هل سيشارك الأسد في قمة أستانة القادمة؟

ابراهيم الجبين
2022-07-27T00:45:51+03:00
تدوينات
ابراهيم الجبين27 يوليو 2022آخر تحديث : الأربعاء 27 يوليو 2022 - 12:45 صباحًا
إبراهيم الجبين
31c8fe2f686911023c8bec17 - حرية برس Horrya press

لم تعكس الصور المشتركة التي التقطها الزعماء الثلاثة؛ التركي رجب طيب أردوغان، والإيراني إبراهيم رئيسي والروسي فلاديمير بوتين، المشاركون في قمة أستانة التي عقدت في طهران الأسبوع الماضي حقيقة التباينات الكبيرة في المواقف في ما بينهم. وكانت أولى آثار تلك التناقضات في المصالح والرؤى القصف الروسي على الشمال الغربي السوري ضد المدنيين والذي أوقع أربعة أطفال أشقاء من بين القتلى والجرحى من جهة، والقصف التركي الذي استهدف قوات الأسد من جهة أخرى.

كان رئيس النظام السوري بشار الأسد الحاضر الغائب كالعادة. غير أن غيابه هذه المرة كان مختلفا، فداعمه الأكبر بوتين لم يعد كما كان في السابق. قد يكون أقل حصانة سياسيا واقتصاديا، لكنه أكثر شراسة عسكريا وأكثر تشبّثا برؤية روسيا للكيفية التي يمكن بها تحقيق مصالحها في أوروبا وآسيا وبالطبع في سوريا وحول العالم. بالمقابل فهو اليوم أكثر حاجة من ذي قبل للتمسك بحلفائه النافعين.

لا أحد يتحدث عن الرئيس الإيراني، فإيران مشروعها واضح ولم يعد يقبل المزيد من التأويل، بينما تبدأ من عند بوتين الذي عرض استضافة قمة أستانة القادمة في روسيا، مشاكل أردوغان مع الأسد.

صحيح أنه أضاف إيران، إلّا أن بوتين حين يقول إن بلدان الزعماء الثلاثة تريد رؤية “إجراءات ملموسة” في الملف السوري، فهو يدرك أن هذا لن يقع على عاتقه هو والإيرانيين، وبالتالي من خلفهم الأسد، إذاً هو يرمي الكرة إلى ملعب أردوغان الذي يطالبه بالضغط على المعارضة السورية للمزيد من الإجراءات ”الملموسة“.

الخلافات بين الإيرانيين والروس والأتراك في تلك القمة، حول القمح والمسيّرات والنفط والأمن، أكبر من الملف السوري، وأكبر من النظام السوري

ورغم أن الروس أوقفوا اجتماعات اللجنة الدستورية في جنيف، إلا أن بوتين لوّح بإمكانية المساعدة في أعمال تلك اللجنة دون انقطاع.

وكان الرئيس الروسي أكثر الثلاثة إيضاحا حول ما تمت مناقشته في قمة طهران، والتي يبدو أن سوريا لم تكن على رأس جدول أعمالها. فالتبادل التجاري بين موسكو وطهران بالعملات الوطنية بدلا عن الدولار، وتطور العلاقات الاقتصادية الروسية – التركية “رغم كل شيء” كما قال بوتين حرفيا، كان أهم بكثير من بحث شؤون المفاوضات السورية – السورية المتوقفة.

“رغم كل شيء” التي استعملها بوتين تظهر تماما ما الذي كان يتعرض له الرئيس التركي في طهران، فحليفاه الروسي والإيراني يريدان منه طي صفحة الخلاف مع النظام السوري، والتعامل بواقعية كما يقولان مع أن هذا النظام باق، وأنه لا بد من إشراكه في المباحثات اليوم أو غدا.

المرشد الإيراني علي خامنئي سرّب لوكالة “فارس” ما قاله لأردوغان خلال اجتماعهما في طهران؛ إن “العملية العسكرية التي تعتزم تركيا إطلاقها في سوريا من شأنها أن تزعزع استقرار المنطقة”. وكان خامنئي غير متحفظ حين قال إنه يعتبر أمن تركيا من أمن إيران، وأن على تركيا التعامل بذات المنطق مع أمن سوريا، والدخول في مباحثات مع السوريين.

ربما لهذا السبب تم استدعاء وزير الخارجية السوري فيصل المقداد إلى طهران على عجل، للقاء نظيره الإيراني حسين أمير عبداللهيان. فالنظام في دمشق يعوّل على المراحل السياسية قطعة قطعة، ولا يرى ضرورة للنهب الاستراتيجي، فهذا يمكن لحلفائه الكبار القيام به. وبالنسبة إليه فإن قمة أستانة هذه فرصة لوقف العملية التركية ضد ميليشيات “قسد” التي يهيمن عليها حليف آخر للأسد هو حزب العمال الكردستاني التركي في الشمال السوري لا أكثر.

