بسنت… صرخة أخيرة تكشف هشاشة واقع المطلقات

فريق التحرير13 أبريل 2026آخر تحديث :
مبانٍ سكنية في القاهرة – صورة تعبيرية تعكس البيئة الحضرية التي وقعت فيها الحادثة- انترنت

في لحظة بدت عابرة على شاشة هاتف، تحوّل بث مباشر إلى صدمة جماعية، ظهرت الشابة المصرية “بسنت” وهي تتحدث بصوت مثقل، قبل أن تنهي حياتها أمام متابعيها.

لم يكن المشهد مجرد فعل فردي معزول، بل بدا كأنه انفجار متأخر لضغوط متراكمة، تتجاوز التجربة الشخصية إلى بنية اجتماعية وقانونية أكثر تعقيدًا، حيث تجد المرأة المطلقة نفسها في موقع هش بين نصوص قانونية جامدة وواقع معيشي لا ينتظر.

في السياق المصري، تبدو منظومة الحقوق على الورق واضحة نسبيًا، إذ تُقر القوانين بحقوق مالية للمطلقة، غير أن المسافة بين النص والتطبيق واسعة. تستنزف النساء سنوات في أروقة المحاكم لتحصيل حقوق أساسية، بينما تتحول النفقة من ضمان قانوني إلى معركة يومية غير متكافئة، تُقاس فيها العدالة بقدرة المرأة على الصبر لا بفاعلية النظام. هذا الاختلال لا يظهر دائمًا في الإحصاءات، لكنه يتجلى في التفاصيل اليومية لحياة نساء يتحملن عبء الإعالة في ظل موارد محدودة.

الصورة أكثر قسوة في الحالة السورية، حيث لا يزال قانون الأحوال الشخصية محكومًا ببنية تقليدية تعود إلى عقود مضت، رغم التحولات العميقة التي أصابت المجتمع.

لم يُصمم هذا القانون للتعامل مع واقع تتزايد فيه الأسر التي تعيلها نساء، ولا مع حالات غياب الأب التي أصبحت جزءًا من المشهد العام، سواء بسبب الوفاة أو الهجرة أو النزاعات. في هذه الفجوة بين قانون قديم وواقع متغير، تتحول المرأة المطلقة إلى معيل رئيسي دون أن يمنحها النظام القانوني الأدوات الكافية للحماية أو الاستقرار. النفقة، حين تُقر، تبقى في كثير من الأحيان رمزية، والإجراءات القضائية تفقد معناها حين لا تترجم إلى قدرة فعلية على العيش.

هذا التباين يصبح أكثر وضوحًا عند النظر إلى نماذج أخرى، مثل ألمانيا، حيث لا يُترك الطلاق ليُدار فقط بين طرفين غير متكافئين. هناك، تتدخل الدولة بوصفها ضامنًا، ليس فقط لتنفيذ الأحكام، بل لمنع تحوّل الانفصال إلى أزمة معيشية. تُبنى القوانين على فرضية أن حماية الطرف الأضعف ليست خيارًا أخلاقيًا فحسب، بل ضرورة اجتماعية، وهو ما ينعكس في آليات واضحة لضمان النفقة، وفي شبكة دعم تقلل من احتمالات الانهيار الاقتصادي أو النفسي.

ما تكشفه حادثة “بسنت” يتجاوز حدود المأساة الفردية، ليطرح سؤالًا أعمق حول طبيعة العلاقة بين القانون والمجتمع. حين تبقى القوانين أسيرة تصورات قديمة، وحين يُترك تنفيذها لآليات بطيئة أو غير فعالة، فإنها تفقد وظيفتها الأساسية كأداة للعدالة. وفي هذا الفراغ، لا تكون النساء المطلقات مجرد ضحايا لظروف شخصية، بل لهيكل كامل يعيد إنتاج الهشاشة بصمت، إلى أن تظهر في لحظة علنية لا يمكن تجاهلها.

اترك رد

عاجل