قطاع الطاقة في سوريا.. وعود الاستدامة والواقع المأزوم

البشير: سوريا تحتاج إلى 831 مليون دولار شهرياً لشراء النفط الخام ‏والمشتقات النفطية

فريق التحرير20 سبتمبر 2026آخر تحديث :
مركبات تصطف أمام محطة وقود في دمشق. رويترز

شهد مجلس الشعب السوري اليوم الأحد، جلسة استماع لوزير الطاقة، محمد البشير، تمحورت حول الأزمة المتصاعدة في أسعار المشتقات النفطية وتأمين الاحتياجات المحلية، وجاءت هذه الجلسة عقب موجة استياء شعبي من نشرة الأسعار الجديدة والمؤقتة التي أصدرتها اللجنة الدائمة لتحديد أسعار المواد البترولية.

وحملت إفادة الوزير البشير أمام مجلس الشعب عدة مؤشرات اقتصادية وهيكلية يمكن تفكيكها إلى ثلاثة محاور أساسية:

1. الإرث الهيكلي وغياب البيانات:
اعترف الوزير صراحة بأن الوزارة تحمل “إرثاً ثقيلاً من مخلفات النظام البائد”، وأشار إلى معضلة هيكلية خطيرة وهي “غياب قواعد البيانات”، مما يعني أن خطط التنمية والترميم تسير وسط بيئة تفتقر للمعلومات الإحصائية الدقيقة، وهو ما يفسر التخبط المستمر في إدارة الأزمات الخدمية.

2. فجوة الأرقام وأزمة التمويل (عجز يطحن الموازنة):
تكشف الأرقام التي ساقها الوزير عن حجم الفجوة الهائلة بين الإنتاج والاستهلاك:

عجز النفط المشتق: تستورد سوريا مشتقات نفطية بمعدل 150 ألف برميل يومياً، بينما تعاني من فجوة تقدر بـ 200 ألف برميل يتم شراؤها من الخارج.

أزمة الغاز والكهرباء: تحتاج البلاد إلى 24 مليون متر مكعب من الغاز يومياً، بينما لا ينتج محلياً سوى 8 ملايين متر مكعب. ولتغطية عجز الكهرباء، تشتري الوزارة غازاً بقيمة 140 مليون دولار شهرياً من أذربيجان وسفينة العقبة الأردنية.

الفاتورة الإجمالية: تحتاج سوريا إلى 831 مليون دولار شهرياً لشراء النفط الخام والمشتقات، وهو رقم يعجز الاقتصاد السوري الحالي المنهك عن تأمينه بانتظام، مما يدفع الوزارة للجوء إلى “عقود التراضي” والتعاقد مع دول معينة، والاعتراف بأن التعديل الأخير للأسعار يهدف أساساً لتأمين السيولة لضمان استمرار الإمدادات.

    3. ما مدى واقعية الوعود الزمنية
    أطلق الوزير وعوداً تبدو متفائلة جداً، حيث أشار إلى أن سوريا ستحقق الاكتفاء الذاتي من النفط بحلول عام 2028، بينما تحتاج إلى 7 سنوات ليصل إنتاج الغاز إلى مستويات مرضية، وهذه الآجال الزمنية (سنتان للنفط و7 للغاز) تبدو أكثر من متفاءلة بالنظر إلى الحالة الفنية السيئة لمصفاة حمص، والاضطرار الدائم لإجراء عمرات وصيانة لمصفاة بانياس، إضافة إلى أزمة تأمين القطع الأجنبي اللازم لقطع التبديل وأعمال الحفر.

    ثانياً: خيارات السوريين في مواجهة واقع أسعار المحروقات

    في ظل بقاء الوعود الحكومية معلقة حتى عام 2028، يجد المواطن السوري نفسه أمام واقع معيشي يفرض عليه التكيف القسري بشتى الوسائل، وتتلخص خيارات السوريين الحالية في الآتي:

    الاعتماد المتزايد على الطاقة البديلة: بات التوجه نحو الطاقة الشمسية خياراً لا غنى عنه للعائلات والمحال التجارية لتأمين الحد الأدنى من الإضاءة وتشغيل الأجهزة الأساسية، هرباً من الفاتورة الباهظة لتوليد الكهرباء عبر المصافي الكهربائية والوقود التقليدي.

    التقشف وإعادة ترتيب الأولويات المعيشية: فرض الارتفاع الجنوني لأسعار المازوت والبنزين على العائلات السورية حصر استخدام وسائل النقل والتدفئة في الحالات القصوى والطارئة فقط، وتوجيه النفقات الشحيحة نحو الغذاء والطبابة والتعليم.

    اللجوء إلى السوق السوداء زالبدائل المغشوشة: في ظل عدم كفاية المخصصات “المدعومة”، سيضطر الكثيرون للبحث عن شراء وقود من أي مصدر معقول التكاليف، ما ينشط الغش وخلط المواد البترولية بأصناف رديئة، أو يفسح المجال للسوق السوداء، ما يستنزف المداخيل المتهالكة أساساً.

    البحث عن بدائل بدائية للتدفئة والطهي: مع شح الغاز المنزلي (الاستهلاك 1300 طن يومياً مع عجز مستمر)، عادت شريحة واسعة من السوريين، خاصة في الأرياف والمناطق النائية، إلى استخدام الحطب، وبقايا البلاستيك، والوسائل البدائية للتدفئة والطهي، برغم ما تحمله من مخاطر صحية وبيئية.

      ختاماً، تؤكد تصريحات وزير الطاقة محمد البشير أن المواطن السوري سيبقى رهين “النشرات المؤقتة” والأسعار المرتفعة لفترة ليست بالقصيرة. فالأزمة ليست مجرد صيانة طارئة لمصفاة بانياس أو ارتفاع استثنائي في التكلفة العالمية، بل هي أزمة بنيوية ترتبط بعجز تمويلي شهري يقترب من المليار دولار، وغياب للحلول الجيوسياسية الشاملة التي تتيح تدفق الاستثمارات وإعادة تأهيل الحقول الـ 78 بشكل كامل وعلمي.

      وإذ يتملك السوريون وعياً كاملاً وتفصيلياً بحجم الأزمة وتداعياتها الهيكلية، فإن هذا الإدراك لا يعفي الدولة من مسؤولياتها الدستورية والاقتصادية؛ إذ تظل الوظيفة الأساسية لأي سلطة هي ابتكار الحلول الاستراتيجية وسد الفجوات التمويلية عبر قنواتها السيادية، بدلاً من تحويل عجز الحلول الحالية إلى جبايات إضافية وأعباء معيشية تُثقل كاهل المواطن المستنزف أساساً.

      اترك رد

      عاجل