مجتبى خامنئي “مرشداً”.. في حمى “الحرس”

خيرالله خيرالله10 مارس 2026آخر تحديث :
مجتبى خامنئي “مرشداً”.. في حمى “الحرس”

لماذا لم يكن أمام “الحرس الثوري” سوى فرض مجتبى خامنئي “مرشدا” خلفا لوالده؟

يكمن الجواب في أنّه لم يكن من خيار آخر أمام النظام الإيراني الذي بات كلّيا في يد “الحرس”. لدى “الحرس” مصالح لا يحميها غير مجتبى ولدى مجتبى والعائلة مصالح لا يحميها سوى “الحرس”. تلك هي المعادلة الجديدة في إيران في انتظار بلورة مرحلة ما بعد الحرب الدائرة حاليا. في الواقع، لا يمثل اختيار مجتبى خامنئي نجل “المرشد” الراحل ليحل مكان والده مفاجأة. يعود ذلك إلى أن علي خامنئي عمل منذ وصوله إلى موقع “المرشد” على تكريس سيطرته على مرافق الدولة بمشاركة “الحرس الثوري”. بات “الحرس” يمثّل السلطة… وقد مارس هذه السلطة بالفعل عندما قرّر أن يكون مجتبى “المرشد” بهدف واحد وحيد يتمثل في حماية المصالح المشتركة بين السلطة العليا، ذات الصلاحيات المطلقة، في إيران من جهة و”الحرس” نفسه من جهة أخرى.

تحوّل “الحرس” في عهد علي خامنئي، الذي عمّر 37 عاما، بين 1989 و2026 إلى العمود الفقري للنظام. تبيّن في ضوء الأحداث الأخيرة أنّ من يحكم إيران هو “الحرس الثوري”. يؤكّد ذلك أنّ الكلام الذي يصدر عن رئيس الجمهوريّة مسعود بزشكيان كلام لا قيمة تذكر له.

حماية لمصالحه تجاوز “الحرس الثوري” كلّ الاعتبارات وذهب إلى جعل مجتبى خامنئي يرث والده. في أساس الخيار اعتبارات اقتصادية متعلّقة بالثروة قبل أي شيء

من هنا، كان لا مفرّ من استمرار دولة علي خامنئي، الممثلة بـ”الحرس” عبر نجله. تماما مثلما لم يكن ممكنا أن يخلف حافظ الأسد أحد غير نجله بعدما أمضى الرجل ثلاثين عاما في السلطة. مارس حافظ الأسد السلطة بشكل مطلق. طوال تلك السنوات، لم يكن أمام من يقف في وجه الأسد الأب غير خيار الرحيل عن سوريا، أو دخول السجن، أو الاغتيال. كان مطلوبا بعد وفاة حافظ الأسد بقاء السلطة والثروة داخل العائلة نظرا إلى التلازم بين هذين العاملين.

مارس علي خامنئي، بصفة كونه “الوليّ الفقيه”، أي ظلّ الإمام الغائب على الأرض، السلطة على نحو مطلق. استطاع، عبر “الحرس”، أن يكون صاحب حصة كبيرة في الاقتصاد عبر شركات معيّنة وعبر مؤسسات تابعة لـ”المرشد”. لم يكن النشاط الاقتصادي لـ”الحرس” بعيدا عن مجتبى الذي خصص معظم وقته لتكوين سلطة خاصة به عبر جمع الثروة… على غرار ما فعله بشّار الأسد في سوريا طوال ربع قرن، قبل اضطراره إلى الفرار إلى موسكو.

يرمز اختيار مجتبى خامنئي لموقع “المرشد”، على الرغم من عدم امتلاكه الثقافة الدينيّة التي تؤهله لذلك، إلى دخول النظام الإيراني مرحلة جديدة هي مرحلة التوريث. تجاوز “الحرس الثوري”، حماية لمصالحه، كلّ الاعتبارات وذهب إلى جعل مجتبى خامنئي يرث والده. في أساس الخيار اعتبارات اقتصادية متعلّقة بالثروة، قبل أي شيء.

