لا سلام بدون قوة

عبد الرحمن الحاج26 أغسطس 2026آخر تحديث :
لا سلام بدون قوة
الدكتور عبد الرحمن الحاج

منذ اللحظة الأولى للتحرير قرر نتنياهو تدمير المقدرات العسكرية السورية، وفي شكل خاص منظومة الدفاع الجوي، ضمن استراتيجية اتضحت معالمها فيما بعد، تقوم على منع تمكين السلطة المركزية من الاستقرار والسيطرة على الجو والأرض، ودعم الأطراف للتمرد على المركز في دمشق، وفي شكل رئيس قسد وحكمت الهجري، اللذين كانا على صلة بها.

ولكن الأطراف انهارت في الوقت الذي حصلت فيه الحكومة على دعم دولي وإقليمي استثنائي. فقد أصبح تمكين المركز ووحدة البلاد أمراً محسوماً، فيما أدت السياسات الإسرائيلية الداعمة للهجري إلى فقدان قيمتها مع انهيار مشروع قسد في شمال شرق البلاد.

ولم يبقَ أمام الإسرائيليين سوى السعي لإضعاف قدرة دمشق عن بناء قدراتها الدفاعية، والسيطرة على حزام داخل الأراضي السورية بزعم ضمان ألا تشكل الأراضي السورية منطلقاً لعمليات تهدد أمن إسرائيل على غرار عملية 7 تشرين الأول/أكتوبر، وانتهاك الأجواء السورية لأغراض العمليات العسكرية خارج الحدود الإسرائيلية.

السيطرة على شريط خارج المنطقة العازلة وإقامة قواعد عسكرية إسرائيلية وتدمير الأراضي الزراعية برش السموم فيها والتوغل المستمر في الأراضي السورية بمحاذاة الشريط واعتقال السكان لم يلقَ رداً حكومياً، لأن الحكومة لا تريد الانجرار إلى معركة يمكنها معالجتها بطريقة أخرى، لكن سياسات “جار السوء” بحسب تعبير الوزير الشيباني (وهو تعبير شائع في ثقافتنا عن الجار المزعج والمؤذي) لم يتم التسامح معها.

فقد جندت الدبلوماسية السورية نفسها للضغط على الإسرائيليين عبر الولايات المتحدة أو عبر المفاوضات التي وضعت شرطاً لأي اتفاق أمني مرحلي، وهو العودة إلى وضع ما قبل 8 ديسمبر 2024.

وبغض النظر عن المقاربة الرسمية لمواجهة هذا التعدي الإسرائيلي، فلن تبقى يد نتنياهو الطويلة حرة من القيود في أن تمتد بشكل مستمر على الأراضي السورية دون عواقب على المدى الطويل، فعامل الزمن مهم وخطير أيضاً، ومن المرجح ولادة مقاومة محلية، فالناس لها كرامة، وستدافع عن نفسها وأرضها بالتأكيد إن لم تقم الدولة بأعمال ردعٍ للعدوان الإسرائيلي.

وواجب الدولة هو دعم السكان وتمكينهم من الدفاع عن أنفسهم طالما لا تنوي الاشتباك مع الإسرائيليين، إذ يجب ألا يُسمح للإسرائيليين بالشعور بالاسترخاء في المناطق التي يحتلونها من الأراضي السورية إذا أرادت الحكومة السورية تجنب المواجهة، كما يجب أن يفهم الإسرائيليون أن فائض القوة ليس هو كل شيء، فمواجهة سكان المنطقة وأهل الأرض ليس أمراً يمكن للقوة وحدها أن تحسمه.

أيضاً، وكما أشرت في مقال سابق (2 ديسمبر 2025)، فإن استمرار العمليات الإسرائيلية في الجنوب السوري خلق بيئة أمنية هشة وغير مستقرة، ومثل هذه البيئة على الحدود السورية الإسرائيلية مع الوقت لها تداعيات، فهي بيئة مناسبة لأطراف خارجية ستعمل على استغلالها.

وعلى الرغم من أن الحكومة السورية تبذل جهداً كبيراً وواضحاً لمنع تحول الهشاشة الأمنية إلى بيئة مواتية لتنظيمات موالية لإيران أو داعش، لأن ذلك يهدد أمن سوريا، إلا أن استمرار السلوك الإسرائيلي في الجنوب يرسخ هذه الهشاشة الأمنية وتحولها إلى بقعة متوترة لا تكون نتائجها على دمشق وحدها، وإنما على جميع جيرانها، وفي مقدمتهم “جار السوء”.

