داريا.. حين يصل الخوف إلى باب المخفر

فريق التحرير23 سبتمبر 2026آخر تحديث :
آثار تحطم زجاج منزل العائلة بعد اعتداءات متكررة في داريا – خاص حرية برس

«أ. ش» في مطلع الأربعينيات، معتقل سابق لدى الفرقة الرابعة، انشق أحد أشقائه عن جيش النظام السابق واستشهد شقيق آخر خلال سنوات الثورة، فيما توفي والده في لبنان بعد سنوات من المرض والظروف الصعبة التي عاشتها الأسرة هناك.

بعد التحرير عاد بأسرته إلى داريا. زوجته وأطفاله ووالدته المريضة وشقيقته «س» التي تركت عملها في إحدى المنظمات وعادت معهم. لم يعودوا إلى حي مكتمل ولا إلى منزل جاهز. بيوت قليلة حولهم ومساحات واسعة ما تزال مهدمة ومهجورة، لكنهم قرروا البدء من جديد.

المضايقات بدأت منذ نحو شهر بحسب ما نقل مصدر موثوق لحرية برس. في البداية حاولت الأسرة تجاهلها، ثم بدأت الحجارة تصل إلى المنزل. قالوا ربما أطفال وربما مجرد عبث، وصبروا أكثر مما كان ينبغي.

لكن خلال ثلاثة أيام متتالية تغير كل شيء.

تقول الأسرة إن أشخاصاً ملثمين صاروا يقتربون من المنزل مستفيدين من الأبنية المهدمة والمناطق الخالية المحيطة به، يرمون الحجارة ثم ينسحبون، إلى أن تحطمت أجزاء كبيرة من زجاج الواجهة وبقي أهل البيت طوال تلك الأيام في حالة استنفار.

داخل المنزل امرأة مريضة وأطفال وفتى في السادسة عشرة. وفي الخارج مساحات من الخراب يستطيع أي شخص أن يختبئ بينها.

السؤال الذي تطرحه الأسرة بسيط: إذا اضطرت هي لحراسة منزلها طوال الليل ومراقبة الأنقاض المحيطة بها، فما وظيفة المخفر؟

«أ. ش» تواصل مع مخفر داريا أكثر من مرة، لكن العائلة تقول إن ما وجدته كان تسويفاً أكثر منه تحقيقاً. لم يسمع أحد، وفق روايتها، إلى جميع الشهود الذين كانوا موجودين في المنطقة، ولم يجر التعامل مع إفادات الجيران والعمال كما كانت الأسرة تتوقع، رغم أن آثار الاعتداء ظاهرة على المنزل وجزء مما حدث موثق بالتصوير.

في النهاية اضطر ابن «أ. ش» البالغ من العمر 16 عاماً إلى مراقبة المنطقة بنفسه، وتمكن وفق رواية العائلة من التعرف إلى أشخاص اشتبه بصلتهم بما يجري.

عندها توجهت الأسرة إلى مخفر داريا وسط المدينة. ذهب «أ. ش» وابنه ووالدته المريضة وشقيقته «س»، وحضر من عائلة الجيران شابان فقط، بينما لم يحضر أشخاص آخرون تقول الأسرة إن الشبهات كانت تدور حولهم.

بحسب المصدر الذي تحدث إلى حرية برس، وصل الطرفان بهدوء ولم يكن الطرف الآخر يريد أصلاً تسجيل شكوى ضد «أ. ش».

لكن ما جرى داخل المخفر هو ما جعل القضية أكبر من تكسير زجاج منزل.

تقول الأسرة إن مسؤول الدورية دخل في نقاش حاد مع صاحب الشكوى، وبدلاً من أن ينصرف الحديث إلى سماع الشهود والتحقق من الأشخاص الذين تحدثت عنهم العائلة ومعاينة ما تعرض له المنزل، بدأ يحث الطرف الآخر على تسجيل بلاغ ضد «أ. ش» وتحدث أمام الموجودين عن إمكانية حبسه مدة تصل إلى عام على الأقل.

الطرف الآخر رفض تقديم الشكوى.

وهنا تصبح المسألة أبعد من خلاف بين عائلتين.

