المسلسلات الدرامية والدعاية السياسية 

زكي الدروبي7 أبريل 2024آخر تحديث :
زكي الدروبي

منذ استتباب الأمر للمستبدين العرب وكانت الدراما التلفزيونية في بداياتها بسوريا، وكانت متقدمة في مصر، استعمل هؤلاء المستبدون الدراما لشتم من سبقهم، وتحميله مسؤولية فشلهم في إدارة الدولة، وفي الترويج لأفكارهم وأجنداتهم. 

وكما كانت بعض الأفلام السينمائية التي خرجت بعهد السادات في مصر مثلا ، تحمل نوع من الهجوم على فترة عبد الناصر، كانت بعض المسلسلات تفعل الشيء ذاته “الترويج”، وكان بعض الترويج ملعوبا بذكاء، وأصبحت تلك المسلسلات من الايقونات التاريخية، مثل مسلسل رأفت الهجان، والذي صنع في عهد مبارك لتحقيق جملة من الفوائد الداخلية والخارجية، ففي الداخل كان المسلسل يحاول القول بأن المخابرات المصرية تعمل بجهد من أجل رفعة وحماية مصر وشعبها، ولم يكن همها التجسس على المواطنين وتثبيت حكم الحاكم. 

في سوريا وبسبب طبيعة سلطة حافظ الأسد الاستبدادية، لم تصل الدراما لما وصلت إليه في مصر، وسمح الأسد الأب بهامش من الانتقاد لم يتجاوز وزير، كسلسلة مرايا والتي انتقدت الحالة الاجتماعية والفساد المحلي، ولم يتطرقالمسلسل إلى كون هذا الفساد منظما، وبرعاية ودعم من النظام الحاكم نفسه.

وفيما بعد، وعند ذهاب الأسد الأب إلى قبره، وتوريث الجمهورية إلى ابنه، صنع مجموعة من الشباب المبدع سلسلة مشابهة لمرايا اسموها “بقعة ضوء”، وتكلموا فيها أيضا وفق الهوامش، وبذكاء استطاعوا تمرير بعض ما يريدوه، كما كان يفعل القدير ياسر العظمة في مراياه.

في كل ما سبق كان دائما يظهر الأمر على أنه فساد غير منظم، وعندما يعلو السقف كثيرا، فإن الدراما تتحدث عن شبكات فساد تضم بعض المسؤولين، وكانت “القيادة” دائما تتدخل لتعيد الأمور إلى نصابها، وتعاقب الفاسد. 

بعد انطلاق الثورة السورية، أجبر النظام على رفع السقف أكثر، مع استمراره بتحميل المسؤولية لأفراد، وليس لمنظومة. فتحدثت الدراما عن فساد الأمن “المخابرات”، وارتفع بالسقف أكثر مما كان، واستفاد بعض الكتاب من معرفتهم بالبيئة وبهذه الأجهزة، وفضحوا الممارسات التي كانت تتم، لكنهم لم يستطيعوا تجاوز الخطوط الحمر بعدم استهداف المنظومة ككل، بل كان الاستهداف لأفراد فاسدين ضمن المنظومة. 

في مصر أيضا وبعد انقلاب السيسي، انطلقت الدراما لتحميل الاخوان المسلمين كافة المشاكل، بشكل مباشر وفج، ولتمدح بالقائد الذي انتصر على هذه الفئة التي كادت تودي بالبلد إلى التهلكة، رغم أن الوقائع تقول – بغض النظر عن اختلافي الأيديولوجي معهم – بأنهم لم يحكموا، وبأن أجهزة الأمن والجيش كانوا أصحاب الكلمة الأولى في هذا البلد، وبأن الفساد بلغ مستويات غير مسبوقة، وبأن التدهور الاقتصادي في عهده كبير لدرجة كاد يطيح بالبلد لولا تدخل الخليج وشراء بعض من أملاك الدولة وضخ كمية من الأموال لإيقاف التدهور السريع في الاقتصاد المصري.  

في تركيا لا علم لي عن تاريخ الدراما، لكني أتحدث منذ بدء متابعتي لبعض المسلسلات التركية قبيل انطلاق الثورة السورية، وحتى اليوم، فقد ظهرت العديد من المسلسلات برعاية ودعم كبيران لتتحدث عن بطولات أجهزة الأمن في حماية الوطن من المؤامرات الخارجية، أو مسلسلات تزور بالتاريخ وتصنع من بعض الشخصيات التركية أبطالا خارقين، كنوع من البروبوغندا التي تحقن الشعب وتعبئه بالفكر القومي الذي نرى آثاره اليوم في العداء والعنصرية تجاه العربي والسوري بشكل خاص، والأجنبي بشكل عام. 

تعتمد هذه المسلسلات على دغدغة مشاعر المواطن التعيس المنهك من أزمات وطنه الاقتصادية بسبب خيارات سيئة يقوم بها سياسيو هذا الوطن وحكامه ليقدم له بطلا خارقا، يعيش معه أحلام إنقاذ الوطن من العملاء الأجانب الذين يريدون إيقاف تقدم وازدهار هذا الوطن، وكأنه فعلا يتقدم ويزدهر في الحقيقة، وبهذا يتم رمي شماعة التأخر والانهيار الاقتصادي على هؤلاء العملاء ومن وراءهم الدول العظمى التي تريد اخضاع هذا الوطن وشعبه، ومن مسلسلات أخرى يقدمون له بطلا من نوع آخر، إنه البطل التاريخي الخارق الذي واجه المؤامرات على الامة وأقام امبراطوريتهم، وأرسى فيها دعائم الازدهار والتقدم، وبهذا يرتبط البعد التاريخي بالحاضر بالمؤامرات، وينتج عنه بروبوغندا قومية عنصرية أننا قومية مستهدفة ونحن – أي هذه القومية – لا نرضخ ودائما نصارع المؤامرات – منذ قديم الأزل لليوم –التي تهدف لتدمير الامة والوطن، ويظهر في اللاعوي عند المتلقي أن مشاكل وطنيه سببها الأغراب المتآمرين على وطنه ويتم تبرئة الساسة والحكام. 

أفكر حالياً بمتابعة المسلسلات الهولندية، بعد وصولي إلى هذا البلد، وكل ما أخشاه أن يتم عرض مسلسلات تتحدث عن نصار ابن هولندي وعقلته مع الكمندانوالفسافيس تبعه. 

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

    عاجل