الإعلام البديل في سوريا بين الواقع والمطلوب

سليم قباني15 يوليو 2018آخر تحديث :
الإعلام البديل في سوريا بين الواقع والمطلوب

مع انطلاق الثورة السورية منع نظام الأسد كافة القنوات ووسائل الإعلام العربية والعالمية التي لا تتسق سياساتها التحريرية وتوجهات البلدان الداعمة لها مع سياساته القمعية تجاه ثورة السوريين، حيث عمل النظام على حرمان هذه الوسائل الإعلامية من الحصول على مادة تثبت وتدين قمعه لشعب يطالب بإسقاطه، مما دفع السوريين للتوجه صوب “الإعلام البديل” ليقدموا للرأي العام وجهة نظرهم حول الحراك الثوري الشعبي وما يواجهه السوريون من استبداد وقمع منفلت من كل ضابط.

وقبل الخوض في تجربة بداية نشوء الإعلام البديل في سوريا، لا بد من التعرف بداية على “الإعلام البديل”، والذي يمكن التعريف به بأنه يشمل كل وسائل نشر المعلومة والخبر التي تتمتع بحرية تقديم المعلومة بعيداً عن سيطرة المؤسسات الإعلامية التقليدية في الدول والمجتمعات، وقد ساهم تطور شبكة الانترنت وتعدد خدماتها في منح وسائل الإعلام البديل ميزات وخصائص متطورة مثل التفاعلية والسرعة ولا محدودية المساحة والانتشار، والكلفة المنخفضة، والقدرة على جذب المتلقي.

وقد ظهرت ملامح الحضور الأول للإعلام البديل في سوريا في بداية القرن الحالي مع دخول خدمة الانترنت وبداية توسع انتشارها، لكن هذا النمط من الإعلام شهد مع انطلاق الثورة السورية مرحلة انتشار واسع شكل حالة انفجار إعلامي، لم تكن الأوضاع الاجتماعية والقانونية والتشريعية التي رافقت سنوات الثورة قادرة على احتواء واستثمار مضاعفات هذا الانفجار الإعلامي.

الإعلام البديل والثورة السورية

لجأ السوريون في بداية خروجهم بمظاهرات الثورة السورية الى استخدام الهواتف المحمولة كوسيلة لتوثيق هذه الحراك الشعبي وما يواجهه من قمع لم يكن لوسائل الإعلام التقليدية القدرة ولا مشروعية تغطيته، وبدأ الناشطون في رفع المقاطع المصورة بتقنيات بدائية على وسائل التواصل الاجتماعي، مثل يوتيوب وفيسبوك وتويتر، لتعويض غياب الإعلام المحلي والعالمي، وما لبثت القنوات العالمية، العربية منها والغربية أن بدأت في الاعتماد على ما يرد في هذه المقاطع من أخبار، وهي أخبار يبثها “المواطن الصحفي” السوري، لتروي نقيض ما يسرده الإعلام الذي يسيطر عليه نظام الأسد عبر هيمنته على كافة المؤسسات الإعلامية السورية، الرسمية والخاصة.

ولم يكتف المواطن الصحفي بتقديم الأخبار ومقاطع الفيديو، التي كانت تكذب روايات إعلام نظام الأسد بل بدأ في تطوير خبراته، تحت ضغط الحاجة لوجود ناشطين وإعلاميين يظهرون على شاشات القنوات الاخبارية العالمية لنقل ما يحصل على أرض الواقع من قمع يقوم به نظام الأسد وقتل ومجازر بحق الشعب الأعزل.

محاولة تطوير الإعلام البديل

بدأ بعض الصحفيين والكتاب السوريين الذين انحازوا للثورة السورية بتعليم المواطن الصحفي (الناشط) كيفية صياغة الخبر بشكل صحفي احترافي وكيفية تصوير مقاطع الفيديو، ليتمكنوا بحرفية من فضح جرائم الأسد على المواقع الإخبارية والقنوات العالمية.

كما حاول بعد الإعلاميين تأسيس مؤسسات إعلامية سورية خارج هيمنة نظام الأسد، بهدف توحيد جهود المواطنين الصحفيين، وتنظيم خطاب الثورة الإعلامي، وتلافي بعض الأخطاء التي يقع بها الناشطون من غير ذوي الاختصاص.

كما ساهمت جهود الناشطين الثوريين والإعلاميين المحترفين في التواصل مع مؤسسات وأفراد قدموا للناشط السوري الإعلامي من فئة “المواطن الصحفي” بعض الأدوات الإعلامية الضرورية للعمل الصحفي مثل “الكاميرات وأجهزة الحواسب المحمولة، وأجهزة الانترنت الفضائي” إضافة إلى بعض التدريبات التي مكنتهم من اكتساب بعض الخبرات في مجال العمل الإعلامي.

