
خاص – حرية بر س:
مع صدور أول فاتورة للكهرباء بأسعارها الجديدة التي أقرتها الحكومة السورية، صدم التغيير الكبير في تسعيرة الكهرباء السوريين، لترتفع معها الشكوى من عبء لا طاقة لهم به، وسط ظهور دعوات للاحتجاج على ارتفاع غير عادل لقيم الفواتير.
وكانت وزارة الطاقة قرّرت تنفيذ التعرفة الجديدة بدءاً من شهر يناير/ كانون الثاني الجاري، في إطار مشروع إصلاح قطاع الكهرباء وتحقيق الاستدامة وتحسين الخدمة، حيث توزع التعرفة على أربع شرائح تراعي الفئات الاجتماعية ومستويات الاستهلاك المختلفة. الشريحة الأولى، لأصحاب الدخل المحدود، حتى 300 كيلو واط سيكون سعر الكيلو واط الواحد 600 ليرة سورية، والشرائح الأخرى تتراوح بين 1400 و1800 ليرة (الدولار = نحو 11800 ليرة).
وبحسب مواطنين استطلعت “حرية برس” آراءهم، فإن الزيادة التي طرأت على فواتير الكهرباء جاءت كارثية، وأضافت عبئاً جديداً على المواطن السوري الذي يعاني أساساً ضعفاً كبيراً في الدخل، خاصة على العائدين من مناطق النزوح واللجوء بمواجهة تردي الخدمات ودمار المساكن وارتفاع أسعار المواد الأساسية.
ويقول موظف حكومي في تصريح لمراسل “حرية برس”، إن صدمته بالفاتورة الجديدة للكهرباء كانت كبيرة، وتشعره بالعجز عن السداد، في ظل راتب شهري يكاد لا يكفي لتغطية احتياجات عائلته الأساسية.
ويعلق موظف متقاعد على الزيادة الكبيرة التي طرأت على فاتورته لاستهلاك الكهرباء، بأنها تكاد تبتلع 50% من راتبه التقاعدي، ويضيف إن توفير استهلاك الكهرباء ليس حلاً كافياً ليكون قادراً على سداد الفاتورة، لأن أسعار الكهرباء نفسها ارتفعت أضعافاً مضاعفة، في حين أن الراتب التقاعدي ثابت وتكاليف المعيشة ترتفع باضطراد.
ويقضي قرار رفع أسعار الكهرباء الذي دخل حيز التنفيذ في تشرين الثاني/ نوفمبر من العام الماضي 2025، بزيادة تعرفة الكيلوواط الساعي بنسب وصلت في بعض الشرائح إلى أكثر من 600 بالمئة، بعد أن كانت هذه الخدمة تحظى بدعم حكومي كبير، في ظل أوضاع اقتصادية ومعيشية صعبة، وضعت معظم السوريين تحت خط الفقر وفق تقديرات الأمم المتحدة.
ويوضح “سعيد” لمراسل حرية برس في دمشق واقع الفارق الكبير بين فاتورتين قبل وبعد قرار رفع أسعار الكهرباء، بالقول إنه كان يدفع لفاتورة الدورة الواحدة حوالي 5 آلاف ليرة سورية، لترتفع قيمة فاتورته الجديدة إلى نحو 125 ألف ليرة، مع ثبات مقدار استهلاك عائلته للكهرباء واستخدامه لنفس العدد من الأجهزة الكهربائية، ورغم ارتفاع مدة التزود بالخدمة من ساعتين يومياً إلى نحو 8 ساعات باليوم، إلا أن فارق قيمة الفاتورة يبقى كبيراً لدرجة غير معقولة.
وتبرر المؤسسة العامة لنقل وتوزيع الكهرباء هذا الرفع لأسعار الكهرباء بضرورات إصلاح هياكل الأسعار لهذه الخدمة بحيث تقترب الأسعار من قيمة التكلفة، بغاية تحقيق توازن مالي يضمن استمرارية الخدمة وتحسين التوليد، وتدفع المواطن لترشيد الكهرباء، وتساهم في دعم جهود إصلاح قطاع الكهرباء الذي يعاني فاقداً كبيراً إلى جانب سوء حالته الفنية وضعف الإنتاج.
ويشرح مدير المؤسسة خالد أبو دي، في تصريح لموقع “العربي الجديد”، أن تحديد استهلاك الأسر التي لا تمتلك عدادات كهربائية بـ400 كيلو واط ساعي شهرياً جاء بناءً على دراسات أظهرت أن الاستهلاك الوسطي للأسر المزودة بعدادات يبلغ نحو 300 كيلو واط ساعي، في حين يتراوح استهلاك الأسر غير المزودة بعدادات بين 550 و600 كيلو واط ساعي. ويشير إلى أن اعتماد رقم 400 كيلو واط ساعي اعتُبر حداً أدنى عادلاً وأقل كلفة على المواطنين مقارنة بالاستهلاك الفعلي.
وكان المستشار في شؤون الطاقة والاقتصاد “زياد عربش”، أوضح في تصريحات سابقة إلى أن الزيادة التي أعلنتها وزارة الطاقة على أسعار الكهرباء كبيرة جداً، ولم تعتمد التدرج، بل استخدمت أسلوب “الصدمة”، لتقريب السعر من التكلفة الفعلية لإنتاج الكهرباء، التي تتراوح بين 1400 و1800 ليرة سورية لكل كيلو واط.
كما رأى عربش أن رفع السعر ضروري، لتحفيز تطوير قطاع الكهرباء وجذب الاستثمارات فيه، مشدداً على أن هذا القرار يفرض ضغطاً كبيراً على الأسر، خاصة تلك ذات الدخل المحدود، محذراً من تراجع مستوى المعيشة وارتفاع معدلات الفقر والاحتياج.
وأوضح عربش أن ارتفاع سعر الكهرباء سينعكس على تكاليف التشغيل للمصانع والمؤسسات التجارية، ما يؤدي إلى زيادة تكلفة الإنتاج، وبالتالي ارتفاع أسعار السلع والخدمات تدريجياً.
وكانت وزارة الطاقة السورية نفت قبل أيام صحة منشور تداولته منصات التواصل الاجتماعي حول قرار منسوب لوزير الطاقة محمد البشير يتضمن إلغاء الزيادات الأخيرة على أسعار الكهرباء والعودة إلى نظام الدفع السابق، وقالت الوزارة إن هذا البيان “مزور وغير صحيح”، ولا يستند إلى أي قرار رسمي صادر عنها، مؤكدةً أنه لم يصدر حتى الآن أي تعديل أو تراجع عن تعرفة الكهرباء الجديدة.
وبين توجهات الدولة لإصلاح قطاع الكهرباء وأسعار الخدمة، وسوء الأوضاع المعيشية، يجد السوريون وخاصة أصحاب الدخل الضعيف والمحدود، أنفسهم بمواجهة حمل ثقيل يكشف عمق الأزمة التي تعيشها البلاد، ويؤجج الغضب والتذمر ما لم يطرأ تحسن حقيقي على سوق العمل ومستويات الدخل.








