
القاهرة – حرية برس:
عادت الإقامة السياحية إلى خيارات السوريين المقيمين في مصر بعد توقف منحها لفترة طويلة، إذ أفاد سوريون تحدثت إليهم حرية برس بإمكانية استخراجها مجدداً لمدة ستة أشهر، بكلفة إجمالية تدور في حالات عدة حول ألفي دولار أميركي، في مبلغ لا يمثل الرسوم الحكومية المعلنة للإقامة وحدها، وإنما الكلفة التي يدفعها المتقدمون لإنجاز الإجراءات عبر المسارات والوسطاء المتاحين. وتتقاطع هذه الإفادات مع تقارير حديثة تحدثت عن عودة منح هذا النوع من الإقامة للسوريين وعن كلفة إجمالية قد تتجاوز ألفي دولار.
وكانت منصة اللاجئين في مصر قد وثقت توقف تجديد الإقامات السياحية للسوريين ابتداءً من تموز/يوليو 2024، وربط طلباتها لاحقاً بموافقات أمنية، فيما كشفت وكالة رويترز عقب سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر من العام نفسه عن تعليق مصر تجديد أنواع من إقامات السوريين، بينها السياحية والدراسية والتجارية، لحين إجراء مراجعات أمنية. ومع عودة الإقامة السياحية حالياً، يبدو أن واحداً من أكثر المسارات استخداماً من جانب السوريين بدأ يفتح مجدداً، وإن بشروط وكلفة تجعلانه بعيداً عن متناول كثير من الأسر.
ويُذكر أن السنوات التي أعقبت وصول أعداد كبيرة من السوريين إلى مصر شهدت اعتماد شرائح واسعة منهم على الإقامة السياحية باعتبارها طريقاً أبسط لتقنين الوجود، قبل أن تتغير الإجراءات تدريجياً. ومع إغلاق هذا المسار أو تعثره، اتجه سوريون إلى بدائل من بينها التسجيل لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، أو الإقامة الدراسية والاستثمارية، إلا أن لكل واحد من هذه الخيارات قيوده القانونية والمالية.
الكرت الأصفر.. حماية أم إقامة؟
ومن أكثر الملفات التي تثير الالتباس بين السوريين وضع البطاقة الصفراء التي تصدرها مفوضية اللاجئين لطالبي اللجوء. فالبطاقة، التي تبلغ صلاحيتها حالياً 18 شهراً، تثبت تسجيل حاملها كطالب لجوء لدى المفوضية، لكنها ليست هي الإقامة المصرية. وتوضح المفوضية أن كل لاجئ أو طالب لجوء، شأنه شأن أي أجنبي مقيم في مصر، مطالب بالحصول على تصريح إقامة صادر عن السلطات المصرية، ويتم استكمال هذا الإجراء حصراً لدى الإدارة العامة للجوازات والهجرة والجنسية في العباسية بالقاهرة.
ومنذ نيسان/أبريل 2025 مددت وزارة الداخلية المصرية صلاحية الإقامة القائمة على اللجوء من ستة أشهر إلى عام كامل، غير أن المشكلة بالنسبة لكثيرين لم تعد في مدة الإقامة وحدها، بل في الوصول إليها أصلاً. فقد وثقت منظمة العفو الدولية حالات وصل انتظار أصحابها لموعد الإقامة إلى ثلاث سنوات، بينما قالت هيومن رايتس ووتش إن بعض طالبي اللجوء مُنحوا مواعيد تمتد حتى عام 2028.
وهنا يظهر الفارق بين الاعتراف ببطاقة المفوضية وبين الاعتراف بها كبديل عن الإقامة؛ فالسلطات المصرية لا تعتبر الكرت الأصفر وحده تصريح إقامة مصرياً. ووثقت منظمة العفو الدولية توقيف لاجئين وطالبي لجوء خلال حملات تدقيق رغم إبرازهم بطاقات مفوضية سارية، إذا لم تكن لديهم إقامة مصرية سارية، ومن بينهم سوريون. كما وثقت المنظمة ترحيل طالب لجوء سوري كان مسجلاً لدى المفوضية.