في المسار الموازي والأهم لإضعاف دمشق ومنعها من إعادة بناء قواتها العسكرية وقدراتها الدفاعية، سعت إسرائيل لمنع دمشق من امتلاك قدرة على الدفاع عن أجوائها، وعرقلة مساعيها لبناء القوات الجوية، بل إنها تسعى لمنع بناء جيش قوي، لأنها ترى فيه تهديداً، وفي هذا السياق تحديداً يأتي الهجوم الإسرائيلي على مطار أبو الظهور في إدلب.

لا تستطيع إسرائيل أن تفرض على سوريا عدم بناء قدرات دفاعية، ولكنها تحاول عرقلتها، وقد بررت ذلك بأن الهدف هو منع إقامة قاعدة عسكرية تركية فيه، لكن المطار يبعد نحو 70 كم فقط عن الحدود التركية، فما حاجة تركيا لإقامة قاعدة عسكرية في منطقة هي في متناولها جوياً؟! سبق القصف اتصالات مع الدبلوماسية السورية، وتم توضيح أن غاية المطار هي استيعاب قوات دفاعية موجهة ضد التنظيمات التي تهدد أمن سوريا، وليست قاعدة تركية، كان كل ذلك واضحاً للإسرائيليين ومع ذلك قاموا بقصف مدرج المطار الفارغ، كان الهدف الحقيقي من القصف واضحاً: عرقلة الجهود السورية لبناء قدرات دفاعية، ومحاولة رسم حدود للحضور التركي العسكري في سوريا.

سوريا دولة مستقلة، وتملك جميع الحقوق في بناء قواتها، ولا يمكن لأحد أن يملي عليها ما تكون، ولهذا فإن الحكومة ماضية في بناء قواتها، فحماية الأجواء والحدود السورية هي حماية لاستقرارها، وهو أمر لا يمكن التفاوض عليه، والحكومة تقوم بواجبها هذا بغض النظر عن موقف الجيران والمجتمع الدولي، والذي -لحسن الحظ- يدعم بقوة استقرار الدولة السورية لضمان مصالحها وضمان ألا يؤدي عدم الاستقرار إلى توليد تنظيمات إرهابية تهدد أمن دول المنطقة، على النحو الذي كان عليه في عهد النظام البائد.

الجزء الجوهري من رؤية الحكم الانتقالي لاستقرار سوريا هو ألا تتحول سوريا إلى منصة للإضرار بالدول المجاورة، أو أي دولة حول العالم، صحيح أن موقع سوريا الجغرافي الحساس لا يمكن فيه تطبيق سياسة “صفر مشاكل” بالنظر إلى وجود “جار السوء” ووجود أزمة في لبنان لها انعكاسات أمنية واقتصادية على سوريا، ولكن بشكل عام، أي تدخل سوري في المحيط أو في أي مكان لن يكون تدخلاً عسكرياً أو مبنياً على القوة.

فسوريا لن تستخدم القوة خارج حدودها، وإنما سيكون تدخلاً مبنياً على الدبلوماسية والوساطة، على مبدأ أن استقرار الدول الجارة هو استقرار لسوريا، ونحن هنا نتحدث في شكل خاص عن لبنان، التي تعاني هي أيضاً من سياسات متخبطة ومدمرة من “جار السوء” نفسه.

تطمح سوريا لأن تكون شريكاً في صناعة السلام حول العالم، فالدبلوماسية السورية، كما يُفهم من حديث الوزير الشيباني، تسعى لتلعب دوراً في الوساطة الدولية من أجل السلام، إذْ تمتلك سوريا بعد التحرير بدون شك خبرات استثنائية، وتفكيراً دبلوماسياً خلاقاً سمح لها بتجاوز أعقد المشكلات التي كان يُعتقد أنها قد تودي بها إلى مهاوي التفتيت أو الحرب الأهلية، ويمكنها بهذا التفكير المنبعث من تجربتها الفريدة أن تقدم إسهامها في صناعة السلام.

وهذا الطموح للدبلوماسية يحتاج إلى بناء سلام دائم ومضمون في سوريا، وهو أمر يتطلب بناء القوة الرادعة بجوار التفاوض وسياسات التهدئة، والتي تمنع انتهاك الأجواء والحدود السورية من إسرائيل أو أي جهة أخرى.

المصدر الثورة السورية

اترك رد

عاجل