

ليس مجدياً الاستمرار في كيل الاتهامات لجهة بعينها وتحميلها المسؤولية كاملة، ولا نافعاً الغرق في رواية تفاصيل الارتكابات والانتهاكات، في أثناء الأحداث التي مرّ عليها عام في محافظة السويداء (جنوب سورية)، وليس في مصلحة السوريين الدخول في دوامة الاتهامات والتشهير والتحريض المتبادلة، وصرف النظر عن مسألة بناء سورية المستقبل وفق مدرجات دولة القانون والمواطنة المتساوية.
ما جرى من الانتهاكات المدانة، وغير المبرّرة أبداً، لا يحجب إمكانية النظر إليها من مختلف الجوانب، خصوصاً وأنه لم يجرِ التستر عليها، أو الاستهانة بها، بل تشكلت لجنة تحقيق وطنية أصدرت تقريرها الخاص. والأهم أن اللجنة الأممية المستقلة المعنية بالشأن السوري، أصدرت تقريراً لم يبتعد كثيراً عن تقرير اللجنة الوطنية، بل تقاطع معه في جوانب وحيثياتٍ كثيرة. وخلصت إلى أن أعمال العنف التي اجتاحت محافظة السويداء في يونيو/ تموز 2025، أسفرت عن مقتل أكثر من 1700 شخص، وتهجير نحو مئتَي ألف شخص. واعتبرت بما لا لبس فيه أن ما جرى نزاع داخلي معقد ومتعدد الأطراف، تخللته انتهاكات جسيمة من كل القوى المشاركة، من قوى حكومية، ومجموعات مسلحة من البدو، والقبائل، والدروز، وإسرائيل. وأوصت بمحاسبة جميع المتورّطين من مختلف الأطراف، سواء كانوا من عناصر الأمن الداخلي أم وزارة الدفاع أم العشائر والبدو أم الفصائل المسلحة في السويداء.
لم يقف ملف أحداث السويداء عند حدود توثيق الانتهاكات ورصدها، بل دخل مرحلة المحاسبة القضائية
لتقرير اللجنة الأممية في أحداث السويداء أهمية خاصة، كونه يقطع مع السجال الذي يميل إلى توجيه التهم أحادياً، وينحو إلى توصيف دقيق لنزاع متعدّد الأطراف، ارتُكبت في أثنائه انتهاكات عديدة. ولم يغفل دور التدخل العسكري الإسرائيلي، الذي لعب دوراً كبيراً في زيادة لهيب الأحداث وتعقيدها، وتوظيفها خدمة لمصلحة إسرائيل. ولا يمكن اتهام اللجنة باختزال ما جرى من انتهاكات أو تخفيف معاناة الضحايا، ولا مراعاة أي طرف تورّط فيها، إذ لم يتردّد التقرير في تأكيد اعتبار الدولة السورية صاحبة المسؤولية في حماية جميع مواطنيها، لأنّ هذه أولى واجباتها، بغض النظر عن هوية الضحايا، وعن الجهة التي تورّطت في الانتهاكات، وحمّلها المسؤولية، باعتبارها الجهة الملزمة قانونياً وأخلاقياً بمنع حدوث الانتهاكات والجرائم على أراضيها، وبالتالي عليها محاسبة مرتكبيها، والعمل على صون النسيج الاجتماعي.
لم تتنصّل السلطات السورية عن مسؤوليتها، بل تحدّث الرئيس أحمد الشرع عن فخٍّ وقعت فيه إدارته، ووعد بمحاسبة جميع المسؤولين عن الانتهاكات والتجاوزات، أياً كانت مواقعهم. ولم يقف ملف أحداث السويداء عند حدود توثيق الانتهاكات ورصدها، بل دخل مرحلة المحاسبة القضائية مع انطلاق المحاكمات العلنية في الأول من يوليو/ تموز الجاري، في خطوة تُعد اختباراً حقيقياً للدولة السورية وسلطاتها، وتمثل فرصة سانحة لكتابة صفحة جديدة في تاريخها، تقوم على المحاسبة والعدالة، ولقدرتها على تعزيز مبدأ سيادة القانون، الأمر الذي استدعى ترحيب اللجنة الأممية المستقلة ببدء محاكمات المتهمين في الأحداث، وشكل دفعة جديدة لمسار العدالة الانتقالية، الذي بات أحد أبرز الملفات في المرحلة الانتقالية.
