المؤامرة وأخواتها واللهث داخل الأحداث

عبد الحميد الشدة28 مارس 2019آخر تحديث :
عبد الحميد الشدة

تتوالى الأحداث، تتسارع مليئة بالمآسي والانكسارات والألغاز، فنركض خلفها، نسرع أكثر فنلهث ونتوقف للتنفس قليلا، وأيضا للتعليق على ما جرى، ثم تتوالى الأحداث من جديد فنعود إلى الركض واللهثان والتعليق. إنه سبق جهنمي لايترك وقتا كثيرا للتفكير، ولضيق الوقت والفكر نختصر الأمور..

في هذا السوق الشاذ من المعارك الخاسرة تتصدر المؤامرة المكان الأول وتجد عندها كل التفاسير وحلولاً لكل الألغاز؛ وتزيد في إكرامك فتعطيك مقعداً مريحاً وكأساً من العصير الذي يثلج قلبك وينسيك ثقل الواقع. وهذه المؤامرة السيدة ليست وحيدة، فلها أقرباء ورفاق طريق ومساعدون.

فهناك دائماً قائد أعظم أب مؤبد خالد لا يناقشه أحد، يفكر بدل الأمة كلها ويفهم الجميع كلماته وأفكاره وهي تطير وأحياناً قبل أن يفكر ويرطلون خصيانه حرصاً على راحة سموه وحفاظاً على سلامة النسل القادم كي يستمر هذا الفريد في إحاطة الناس بعطفه وبجرة غاز.

وبما أن القالب تم تجريبه فقد سمح كل الثوار؛ من قائد الكتيبة في خنادق القتال إلى أصحاب المعالي في العواصم البعيدة، سمحوا لأنفسهم بإستعارة صورة القائد الخالد مع تعديل في الملامح. هم أيضاً يحق لهم الخلود والحصانة وترطيل الخصيان وهم نادرون وأيضاً فريدون ولا تستطيع الأمة الاستغناء عنهم.

وفي خضم هذه الأحداث التي لا وقت ولا طاقة ولا إرادة من أجل فهمها والبحث عن أسبابها المتجذرة وفي وجود السيدة المؤامرة يكون تسليم التفكير إلى “القواد” الخالدين، صغاراً وكباراً ومتوسطي الحجم، أكثر ملاءمة للوضع اللاهث.
وتفضل علينا السادة المبجلون المحصنون الملتحون متكرمين بهدية فاخرة معلبة على شكل نصيحة ذهبية. نعم إنهم أكدوا لنا أن الأوائل فكروا وتعبوا وعملوا ليلاً نهاراً في التفكير والجمع والنثر والأولى لنا ألا نفكر وألا نبحث وأن نستمع لخطاباتهم الرنانة وكلماتهم المنمقة وقد قضي الأمر منذ أزمنة، ونصحونا مثل اخوانهم اليهود والنصارى بأن لا علينا سوى أن ننتظر ظهور الأعور الدجال وخروج المهدي ونزول المسيح، ودليلاً على هذا أعطونا عناوين في الغوطة وفي دابق.
كم هو مريح ومنعش أن تعطي اللاهث وراء الأحداث جرعة من الفكر الجاهز الصنع، وكأنك تعطي الجائع “فاست فود ماكدونالدز”.

يتم هذا السباق تحت أنظار الدول التي تنظر إلينا بكاميراتها الخفية والظاهرة فتزيد في السرعة وتنقص حسب الحاجة وحسب المحاصصة وحسب درجة اللهثان. كما يوجد في آسيا حلبات لمصارعة الديوك وأيضاً كائنات أخرى لا وقت لديها للتفكير كيف وصلت إلى هذه الحالة لكنها تملك القدرة على الكبرياء وعلى المكابرة أيضاً.

أسوار الحلبة متينة لكن يمكن تجاوزها والقفز فوقها؛ هناك عالم ما فوق القوالب وفوق العقول المتخشبة وفوق الاستعباد. كثيراً ما تنقل النسمات والريح نفحات من ورد الحرية إلى هذا الملعب فيتلفت المشاهدون هنا وهناك للتعرف على شكلها وهيئتها خلف ضباب الملعب. يزيد حراس الملوك وحراس المعابد وإخوانهم تجار الحروب والدم من وتيرة عداد السرعة كي يلهث الناس أكثر ويفوتهم قطار الفكر والتفكر والوعي ويطلقون الشعارات المبدعة والتعليقات السطحية الجذابة وقصص المغنيين المسيسين والممثلات الملتزمات بالوطنية.

بعض الطيور تستطيع لملمة الريش المتبقي لتبحث في التلال والقمم عن مكان اعتكاف ليروا واقعهم وأسباب أحداثهم مثلما يمسح القمر الصناعي الأرض، ولكي يجدوا صخرة يرتاحون فوقها ثم يفكرون، ولكي يتعرفوا على السيدة الحرية، على الأقل بين حدث وحدث.

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

    عاجل