الدراسة لا تعني تصريحاً بالعمل
أما الإقامة الدراسية، التي لجأت إليها أسر سورية خلال فترة تعثر الإقامات الأخرى، فلا تمنح حاملها تلقائياً حق دخول سوق العمل. فقانون العمل المصري رقم 14 لسنة 2025 ينص على أن عمل الأجنبي يتطلب ترخيصاً من الجهة المختصة، وأن يكون مسموحاً له بالدخول والإقامة بقصد العمل. وبذلك يمكن للطالب أو أحد أفراد أسرته أن يكون مقيماً بصورة قانونية على أساس الدراسة، من دون أن يعني ذلك امتلاكه تلقائياً تصريحاً قانونياً للعمل.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة للسوريين الذين يعمل عدد كبير منهم في المطاعم والورش والخياطة وصناعة الملابس والتجارة والمهن الحرفية؛ إذ لم تعد مسألة الإقامة منفصلة عن القدرة على العمل وتأمين الدخل، خصوصاً مع تشديد التفتيش على أوضاع العمالة الأجنبية.
الاستثمار.. إقامة أطول ولكن لمن يستطيع
وفي الجهة المقابلة، توفر الإقامة المرتبطة بالاستثمار مساراً أكثر استقراراً زمنياً، لكنها ليست حلاً بسيطاً للأسرة التي تريد فقط تقنين وجودها. فالهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة في مصر تشير إلى إمكانية منح المستثمر الأجنبي إقامة لمدة تصل إلى خمس سنوات قابلة للتجديد طوال فترة المشروع، فيما ترتبط الإجراءات بوجود نشاط استثماري فعلي وعناصر من بينها طبيعة المشروع ورأس ماله ونشاطه.
ولهذا يبقى المسار الاستثماري بالنسبة إلى كثير من السوريين أثقل مالياً وإجرائياً من قدرتهم، فيما توفر الإقامة السياحية، رغم كلفتها المرتفعة وقصر مدتها، وقتاً إضافياً لمن يريد تسوية وضعه أو تصفية أعماله وممتلكاته قبل اتخاذ قرار نهائي بالبقاء أو المغادرة.
من سقوط النظام إلى حملات الإقامة
ولم تنتهِ حالة القلق التي عاشها السوريون في مصر مع سقوط نظام الأسد. ففي أواخر كانون الأول/ديسمبر 2024، تحدثت مصادر أمنية مصرية لـ«رويترز» عن وقف تجديد إقامات السوريين مؤقتاً بانتظار مراجعات أمنية، في وقت بدأ فيه بعض السوريين التسجيل لدى مفوضية اللاجئين بعدما تعطلت مسارات إقاماتهم السابقة.
وفي أواخر 2025 ومطلع 2026، قالت منظمة العفو الدولية إن السلطات المصرية كثفت عمليات التحقق من الهويات والإقامات في الشوارع وأماكن العمل، وشملت سوريين إلى جانب جنسيات أخرى. كما أعلنت السفارة السورية في القاهرة في كانون الثاني/يناير الماضي أنها تلقت من السلطات المصرية معلومات عن تنفيذ «حملات تدقيق دورية على الإقامات»، ودعت السوريين إلى حمل إقامة سارية.
ووصفت منظمات حقوقية هذه الإجراءات بأنها جزء من حملة واسعة شملت توقيفات وترحيلات، بينما تنفي الحكومة المصرية وجود حملة عامة تستهدف اللاجئين، وتقول إن إجراءات الإبعاد تتم في حالات مخالفة القانون أو وجود تهديد للأمن، ووفق إجراءات وضمانات قانونية. ولا تنشر السلطات المصرية أرقاماً تفصيلية لعمليات ترحيل السوريين تحديداً، ما يجعل من الصعب تقديم حصيلة مستقلة دقيقة.
علاقات سياسية تتحسن.. والملف السوري ينتظر
وتزامنت عودة الإقامة السياحية مع تحسن تدريجي في العلاقات الرسمية بين القاهرة ودمشق. ففي أيار/مايو الماضي، أجرى وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني أول زيارة رسمية له إلى القاهرة منذ سقوط النظام السابق، وبحث مع نظيره المصري بدر عبد العاطي ملفات العلاقات الثنائية والاقتصاد والتجارة والأمن الإقليمي.
وسبق ذلك تعثر في الملف الدبلوماسي؛ إذ أفادت تقارير صحفية بأن القاهرة تحفظت على ترشيح محمد طه الأحمد لرئاسة البعثة السورية، قبل أن ترشح دمشق الدبلوماسي يحيى دياب، وتفيد مصادر لاحقة بموافقة مصر على توليه مهامه بصفة قائم بالأعمال. ولا تتوافر معطيات رسمية تثبت وجود علاقة مباشرة بين هذه التطورات السياسية واستئناف منح الإقامة السياحية، ولذلك يبقى الربط بين المسارين زمنياً وسياسياً لا سببياً.