يشكّل مسار المحاكمات تحولاً مهماً في كسر حصانة الأجهزة الأمنية والعسكرية من المحاسبة
لم تكتف اللجنة الدولية المستقلة بالترحيب بانطلاق المحاكمات، بل اعتبرتها خطوة مهمّة نحو المساءلة واستعادة الثقة، ودعت إلى ضمان محاكمات عادلة وشفافة، ومحاسبة جميع المتورّطين، وإصلاح القطاع الأمني، والإفراج عن المحتجزين تعسّفياً. ولا يلغي هذا المطالبة بشمولية المحاكمات، والإسراع بالإجراءات، وتطبيق العدالة بعيداً عن الانتقائية، وبما يلبّي تطلع ذوي الضحايا إلى الإنصاف، ويحقق المساعي المبذولة من أجل تعزيز مبدأ عدم الإفلات من العقاب، مع الأخذ بالاعتبار ضرورة أن تشكل محاكمات الجناة بداية طريق المصالحة واستعادة الثقة بين الدولة والمجتمع. وعدم التوقف عند المحاسبة، باعتبارها ليست سوى المسار الأول، وتمثل مدخلاً أساسياً لمعالجة تداعيات أحداث السويداء، التي تتطلب استكمال مسارات أخرى، تشمل حماية المدنيين، وضبط السلاح، وإصلاح المؤسّسات الأمنية، وجبْر الضرر، والتعويض، ومتابعة ملف المختطفين والمختفين، ومكافحة خطاب الكراهية والتحريض، وتعزيز المصالحة المجتمعية.
ليس المطلوب الركون عند إشارة بيان اللجنة الأممية إلى التقدّم الذي أحرزته الحكومة السورية في تنفيذ توصيات منها سابقة، وأنها شجّعت على توسيع المشاورات مع مجموعات الضحايا والمجتمع المدني، بما يعزّز الثقة والشعور بالملكية في مسارات العدالة الانتقالية والمساءلة، لأنه أكد أيضاً أنّ المدنيين في محافظة السويداء يعيشون “حالة من عدم اليقين”، و”لا يزالون في حالة من الانتظار”، أي أنهم بحاجةٍ إلى اتخاذ السلطات السورية خطواتٍ إضافيةٍ في ملف العدالة والمساءلة. ولم يغب عن اللجنة الأممية دعوة المجموعات المسلحة في السويداء إلى الإفراج عن جميع الأشخاص المحتجزين تعسّفاً، واحترام الحقوق الأساسية لجميع المدنيين، وفقاً للقانون الدولي لحقوق الإنسان.
تقطع تقارير الأمم المتحدة مع النقاش السوري الدائر حول أحداث السويداء، وقبلها أحداث الساحل، سواء في الخطاب العام أم وسائل التواصل الاجتماعي
يشكّل مسار المحاكمات تحولاً مهماً في كسر حصانة الأجهزة الأمنية والعسكرية من المحاسبة، وترافق مع نقل تبعية القضاء العسكري إلى وزارة العدل، بدلاً من وزارة الدفاع، الأمر الذي يسهم في تعزيز استقلالية القضاء، لكنه غير كافٍ وحده لطمأنة جميع الأطراف، بالنظر إلى أن مشكلة السويداء ليست حقوقية فحسب، بل سياسية ومجتمعية أيضاً، في ظل وجود تدخلات خارجية، وفي مقدمتها الدور الإسرائيلي، أسهمت في تعقيد الملف ومنع التوصل إلى حلول. لذلك؛ لن تكتمل العدالة بمحاسبة المنفذين وحدهم، بل يجب أن تشمل من حرّضوا وخطّطوا ودفعوا باتجاه العنف، كي يشعر السوريون، وخصوصاً أهالي محافظة السويداء، بجدية المسار القضائي، وأن المحاسبة تطاول أيضاً الفاعل الحقيقي والمعنوي والمخفي. إضافة إلى الأخذ بدعوة التقرير الأممي إلى القيام بإصلاحات في القطاع الأمني، وتكثيف الجهود لإعادة بناء الثقة بين المجتمعات المحلية، وتعزيز الثقة مع الحكومة المركزية، والحاجة المُلحّة إلى تلبية الاحتياجات الإنسانية، ومعالجة الدمار الهائل للممتلكات لتمكين النازحين من العودة.
يشير صدور تقارير لجان التحقيق، وبدء المحاكمات، إلى تسجيل سابقة أولى في تاريخ الدولة السورية، وسابقة عربية أيضاً، ترافقت بجملة التسهيلات التي قدمتها الإدارة السورية بغية وصول المحقّقين الدوليين والمحليين إلى مناطق الأحداث، وعكست تعاونها مع الجهود الدولية الحقوقية للوصول إلى تحقيق العدالة. وتقطع تقارير الأمم المتحدة مع النقاش السوري الدائر حول أحداث السويداء، وقبلها أحداث الساحل، سواء في الخطاب العام أم وسائل التواصل الاجتماعي، والذي تحوّل إلى جدل لا يُعنى بتناول الوقائع، نظراً إلى أنه صار محكوماً بمسبقات عديدة، حيث ليست غاية معظم ما يُطرح فهم ما جرى، بل إعادة إنتاج سردية أحادية منحازة، تنظر إلى ما حدث من منظور متصلّب، لا يأتي على فهم الأسباب والحيثيات، بل إلى لغة الإقصاء، ورفض النقاش العقلاني.





