بعد الإفراج .. في مواجهة جلّادي المجتمع

فريق التحرير
2021-01-31T20:06:53+02:00
حكايات الحرية
فريق التحرير31 يناير 2021آخر تحديث : الأحد 31 يناير 2021 - 8:06 مساءً
thumbs b c 69037c497243665b8574b7e79ed1034b - حرية برس Horrya press

أمجد الساري – حرية برس:

(تم إنتاج هذه المادة ونشرها بالتعاون مع حملة #لنحقق_العدالة)

“بيناتنا بيناتنا أنتي لسة بنت؟ ما اغتصبوكي؟ خبرينا مشان نخلي ولاد عمك يستروا عليكي، أنتي أكيد شبيحة وإلا كيف طلعتي؟، مستحيل تطلع لو ما عطت أسماء الثوار، شايفين هديك.. هي بنت فلان يلي اغتصبوها بالسجن”.

كل هذه العبارات دفعت “نور” (اسم مستعار) إلى محاولة الانتحار ثلاث مرات بعد خروجها من معتقلات الأسد، فقد نجت بأعجوبة من مسالخ الأسد، لكنها لم تنجو حتى الآن من “الوصمة” وكلام الناس الذي لم ينتهِ بالرغم من مرور سبع سنوات على نجاتها من براثن الجلادين في جحيم المعتقلات الأسدية.

اعتقلت “نور” أثناء تقديمها للامتحانات الثانوية في العام 2014 بمدينة ديرالزور، إذ كانت تبلغ من العمر آنذاك 17 عاماً، ولم تكن تعلم حينها، أن طلبها للعلم وإصرارها على تقديم الامتحانات بالرغم من خطورة هذه الخطوة، سيكلفها ثمناً غالياً، فهي لم تكن تدرك مدى وحشية النظام الذي لا يفرق بين صغير وكبير، شاب وفتاة، طالب ومقاتل، بحسب ما تقول.

تصف نور لحظات اعتقالها بـ”الكابوس” الذي يلازمها طيلة الوقت، فقد دخل إلى قاعة الامتحان، ستة عناصر مدججين بأسلحتهم، ليعتقلوها بأسلوب وحشي، ويقتادوها إلى فرع الأمن السياسي، دون أن يراعوا استغاثاتها، أو يجيبوها على سؤالها الذي كانت تردده من أولى لحظات اعتقالها “أنا شو عاملة.. بس فهموني ليش آخذيني شو عاملة”، مكتفين بالقول “شو عاملة ما هيك.. أي هلق عنا بتعرفي شو عاملة”.

عندما وصلت نور إلى الفرع، لم تكن تعرف المكان، لكنها فوجئت بطريقة “الاستقبال” التي جعلتها تدرك أنها مقبلة على أيام عصيبة ستقضيها في هذا المكان، فقد استقبلوها بالشتائم والضرب والكلام البذيء.

وما إن أصبحت نور داخل الفرع حتى بدأوا التحقيق معها وإلصاق التهم بها، وتتحدث نور عن تلك اللحظات: “وجهوا إليّ تهماً عدة، أبرزها دعم المجموعات الإرهابية، والتواصل مع القنوات الإعلامية المغرضة، والارتباط بأشخاص مطلوبين، حتى أنهم سألوني عن أشخاص لم أسمع بأسمائهم من قبل، وعندما رفضت التهم الموجهة إلي، بدأوا بضربي وشتمي واقتادوني إلى الزنزانة”.

لم تكن الفتاة الشابة معتادة على ترك أهلها، فهذه المرة الأولى التي ستنام فيها خارج منزلها، كانت تعيش كابوساً حقيقياً حسب ما تقول “لم أكن أعي ما الذي يحدث، كنت حينها فتاة صغيرة، كان كل شيء يبدو موحشاً، أصوات تعذيب المعتقلين وصرخاتهم، أصوات قطرات الماء، الظلام، تفكيري بالمجهول، وصور عائلتي التي كانت تمر أمام عيني وخوفي الشديد على والدي ووالدتي، لم أتمكن من الصمود طويلاً، فقدت السيطرة على نفسي وبدأت بالصراخ، أريد أن أخرج، أريد الذهاب إلى أهلي، أريد التحدث معهم”، وماهي إلا لحظات حتى أتى السجان وبدأ بضربي وشتمي وقال لي “متأثرة بالأفلام ما هيك، هلق رح أخدك لعند أهلك”.

اقتادها السجان إلى المنفردة التي وصفتها “نور” بأنها عبارة عن مساحة صغيرة وضيقة جداً، سقفها منخفض جداً، ولا تستطيع أن تثني قدميك، أرضيتها مليئة بالمياه، إذا جلست عليها سوف تتبلل، الجو داخلها كان مرعباً جداً، ولا تسمع غير أصوات المعتقلين الذين يتم تعذيبهم، كان كل شيء موحش ولا يمكن وصفه، تشرح نور.

كانت تتعرض للضرب والإهانات بشكل مستمر، ورأت فتيات تعرضن لأبشع أنواع التعذيب، تقول نور: كانوا يعذبون المعتقلين (شباب وفتيات) أمامي، كانت آثار التعذيب تظهر بشكل واضح على أجسادهن، وهذا كان من أقسى أنواع التعذيب النفسي، وتتابع: “من حسن حظي أن عائلتي تمكنت من معرفة مكاني ودفعوا مبلغ مالي كبير لأحد الضباط مقابل تخفيف التعذيب، وعدم الاقتراب مني، وبالرغم من ذلك، فقد تعرضت للتحرش مرات عدة، وكنت أتعرض كل يوم لعذاب جسدي ونفسي.