الإعلام البديل السوري.. بين الفشل والنجاح

بعد مرور سنوات من عمر الثورة السورية بدأت تتضح معالم نتائج تجربة الإعلام البديل في سوريا، ورغم النجاحات الكثيرة التي حققها الإعلام البديل إلا أنه بدا أن هذا النمط من النشاط الإعلامي قد مني بفشل كبير، حيث لم يستطع الصحفيون السوريون والمواطنون الصحفيون تأسيس مؤسسات إعلامية ناجحة محترفة، تستطيع التنسيق بين بعضها، كما عجز العاملون في هذا الحقل عن إرساء منظومة نظرية وعملية ومبادئ تحكم هذا النشاط وتنظمه وتستثمر قدراته والفرص التي أتيحت له.

وفي ظل ملاحقة قوات نظام الأسد الأمنية والعسكرية للمواطنين الصحفيين، والصحفيين في سوريا وقتلهم وتهجيرهم وزج الكثير منهم في المعتقلات وموت المئات منهم تحت التعذيب في المعتقلات، تقلصت الفرصة أمام عمل الإعلام البديل وكانت هذه السياسة القمعية عائقاً كبيراً في وجه إمكانية العمل الهادئ المنظم لتكريس وجود الإعلام البديل وإرساء منظومة عمل ناجحة وخبرات تراكمية.

ولكن سياسة التنكيل التي مارسها نظام الأسد لم تكن العائق الوحيد في وجه الإعلام البديل، فالفصائل المسلحة المحسوبة على الثورة عملت هي الأخرى على فرض سيطرتها على الإعلام بقوة السلاح، حيث أرادت أن تكون المصدر الوحيد للخبر في مناطق سيطرتها، لتتحكم بالرواية التي يقدمها الإعلام عن أوضاع المناطق والبشر الذين يعيشون تحت سلطة سلاحها.

وفي ظل التحديات التي واجهها الإعلام البديل في سوريا من قبل نظام الأسد والفصائل المسلحة المعارضة، جاءت المنظمات الداعمة للإعلام البديل لتزيد الطين بلة، حيث بدأ بعض الصحفيين والناشطين بتأسيس مؤسسات إعلامية تعنى بالشأن السوري وتطوراته، وتنوعت اهتمامات هذه المؤسسات، وزاد اعتمادها على الدعم المادي المقدم لها من قبل هذه المنظمات الاجنبية، التي كانت في معظمها جهات مانحة ومقررة للسياسة التحريرية لهذه المؤسسات، مما أدى إلى انتشار وسائل إعلام بديلة تمثل سياسة داعميها، لا طموحات إعلامييها ولا السوريين، ولا تعنى بتضحياتهم ومعاناتهم وطموحاتهم، حتى بدا الكثير من هذه الوسائل الإعلامية وكأنها منفصلة عن واقع السوريين وما يعانونه من ويلات ومجازر يرتكبها الأسد بحقهم.

وظهر الكثير من مؤسسي هذه الوسائل الإعلامية وكأنهم في وادٍ غير ذلك القاع الذي يعيش أهواله الشعب السوري، وكأن جل همهم الحصول على الدعم المادي لاستمرار عمل مؤسساتهم ورواتبهم.

كما ظهرت حالة من التخبط المرعب في منظومة عمل وهدف وخطاب هذه المؤسسات واختصاص كل واحدة منهم، فالإعلامي اختلط بالتوثيقي، والإنساني والإغاثي، وأصبحت معظم الدورات التدريبية الإعلامية واجهة ووسيلة للحصول على تمويل لا يخدم أي هدف إعلامي بجدية ومهنية.

ما العمل لإنقاذ الإعلام البديل؟

تقتضي مهمة إنجاح العمل الإعلامي أن يكون له هدف ورؤية، وفي حالة الإعلام البديل تبدو هذه المهمة مسؤولية أكبر وتحدٍ لا يجب التنازل عن أهدافه، وهذا يقتضي أولاً أن ترتبط مؤسسات الإعلام البديل بحركات وجماعات نشطة وتعمل بشكل لصيق مع المجتمع، مما يستلزم قبل كل شيء تدريب النشطاء والإعلاميين على الحركة في أوساط مجتمعاتهم المحلية، وأداء أدوار تعزز حضورهم الواعي وتفيد مواطنيهم وتخدم تطلعاتهم.

وهذه الفرضية لا بد منها أساساً ليكون استحقاق وجود الإعلام البديل مطلوباً ومحل تقدير المجتمع.

كما لا بد لمؤسسات الإعلام البديل أن تتبنى نهجاً نقدياً غير تصادمي للظواهر السلبية التي يعاني منها المجتمع، وخاصة في ظل حالة الفوضى والاحتراب التي يعيشها بلد مثل سوريا، على أن يكون هذا النهج النقدي مسؤولاً ومنضبطاً بمنظومة قواعد وخبرات تحوز الحد المعقول من الاحترافية والمصداقية.

ولا يفوتنا طبعاً أن نؤكد على قيم احترام الحريات وخاصة حرية الرأي والتعبير، وكرامة الإنسان وسيادة القانون، والانحياز لحقوق الإنسان وقضاياه العادلة، وهي جوهر المبادئ التي قامت عليها ثورة السوريين، التي أوجدت الحاجة الأساسية للإعلام البديل ومنحته شرعية التعبير عن صوت السوريين الأحرار.
التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

    عاجل