“موزة رهف”.. حكاية هدية من أبيها بحصار الغوطة الشرقية

عائشة صبري
2021-12-08T19:31:41+02:00
حكايات الحرية
عائشة صبري3 ديسمبر 2021آخر تحديث : الأربعاء 8 ديسمبر 2021 - 7:31 مساءً
77 الغوطة - حرية برس Horrya press
مشهد من إحدى مجازر الغوطة الشرقية

حرية برس – عائشة صبري:

“كان كل شيء عادياً سوى نظرات توجس وخوف باديةً على وجهها لم تلفت نظري كون الأطفال بطبيعتهم يمتلكون رهاب الطبيب”.

بهذه الكلمات يروي الطبيب الجراح حسام عدنان لـ”حرية برس” حكاية “الموزة” خلال إحدى مجازر نظام الأسد في مدينة دوما بغوطة دمشق الشرقية جنوبي سوريا منتصف العام 2015.

اليوم أثناء عملي راجعتني طفلة تبلغ من العمر أربع سنوات قد جمعت من الغوطة الشرقية كل ألوان الجمال، عينان زرقاوتان كسماء غوطتنا الصافية، ووجهٌ أبيض نقي كنقاء هوائنا، وشعر أشقر كأشعة الشمس وهي تُداعب أغصان زيتوننا.

تحدثت جدة الطفلة رهف للطبيب “حسام” عن مرضها واضطرابها وتبولها الليلي، واستيقاظها ليلاً بشكل متكرر، فهي وجدتها الناجيتان الوحيدتان من تلك المجزرة.

وبعد أن أنهت الجدة حديثها، وتوجهتُ من خلف مكتبي باتجاهها محاولاً ملاطفتها لفحصها، وما إن أمسكتُ يدها محاولاً حملها حتى دخلت في صراخ عجيب، وتمسكّت بتلابيب جدتها وهي تنادي “بدي بابا بدي بابا .. اتركوني”.

التفتُ إلى الجدة وقد وقع في قلبي أنَّ أباها شهيد ونظرتُ إلى الجدة مستفسراً، فرأيتُ الدموع على خدود جدتها التي بادرت بشرح قصتها العجيبة والتي تكفي لأن تنخسف الأرض بمن فيها لهول ما يجري من ظلم على أهل الشام.

قالت الجدة: كنا عند ابنتي يومها بدعوة على الغداء وكانت رهف تتراكض حولنا وهي تنتظر والدها للعودة بفارغ الصبر فقد وعدها اليوم بإحضار موزة لها بعد أن عمل جاهداً لأيام لتوفير ثمنها (كان ثمن موزة أيام الحصار الشديد يتجاوز الـ 600 ليرة ما يعادل نحو دولارين).

وصل الأب ودخل مسرعاً، وفي يده موزة دفع ثمنها من دمه وعرقه، لكن فرحته بابتسامة ابنته كانت تعدل كنوز الأرض، كنا جميعاً نعمل في المطبخ لإتمام الطعام وجلسنا حول المائدة التي تحتوي الكثير من اللون الأخضر (الكوسا) وهو الطعام المتوفر وقتها، والكل يتحدّث عن شدّة الأيام التي نمرّ بها، وكانت رهف في حضن أبيها تنظر للموزة حيناً ولأبيها أحياناً أخرى بحب وامتنان.

بعد هذا المشهد الجميل يتم استهداف المبنى بقذائف الحقد والإجرام الأسدي، ليقلب فرحة رهف بالموزة وأبيها إلى مأساة دائمة ترافقها في حياتها، فهي مرضت من هول الرعبة والمصاب الجلل الذي لا يحتمله الكبار فكيف بطفلة رقيقة لم تعرف شيئاً في هذه الحياة.

أكملت الجدة: خرجتُ لأحضر كأس ماء من المطبخ، وما هي إلا ثوانٍ قليلة حتى انتهى كل شيء، لم أعد أبصر شيئاً، ولم أعد أسمع شيئاً، كما أنّي لم أعد قادرةً على التنفّس أو الحركة.. غبار يملأ المكان وظلام شديد، وسط أطنان من الإسمنت فوق دعامة أستلقي تحتها.

أدركتُ بعدها أنّها غارة لجيش المقاومة والممانعة والعروبة على بيت ابنتي في غوطة الشام، زحفتُ وأنا أتلمس تحت الأنقاض وأحاول أن أصرخ، فلا يخرج صوتي لشدة الغبار.. هناك شيء ما دفعني بقوة للأمام أظنّه ملكاً كريماً لأنّني وبلحظات صرتُ في غرفة الطعام المهدّمة وقد فتح كامل سقفها وكانت الصاعقة!.

أشلاء في كل مكان.. رأس ابنتي وأشلاء ابنيها مخلوطة بطعام الحصار ورائحة القهر.. لا أدري لماذا لم يغمَ عليّ!، وكأنَّ شيئاً بداخلي يُخبرني بأنَّ لي مهمة عليّ إنجازها قبل الدموع.

تابعتُ زحفي بسرعة أتلمس الأرض على بصيص النور القادم من فتحة السقف التي أحدثها الصاروخ، فوقعت يدي على شيء طري الملمس أبصرته تحت النور، فإذا هو بـ”موزة رهف” التفت نحو الشيء فأبصرت يدها الصغيرة ممدودة بلا حراك لكني لم أبصرها.

رفعتُ بصري للأعلى قليلاً، فإذا بجثمان أبيها الشهيد يحضنها بكلتي ذراعيه وجسده، لكن من شدة الضغط عليه وقع بثقله فوقها.. حاولتُ سحبها بكلَّ قوّتي لم أفلح، ثم فكرت في دفع والدها الشهيد ونجحت، فظهرت رهف من تحته وقد انقطع نفسها لكنَّها وبشكل مفاجئ صرخت بشدة وعندها انتابني شعور غريب!.

هل أفرح لإنقاذي رهف، أم يعتصرني حزن العالم؟ لأنّني وبلحظات فقدت ابنتي وصهري وأحفادي الثلاثة.. ضممتُ رهف بشدّة وهي تنادي: بابا بدي بابا!، هنا حضر عناصر الدفاع المدني السوري ليسجلوا بجوار أسمائنا: الناجيتان الوحيدتان من المجزرة.

“موزة رهف” قصة تدمي لها القلوب، ومثلها آلاف القصص الدامية التي خلفها إجرام نظام الأسد خلال العشر سنوات الماضية، وما يزال يرتكب المجازر ويشرّد الآمنين بل ويستهدف خيامهم، دون أي رادع أو حراك من المجتمع الدولي والأمم المتحدة، وما زال العالم يحاول تعويمه رغم كل جرائمه الموثقة صوتاً وصورة وأنيناً وعويلاً، بل يبصر آثار جرائمه في ردهات مجلس الأمن وفي أزقة باريس ولندن ونيويورك، وعلى شاشات السوشيل ميديا وبين دفات ما طبع من كتب وروايات وفي مخيمات الوطن والشتات.

رابط مختصر

عذراً التعليقات مغلقة