يفرض اختيار مجتبى خامنئي ليحل مكان والده، في “جمهوريّة إسلاميّة” قامت على أساس رفض التوريث، طرح سؤال محدّد. يتعلّق هذا السؤال بمدى التزام مجتبى للسياسات المتشددة التي كان يتبعها والده. معنى ذلك، هل “المرشد” الجديد نسخة عن “المرشد” الراحل… أم أنّه شخص براغماتي يعرف أنّ حماية النظام القائم تقوم فقط على بقاء “الحرس الثوري” في السلطة. إلى أي حدّ يبدو مجتبى، الذي يبلغ الـ56 من العمر، مستعدا لإيجاد صيغة تفاهم مع إدارة ترامب ومع بنيامين نتنياهو وحكومته. يعرف “المرشد” الجديد، قبل غيره وفي ضوء ما حلّ بوالده في الثامن والعشرين من شباط – فبراير الماضي، أن الخيار أمامه بين العيش تحت الأرض وبين التعرّض للاغتيال.

يبدو أن “الحرس” قرّر اعتماد التصعيد في كلّ الاتجاهات. ليس مجتبى خامنئي سوى أداة من أدوات هذه اللعبة التي كان والده صانعا لها

سارع “الحرس الثوري” إلى إطلاق دفعة جديدة من الصواريخ في اتجاه إسرائيل بعيد الإعلان عن اختيار مجتبى “مرشدا” جديدا. الأكيد أنّ مثل هذا التصرّف يستهدف إنقاذ ماء الوجه. المسألة مسألة أيام قليلة يتبيّن بعدها هل مصلحة “الحرس الثوري” في متابعة الحرب أم إيجاد طريقة للاستسلام من منطلق أن الأولويّة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، بما في ذلك الصناديق الماليّة والاستثمارات التي يديرها مجتبى وأفراد العائلة؟

طريق الاستسلام واضحة. توجد شروط معروفة لا يمكن للأميركيين والإسرائيليين التراجع عنها، بدءا بالبرنامج النووي وانتهاء بالأذرع الإيرانية مرورا بالصواريخ الباليستية والمنصات. ظاهرا، لا يمكن للنظام الإيراني القبول بهذه الشروط. لكنّ عليه في الواقع التكيف معها عن طريق مساومات تفرضها الحاجة إلى البقاء في السلطة بأي ثمن.

في النهاية لم يجمع علي خامنئي ونجله مجتبى و”الحرس” كلّ تلك الثروة سوى من أجل البقاء في السلطة. السلطة تأتي بالثروة والثروة تخدم البقاء في السلطة. لم تخدم الظروف على خامنئي، لكن ليس ما يشير أنّ مجتبى، من خلال المعلومات المتوافرة عن سلوكه، من هواة الانتحار. قد يكون مختلفا عن والده، بل مختلفا جذريا عنه، خصوصا أنّه تعرّف على كيفية جمع ثروة كبيرة وكيفية وضع هذه الثروة في خدمة السلطة، سلطة “الحرس” الذي يريد من مجتبى أن يكون أداة طيعة لديه لا أكثر.

لا يدلّ على أنّ مجتبى أداة في يد “الحرس” أكثر من التوجيه الأول الذي أصدره بعد وراثته لوالده. جاء في التوجيه:

  •  أولًا: نمنح القوات المسلحة تفويضا كاملا ومطلقا لاختيار الزمان والمكان والوسيلة المناسبة للرد على أي اعتداء طال أو يطول أمننا القومي.
  •  ثانيًا: إن حماية المنشآت الحيوية والنووية هي خط أحمر، وأي تجاوز له يمنحكم الصلاحية لضرب أهداف استراتيجية في عمق أراضي المعتدين وحلفائهم دون انتظار إذن مسبق.
  •  ثالثًا: إن الرد يجب أن يكون حازما ومزلزلا، ليفهم الاستكبار العالمي أن تغيير القيادة في إيران لا يعني ضعفا، بل هو اشتعال لروح الانتقام والتحدي”.

يبدو أن “الحرس” قرّر اعتماد التصعيد في كلّ الاتجاهات. ليس مجتبى خامنئي سوى أداة من أدوات هذه اللعبة التي كان والده صانعا لها.

المصدر العرب

اترك رد

عاجل