وفي الآونة الأخيرة قامت تلك القوات الكردية بعقد اتفاقات جديدة مع جيش الأسد، بحيث سلمته العديد من المناطق ورفع عليها علمه، كي يمتنع الجيش التركي عن استهدافها، ولكن هذا لم يحصل فقد شن سلاح الجو التركي هجمات في عين العرب استهدفت قواعد لجيش الأسد، وصرّح أردوغان قائلا إن “قسد لن تخدعنا برفع علم النظام السوري في المناطق التي تسيطر عليها”.

رغم أن الروس أوقفوا اجتماعات اللجنة الدستورية في جنيف، إلا أن بوتين لوّح بإمكانية المساعدة في أعمال تلك اللجنة دون انقطاع

بطبيعة الحال فإن الأسد لا يريد وليس في برامجه لا الحالية ولا المستقبلية الدخول في مواجهة عسكرية مع تركيا، أما حؤوله دون استهداف الأتراك لـ”قسد” فهذا جزء من الترتيبات التي يعمل عليها لإعادة بسط سيطرته على كامل التراب السوري وإضعاف الأطراف جميعا، بمن فيهم من يبدون كحلفاء.

انظر على ماذا حصل في طهران؛ فقد توافق الرؤساء الثلاثة في البيان الختامي للقمة على رفض أي شكل من أشكال تقسيم سوريا، وعلى التمسك بسيادتها ومنع محاولات خلق واقع جديد على الأرض بما في ذلك ما تعرف بمبادرات الحكم الذاتي، وما تتضمنه من نهب لعائدات النفط شرقي الفرات.

وبقدر ما تطمئن هذه الكلمات السوريين على عدم السماح بمشروع انفصالي في الشمال والشمال الشرقي من سوريا، فهي تطمئن الأتراك أيضا وتظهر كرسالة قادمة من دمشق بأن الأسد لن يسمح للأكراد في النهاية بتجاوز الخط الأحمر.

بدت تلك أولى الإشارات التي يريد الروس من الأتراك التقاطها للتفكير في تطبيع علاقاتهم مع الأسد، غير أن الأتراك لا ينظرون إلى الأسد والملف السوري كلّه إلا كقضية أمن قومي، أي أنها لا تختلف بأي صورة عن مسارهم في مكافحة الإرهاب، سواء إرهاب حزب العمال الكردستاني أو إرهاب داعش، وهذا المسار الأمني لم يتوقف التنسيق حوله بين الجانبين التركي والسوري، رغم بعض التعثر، إلا أنه باب مفتوح لا يرى الأتراك أنفسهم مضطرين لتعزيزه بتنسيق سياسي.

المشكلة الأبرز كانت بين الروس والإيرانيين، فالروس وافقوا على إدانة الهجمات الإسرائيلية على الأراضي السورية، لكنهم هم من يسيطرون على المجال الجوي السوري بالكامل، والتنسيق بينهم وبين الإسرائيليين قائم على قدم وساق قبل وبعد أن تشن إسرائيل أي ضربات تستهدف الميليشيات الإيرانية وأذرعها وذخائرها في سوريا، ناهيك عن خلافات حول النفط والاتفاق النووي تزعج العلاقات الروسية – الإيرانية.

الخلافات بين الإيرانيين والروس والأتراك في تلك القمة، حول القمح والمسيّرات والنفط والأمن، أكبر من الملف السوري، وأكبر من النظام السوري، والقرار الذي اتخذه الزعماء الثلاثة من قبل بتنظيم تلك الخلافات وتعزيز المشتركات “رغم كل شيء”، كفيل بإنقاذ تفاهم أستانة، ومدّه بجرعة حياة حتى وقت قريب. وهذا يجعل من الأسد ضيفا حضوره أو غيابه لا يقدمان أو يؤخران في شيء. إلا اللهم في ما يتعلق بمعرفة الروس والإيرانيين أن هناك من يضغط على أردوغان في تركيا للشروع في التطبيع مع الأسد، لكن هذه المرة ليس من أطراف المعارضة بل من التيار الإسلامي الموازي الذي يحاول السير على خطى حماس، وليس تصريح فاتح أربكان رئيس حزب “الرفاه من جديد”، وابن الزعيم الإسلامي الراحل نجم الدين أربكان، الأخير عن ضرورة إعادة الملايين من اللاجئين السوريين في تركيا إلى بلادهم بالتنسيق مع الدولة السورية فالحرب قد انتهت إلا إفصاحا أوليا بما يدور من جدالات حادة حول ذلك لم تُحسم بعد.

المصدرالعرب اللندنية
رابط مختصر

عذراً التعليقات مغلقة