لا يفترض أن يكون القانون خاضعاً لمزاج عنصر أحب صاحب الشكوى أو لم يحبه. ولا يفترض أن يلغي غضب رجل بقي قرابة شهر يتحمل المضايقات ثم أمضى ثلاثة أيام يخاف على أطفاله حقه في أن يُسمع بلاغه كاملاً.

إذا أخطأ صاحب الشكوى فهناك تحقيق وقانون. وإذا كذب فهناك تحقيق يثبت كذبه. وإذا كان للطرف الآخر حق فله أن يتقدم ببلاغ من تلقاء نفسه.

أما أن يصل مواطن إلى المخفر بحثاً عن الحماية ثم يشعر بأن عليه حماية نفسه من الطريقة التي ستُعامل بها شكواه، فالمشكلة هنا لم تعد في الحجارة وحدها.

خلال وجود العائلة في المخفر تدهورت حالة الأم الصحية واضطر حفيدها إلى أخذها إلى المستشفى.

وغادر «أ. ش» المكان وهو، بحسب المقربين منه، يفكر مجدداً بالعودة إلى لبنان.

المفارقة أن الرجل لم يعد إلى سوريا لأنه وجد بيتاً جاهزاً وحياة مستقرة. عاد إلى منزل أبيه المهدّم وبناه بشق الأنفس. أعاد أبناءه بعد الصعوبات التي عاشوها في لبنان، وأعاد أمه المريضة، ثم وجد نفسه يسأل إن كان يستطيع تركهم وحدهم في المنزل أو السماح لأفراد أسرته بالخروج والعودة بصورة طبيعية.

والقضية لا تبدو منفصلة تماماً عن حالة القلق التي يتحدث عنها بعض أهالي داريا. قبل أيام نُشرت شكاوى تتعلق بحركة دراجات نارية قرب مدارس البنات وقت انصراف الطالبات ومطالب بحضور أكبر للشرطة في المنطقة. كما تداول أهالٍ خلال الفترة الأخيرة نداءات تطالب بتكثيف الدوريات ليلاً ونهاراً وفي المناطق المعزولة ومحيط المدارس والأسواق. أما الحديث المتداول عن حالات خطف أطفال فلا تتوفر لدى حرية برس معطيات موثقة تكفي لإثباته، ولذلك لا يمكن تقديمه كحقيقة.

وزارة الداخلية نفسها كانت قد وجهت في تموز إلى رفع مستوى المتابعة الميدانية و«الاستجابة السريعة لمختلف البلاغات والحوادث»، كما تتيح للمواطنين تقديم الشكاوى ومتابعتها عبر تطبيق «صوتك وصل».

وهنا يصبح السؤال مشروعاً لرئيس مخفر داريا.

ماذا جرى في هذه الشكوى تحديداً؟

هل خرجت دورية لمعاينة المنزل؟

هل جرى سماع الجيران والعمال؟

هل أخذت إفادة الفتى الذي يقول إنه تعرف إلى مشتبه بهم؟

هل تم استدعاء كل من وردت أسماؤهم؟

ولماذا يقول صاحب الشكوى إن النقاش داخل المخفر انتهى بمحاولة دفع الطرف الآخر إلى تسجيل بلاغ ضده بدلاً من استكمال التحقيق فيما تعرض له منزله؟

حرية برس تورد تفاصيل الواقعة وفق مصدر موثوق ومطلع عليها، وتبقي الباب مفتوحاً أمام مخفر داريا وقيادة الأمن الداخلي في ريف دمشق لتقديم روايتهما حول ما حدث.

داريا اليوم لا تحتاج فقط إلى إعادة إعمار حجارتها.

في أحياء ما تزال مساحات كبيرة منها مهدمة، الحضور الأمني ليس تفصيلاً. المواطن الذي يسكن إلى جانب أبنية خالية لا يستطيع أن يحول أبناءه إلى حراس، ولا أن يبيت كل ليلة مترقباً بين الأنقاض.

ولا ينبغي أن يحتاج إلى تصوير الاعتداء ونشره على فيسبوك وتحويل قضيته إلى رأي عام حتى يجد من يسمعه.

المخفر موجود تحديداً كي لا يضطر الناس إلى حماية أنفسهم بأنفسهم.

والقانون وجد كي لا يصبح حق المواطن مرتبطاً بمزاج من يستقبل شكواه.

اترك رد

عاجل