة سرقات طالت محالاً وسيارة خلال فترة قصيرة وتبعها تحرك أهلي لإنارة طريق داريا ـ المعضمية بعد شكاوى من الظلام والسرقات. كما عاد النقاش في تموز حول وجود السلاح بأيدي بعض المدنيين بعد شهادات لأهالٍ طالبوا بقصر حمله على الجهات المخولة قانوناً. هذه الوقائع لا تعني أن داريا تعيش حالة انفلات شامل ولا توجد أرقام رسمية تسمح بالقول بذلك لكنها تكشف عن هواجس موجودة لدى قسم من السكان ولا يصح تجاهلها.
وفي المقابل هناك أمثلة على استجابة أمنية سريعة داخل المدينة نفسها. ففي تموز أعلنت الجهات الأمنية توقيف متهم بجريمة قتل وقعت في داريا خلال أقل من 24 ساعة بعد جمع الأدلة والتحريات. وهذه الواقعة مهمة لأنها تمنع اختصار المشكلة بحكم عام على جهاز الأمن وتعيد السؤال إلى مكانه الحقيقي: لماذا يشعر أصحاب شكاوى أخرى بأن استجابتهم كانت مختلفة؟
هذا بالضبط ما يحتاج إلى توضيح.
داريا دفعت ثمناً كبيراً خلال سنوات الثورة. حوصرت وقصفت وهُجر أهلها وبقيت أجزاء واسعة منها مدمرة. وبعد كل هذه السنوات لا يمكن أن يكون المطلوب من العائد أن يرمم بيته ثم يتحول ليلاً إلى حارس له.
والأمر لا يخص من عادوا فعلاً فقط.
رئيس بلدية داريا رائد عبيد قال في آب إن البلدية تتوقع إمكانية عودة أعداد كبيرة من أبناء المدينة المقيمين في لبنان ومصر والأردن وتركيا وأوروبا وقدر الرقم المحتمل بنحو 100 ألف شخص مع التأكيد أن الرقم تقديري وليس إحصاءً رسمياً.
هؤلاء عندما يفكرون بالعودة لا ينظرون فقط إلى سعر البيت أو وصول الكهرباء والمياه. السؤال الأول أبسط من ذلك بكثير. هل أستطيع أن أترك أطفالي في البيت وأنا مطمئن؟ وإذا تعرضت لمشكلة هل أعرف إلى أين أذهب وهل ستتعامل الجهة التي أراجعها مع بلاغي باعتباره مسؤوليتها؟
الدولة بالنسبة للمواطن في تلك اللحظة ليست خطاباً ولا وزارة بعيدة. الدولة هي الموظف الذي يستقبل الشكوى والدورية التي تصل إلى المكان والتحقيق الذي يعرف صاحبه أنه سيسير سواء كان يعرف أحداً أم لا.
ولا ينبغي أن تحتاج القضية إلى عشر ضحايا حتى تصبح قضية. ولا أن تتحول إلى مقطع منتشر على مواقع التواصل كي تحصل على اهتمام. الواقعة الواحدة إذا كان فيها تقصير تستحق التحقيق. وإذا تكررت الشكاوى يصبح واجب السؤال أكبر.
وفي الوقت نفسه لا يجوز أن تتحول حادثتان إلى إدانة مسبقة لمخفر كامل قبل سماع جوابه.
لهذا تضع حرية برس الحالتين أمام قيادة الأمن الداخلي في ريف دمشق ومخفر داريا بصورة مباشرة.
ماذا حدث في شكوى العائلة التي تعرض منزلها للرشق بالحجارة وهل خرجت دورية لمعاينة المكان وهل سمعت إفادات من قالت الأسرة إن لديهم معلومات عما جرى؟
وماذا حدث في قضية أنس العباس وما الإجراءات التي اتخذت بعد إصابته وهل طُلب فعلاً من أسرته إحضار من تتهمهم بالاعتداء كما قال والده؟
الجواب مهم للعائلتين لكنه مهم لداريا أيضاً.
هذه مدينة خرج أهلها من خمسة عشر عاماً قاسية وهم ينتظرون دولة مختلفة عن الدولة التي عرفوها في زمن الأسد. دولة لا يضطر فيها صاحب الحق للبحث عن واسطة ولا لحماية نفسه بيده ولا للانتظار حتى تصبح قصته قضية رأي عام.
داريا تحتاج إلى الماء والكهرباء وإزالة الأنقاض ومخلفات الحرب. وتحتاج أيضاً إلى شيء لا يمكن لأي مشروع إعمار أن يعوضه إذا فقده الناس وهو الثقة بأن هناك جهة يرجعون إليها عندما يشعرون بالخطر.
لأن أسوأ ما يمكن أن يحدث في مدينة تحاول أن تعود إلى الحياة هو أن يبدأ الناس بالاعتقاد أن كل واحد منهم عليه أن يأخذ حقه بيده.
والتحقيق الواضح في هذه الحالات لا يسيء إلى الدولة. العكس تماماً هو الذي يحمي صورتها.









عذراً التعليقات مغلقة