«خمسة عشر عاماً لا تُحزم في حقيبة»
ورغم عودة أعداد من السوريين إلى بلادهم بعد سقوط النظام السابق، فإن خيار العودة لا يبدو متاحاً بالطريقة نفسها لجميع المقيمين في مصر.
وقال مراسل حرية برس في مصر إن أسرة عاشت عشر سنوات أو خمسة عشر عاماً في القاهرة أو الجيزة لا تستطيع اتخاذ قرار المغادرة وكأنها أنهت رحلة قصيرة، موضحاً أن وراء كل أسرة شبكة من الالتزامات تبدأ بإيجار المنزل والأثاث ولا تنتهي عند المدرسة والعمل والمحل التجاري والزبائن والشراكات.
وأضاف أن كثيراً من السوريين بنوا مصدر رزقهم في مصر في الخياطة وصناعة الملابس والمطاعم والتجارة والحرف، وبعضهم يعيل من دخله أقارب ما زالوا داخل سوريا، مشيراً إلى أن العودة في ظل محدودية فرص العمل والدخل قد تقلب المعادلة بالنسبة إلى بعض هؤلاء؛ فمن كان يرسل المال إلى عائلته قد يجد نفسه بعد العودة محتاجاً إلى مساندتها.
ويزداد القرار تعقيداً بالنسبة إلى الطلاب وأصحاب المحال والشركات ومن يمتلكون عقارات أو معدات أو بضائع، فيما قال المراسل إن الحاجة إلى المغادرة السريعة دفعت بعض العائلات إلى عرض أثاث وممتلكات أو موجودات تجارية بأقل من قيمتها الفعلية لتوفير السيولة وإنهاء الارتباطات في أسرع وقت.
وتعكس أرقام المفوضية هذا المشهد المختلط؛ فحتى نهاية حزيران/يونيو 2026 ظل 93 ألفاً و879 سورياً مسجلين لديها في مصر، بينما أفادت المفوضية بأن نحو 35 ألف سوري طلبوا إغلاق ملفاتهم، في مؤشر على ارتفاع نوايا العودة، وقال 29% من السوريين المشمولين بأحدث مسح لنيات العودة إنهم يعتزمون العودة خلال الاثني عشر شهراً التالية.
القاهرة–دمشق.. طريق ما زال بلا رحلة مباشرة
ويضاف إلى كلفة إعادة تأسيس الحياة في سوريا عبء السفر نفسه. وعلى خلاف الاعتقاد بأن الرحلات المباشرة بين القاهرة ودمشق توقفت بعد سقوط نظام الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، فإن سجل الطيران يظهر أن التوقف يعود إلى عهد النظام السابق نفسه.
ففي تشرين الثاني/نوفمبر 2012 كانت «مصر للطيران» لا تزال تشغل رحلة يومية إلى دمشق وخمس رحلات أسبوعياً إلى حلب، قبل أن توقف الرحلات مؤقتاً بسبب تدهور الوضع الأمني قرب المطارات. وعادت الرحلات لفترة وجيزة مطلع كانون الأول، ثم أعلنت الشركة في منتصف الشهر نفسه تعليق رحلاتها إلى دمشق وحلب حتى إشعار آخر.
وبعد نحو أربعة عشر عاماً، أعلن وزير الطيران المدني المصري سامح الحفني في 28 تموز/يوليو الماضي أن القاهرة ودمشق تجريان مباحثات فنية وتشغيلية لاستئناف الرحلات المباشرة، متوقعاً عودتها «قريباً». وتحدثت تقارير عن إمكانية استئنافها خلال أقل من شهرين، وهو ما يجعل أيلول/سبتمبر احتمالاً وارداً، إلا أن أي موعد رسمي لبدء الرحلات لم يُعلن حتى الآن.
وبين إقامة سياحية عادت بكلفة ثقيلة، وبطاقة لجوء لا تعفي صاحبها من انتظار الإقامة المصرية، ومسارات دراسية واستثمارية لا تناسب الجميع، يقف آلاف السوريين في مصر أمام قرار لم يعد عنوانه ببساطة «البقاء أم العودة». فبعد سنوات طويلة، بات القرار مرتبطاً بالعمل والتعليم ورأس المال والعائلة والقدرة على البدء من الصفر مرة أخرى؛ وهي حسابات لا تختصرها الحدود المفتوحة ولا سقوط نظام سياسي.








