البنك الدولي يغيّر رأيه: نعم لتدخل الدولة في الاقتصاد

سلام الكواكبي20 يوليو 2026آخر تحديث :
سلام الكواكبي

على مدى عقود طويلة، ساد اعتقاد في الأوساط الاقتصادية الدولية بأن الطريق الأقصر إلى التنمية والازدهار يمر عبر تقليص دور الدولة وترك الأسواق تعمل بحرية شبه كاملة. تجسدت هذه الرؤية فيما يعرف بـ”توافق واشنطن”، الذي دعا إلى الخصخصة، وتحرير التجارة، وتقليص الإنفاق العام، ورفع القيود التنظيمية عن النشاط الاقتصادي. لكن التطورات التي شهدها العالم خلال العقود الثلاثة الأخيرة، وما رافقها من أزمات مالية وصناعية وجيوسياسية، دفعت الكثيرين من أبرز منظري الليبرالية الاقتصادية إلى مراجعة مواقفهم السابقة، والاعتراف بأن الدولة ليست عبئاً على الاقتصاد كما كان يُقال، بل هي في كثير من الأحيان شرط أساسي لنجاحه.

ومن المفارقات أن أبرز من قاموا بهذه المراجعة هو الاقتصادي الفنزويلي ريكاردو هاوسمان، الذي كان مدافعًا عن سياسات “توافق واشنطن” في تسعينيات القرن الماضي. فقد لاحظ أن دول أمريكا اللاتينية التي طبقت الوصفات الليبرالية بحذافيرها لم تحقق معدلات النمو الموعودة، بل استمرت معدلات الفقر مرتفعة واتسعت الفجوة بينها وبين الاقتصادات الآسيوية والصناعية المتقدمة. ومن هنا، بدأ هو ومجموعة من الاقتصاديين بإعادة التفكير في المسلمات الاقتصادية التي حكمت تلك المرحلة، ليصلوا إلى استنتاج مفاده أن الدولة ليست المشكلة دائماً، بل قد تكون جزءاً من الحل. لقد خلص هاوسمان وزملاؤه إلى أن الاستثمار الخاص، وهو المحرك الأساسي للنمو، لا ينشأ في الفراغ. فالدولة تستطيع تشجيع المستثمرين عبر الإعانات والقروض وبرامج الدعم الموجهة. كما تستطيع خلق البيئة المؤسسية والقانونية التي تسمح بازدهار المبادرات الاقتصادية. وفي الوقت نفسه، شددوا على ضرورة وجود آليات رقابة ومساءلة تحد من الفساد ونفوذ السياسيين وجماعات المصالح، بحيث لا تتحول السياسة الاقتصادية إلى وسيلة لتوزيع الامتيازات على المقربين.

ولم يقتصر هذا التحول الفكري على بعض الأكاديميين، بل امتد إلى مؤسسات دولية كانت تُعد لعقود المرجعية الفكرية الأساسية لليبرالية الاقتصادية. فالبنك الدولي، الذي ارتبط اسمه طويلاً بالدعوة إلى تحرير الأسواق ومحاربة ما يُسمى بالسياسة الصناعية، عاد ليقر بأن تدخل الدولة يمكن أن يكون أداة ضرورية لتحقيق التنمية إذا جرى تصميمه وتنفيذه بطريقة صحيحة. وقد اعتبر في تقرير حديث أن السياسة الصناعية ينبغي أن يُنظر إليها كأداة مشروعة متاحة لكل دولة، لا كأنها انحراف عن قواعد الاقتصاد السليم. ويكتسب هذا التحول أهمية خاصة لأن البنك الدولي نفسه كان قد لعب دوراً رئيسياً في نشر الأفكار الليبرالية في أميركا اللاتينية والعالم النامي، وربط في مراحل سابقة بين الحصول على التمويل الدولي وتبني سياسات الخصخصة وتحرير الأسواق. أما اليوم، فإن المؤسسة ذاتها تعترف بأن تجربتها السابقة كانت ناقصة، وأن كثيراً من الدول التي حققت نجاحات اقتصادية كبرى فعلت ذلك بفضل مزيج من السوق والدولة، لا عبر الاعتماد على السوق وحدها.