بقيت نور في فرع الأمن السياسي لمدة ستة شهور، عانت فيها الأمرّين وذاقت فيها أقسى أنواع التعذيب الجسدي والنفسي، قبل أن تدفع عائلتها مبلغ عشرة ملايين ليرة سورية، ليتم نقلها إلى فرع الأمن العسكري، الذي بقيت فيه لمدة شهر قبل أن يتم إطلاق سراحها.
لم تصدق نور أنها أصبحت حرّة، حتى وصلت إلى منزل عائلتها والتقت بوالدها ووالدتها، وتصف لحظات خروجها بـ”الحلم”.

لم تمضِ سوى بضعة أيام حتى تلقت نور أولى الصدمات عندما سألتها إحدى قريباتها، ما إذا كانت قد تعرضت للاغتصاب داخل المعتقل أم لا، وعلى الرغم من إجابتها لها، إلا أنها عادت لتسألها مرة أخرى “بيناتنا بيناتنا ما قربوا عليكي؟ احكيلي وما بحكي لحدا، خبريني إذا صار شي لحتى خلي ولاد عمك يستروا عليكي”، كانت وقع تلك الكلمات على نور كالصاعقة، فقد تسبب تكرار هذا السؤال بشكل ملح ومن أشخاص عدة، بأزمة نفسية لها.

حاولت نور في البداية التأقلم مع وضعها الجديد، لكنها لم تنجح في ذلك بسبب تعرضها لكلام جارح من قبل المجتمع، فما إن تخرج إلى الشارع حتى يبدأ الناس بالكلام، تقول بحرقة: “كانوا يشيرون بأصابعهم إلي، ويقولون شوفوا هي بنت فلان المغتصبة، هي الشبيحة يلي خبرت عن أسماء الثوار لحتى يطلعوها، والكثير من الكلام الجارح”.

كان كلام الناس وأسئلتهم ونظرة المجتمع إلى نور، السبب الرئيسي لإقدامها على محاولة الانتحار، فالضغط النفسي الذي كانت تتعرض له ـ كما تقول ـ أدخلها في حالة يأس وإحباط واكتئاب شديد، أدت إلى محاولتها قطع شرايينها، والشيء الوحيد الذي كانت تفكر فيه في تلك اللحظة، هو كلام الناس عنها وطعنهم بشرفها.

ولم تكن تلك المرة الوحيدة التي حاولت فيها الانتحار، فقد حاولت الانتحار مرة أخرى عن طريق شرب الأدوية بكميات كبيرة، لكن سرعان ما تمكن والدها من إسعافها إلى المشفى وإنقاذ حياتها.

تلقت نور دعماً كبيراً من أهلها ضد حملات الطعن التي تعرضت لها من قبل المجتمع، فقد ساهم والدها في تخفيف ضغطها النفسي، وعمل على إخراجها إلى تركيا لتحسين وضعها النفسي، وهو ما ساهم في تجاوز نور لأزمتها بعد انخراطها في العمل مع الجمعيات التي تهتم بشؤون المعتقلين، وخضوعها لجلسات دعم نفسي.

وعن وضع بقيىة المعتقلين والمعتقلات، تقول نور : “عندما اعتقلت كنت فتاة صغيرة، وتلقيت دعم كامل من أهلي، لكن ما سمعته من قصص النساء المعتقلات من مناطق مختلفة، أن هنالك الكثير منهن لم تقف عائلاتهن إلى جانبهن، ويتعرضن لظلم كبير من أهلهن والمجتمع، ويجب علينا أن ندعمهن بكافة الطرق.

وتختتم نور حديثها بالقول: “نصيحة لكل معتقلة، كوني مثل الصبارة داخلها حلو وخارجها شوكة في عين كل شخص ممكن يفكر يطعن فيها، طالما هي واثقة من نفسها وتفتخر بقضيتها التي اعتقلت من أجلها، فكلام الناس والمجتمع لا يهم، يجب علينا أن نواجه الحقيقة، ومن تعرضت للاغتصاب فلم تكن بإرادتها، ويجب أن تكون قوية بما يكفي لتواجه من يطعن أو يشكك بها”.

تمكنت نور من التغلب على أزمتها بمساعدة ودعم أهلها، لكن “هناء” (اسم مستعار) البالغة من العمر 40 عاماً، وجدت نفسها في مواجهة أهلها، بعد خروجها من المعتقل، فقد قضت أكثر من 3 سنوات في سجون نظام الأسد، بعد اعتقالها بسبب قيامها كممرضة بمعالجة الجرحى في مشافي درعا.

رفضت هناء في البداية التحدث لنا عن قصتها، معللة ذلك بأن “الجميع يتحدث عن المعتقلين لكن لا أحد ينظر في وضعهم”.

تقول هناء: عندما خرجت من المعتقل تمت معاملتي على أنني بطلة، لكن سرعان ما انقلب كل شيء، فقد تخلى الجميع عني، بما فيهم أهل زوجي الشهيد الذين لم يكتفوا بالطعن بي، بل حرّضوا أولادي ضدي وحرموني منهم، وفي كل يوم أكتشف مرضاً جديداً في جسدي وليس لدي القدرة المادية على العلاج.

واختتمت بصوت مرتجف: “أنا كمعتقلة قدمت وضحيت، ولم أكن حيادية، كنت أناصر قضية إنسانية، وما زلت، ولم أفكر يوماً في الموضوع المادي، نريد فقط أن تتحقق العدالة، نريد خطوات حقيقية نحو محاسبة كل المجرمين”.

رابط مختصر

عذراً التعليقات مغلقة