ولعل أبرز دليل على ذلك هو تجربة النمور الآسيوية في كوريا الجنوبية وتايوان وسنغافورة وهونغ كونغ. فهذه الدول لم تكتفِ بترك الأسواق تعمل بحرية مطلقة، بل استخدمت أدوات متعددة لدعم الصناعات الناشئة، وتمويل القطاعات الواعدة، وحماية بعض الأنشطة الاقتصادية مؤقتاً حتى أصبحت قادرة على المنافسة عالمياً. كما أن صعود الصين خلال العقود الأخيرة قدم دليلاً إضافياً على أهمية الدور التنموي للدولة. فبكين لم تتبع الوصفات التقليدية التي روجت لها المؤسسات الدولية، بل اعتمدت على مزيج من التخطيط الاستراتيجي والدعم الحكومي والاستثمار طويل الأمد في القطاعات الحيوية. والنتيجة أن الصين أصبحت قوة صناعية وتكنولوجية كبرى في مجالات السفن والسيارات الكهربائية والبطاريات والطاقة الشمسية.

لكن الاعتراف بدور الدولة لا يعني الدعوة إلى اقتصاد موجه أو إلى بيروقراطية متضخمة. فالتجارب الناجحة تؤكد أن المطلوب هو دولة ذكية ومنظمة وقادرة على التخطيط والرقابة والتقييم. ولهذا يشدد البنك الدولي على أن نجاح التدخل الحكومي يتطلب مؤسسات تكنوقراطية كفوءة، وقواعد شفافة، وآليات تمنع الفساد وتحد من تأثير جماعات المصالح، مع التركيز على دعم القطاعات الاقتصادية، لا على منح الامتيازات لشركات بعينها.

ومن هنا يمكن النظر إلى النقاش الدائر حول مستقبل الاقتصاد السوري. فبعد سنوات من الحرب والعقوبات والتدمير، تحتاج سورية إلى استثمارات ضخمة وإلى إعادة بناء القطاعات الإنتاجية والبنية التحتية. وفي مثل هذه الظروف، يبدو مستغرباً أن يخرج بعض متحذلقي الاقتصاد ليطالبوا برفع يد الدولة بالكامل عن الاقتصاد، كأن التجارب العالمية الحديثة لم تحدث، وكأن البنك الدولي نفسه لم يراجع مواقفه، وكأن الولايات المتحدة والصين وكوريا الجنوبية وغيرها لا تزال تعتمد الوصفات القديمة نفسها. إن المطلوب في الحالة السورية ليس انسحاب الدولة، بل تطوير دورها. المطلوب دولة تنظم الأسواق بدل أن تتركها للفوضى، وتراقب المنافسة بدل أن تسمح بالاحتكار، وتدعم الإنتاج والاستثمار بدل الاكتفاء بالمراقبة من بعيد. يجب بناء مؤسسات قادرة على توجيه الموارد نحو القطاعات الأكثر أهمية للاقتصاد الوطني. فحتى أكثر الاقتصادات ليبرالية في العالم لم تعد تؤمن اليوم بأسطورة السوق التي تحل كل المشكلات وحدها.

لذلك، فإن الدعوات إلى رفع يد الدولة بالكامل عن الاقتصاد لا تبدو متأخرة عن العصر فحسب، بل تتناقض مع الاتجاه العالمي السائد الذي يعيد الاعتبار لدور الدولة بوصفها شريكاً في التنمية وحارساً للمصلحة العامة. ختاماً، نقول لمنظرّي اللبرلة المنفلتة: يطعمكم الحج والناس راجعة.

المصدر المدن

اترك رد

عاجل