عن تخاذل وارتهان المعارضة

آراء
زكي الدروبي26 أبريل 2019آخر تحديث : منذ سنة واحدة
عن تخاذل وارتهان المعارضة
5 14 copy - حرية برس Horrya press

لا زالت المعارضة السورية الرسمية تلهث في تنفيذ مخرجات مساري سوتشي وآستانا، رغم كل ما نجم عنهما، فهي تروج للواقعية السياسية التي تقول أننا خسرنا الحرب العسكرية ولا أوراق قوة لدينا كي نستطيع لجم اندفاع النظام، وعلينا أن نحصّل ما نستطيع تحصيله والبناء عليه من أجل المستقبل.

الغريب في الأمر أن ديبلوماسياً أوروبياً التقيته منذ أيام تحدث بنفس المنطق، “لقد خسرتم الحرب، واستعاد النظام معظم الأراضي المحررة”، وكان يروج وبشدة لمسار آستانا، واللجنة الدستورية معتقداً أنها الحل الواقعي الحالي.

وللمصادفة فإن دولة هذا الديبلوماسي هي من تمول مصاريف هيئة المفاوضات في اجتماعاتها بجنيف وغيرها، فهي من تدفع أجور الفنادق ومصروفات الوفد، وللمصادفة فإن الدور الأوروبي متخاذل مقارنة مع الدور الأمريكي، وهو نفس الشيء الذي تمارسه قوى المعارضة الرسمية “التخاذل والرضوخ” بذريعة الواقعية السياسية.

لا أجد حرجاً من إعادة تذكير الموظفين لدى مخابرات الدول المختلفة التي عينتهم كممثلين عن ثورتنا بأن لدينا الكثير من أوراق القوة المغفلة، وبأن الثورة السورية لم تخسر معركتها، وبأن الخسائر العسكرية كانت ولا زالت لقوى الثورة المضادة، كداعش وغيرها من الفصائل المتأسلمة التي تاجرت بدين الإسلام وحرفت الثورة عن مسارها الصحيح من أجل أطماع بالإمارة والسلطة لدى البعض أو أوهام أيديولوجية لدى البعض الآخر، ويمكنهم أن يراجعوا مقالتي (الثورة وأوراق القوة المغفلة) التي نشرتها منذ شهرين تقريباً، والتي حاججتهم بأفكارها مع الكثير من الوطنيين السوريين في جلسات مغلقة، وفي زيارات ولقاءات مع بعضهم.

ليس غريباً أن تدافع الدول المختلفة عن مصالحها، فأوروبا المنهكة اقتصادياً تبحث عن علاقة مع إيران الغنية بالموارد الطبيعية من نفط وغيره، والسوق الكبير لتصريف المنتجات الأوروبية، لهذا فهي تراعي إيران ومصالحها، وتجد لهذا تبريرات منطقية كالتي قالها لي الديبلوماسي الأوروبي في لقائي معه منذ أيام، فقد أكد أن أوروبا غير موافقة على انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من معاهدة حظر الانتشار النووي مع إيران، وقال رداً على تدخلها في الشأن العراقي والسوري واللبناني بأنهم يرون أن إيران ليست الدولة المثالية، لكن علينا أن نتحلى بالصبر ونتحاور معها، وننجز الاتفاقات واحدة تلو الأخرى، بدءاً بملف النووي الإيراني ثم بقية الملفات كملف الصواريخ الاستراتيجية وملف التدخلات الإقليمية وخلافه.

كما أنني أفهم الموقف المتشدد للولايات المتحدة الأمريكية من إيران، بعد المليارات التي أغدقت عليها من قبل دول الخليج، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، وبعد تحول عقيدتها من العداء للكيان الصهيوني المغتصب لفلسطين والأراضي العربية إلى العداء لإيران، وتحويل الخلاف إلى عداء مذهبي، قد يدفع المنطقة نحو حرب مذهبية لا تبقي ولا تذر، ويبقى الكيان الصهيوني بعيداً عن هذه الصراعات محمياً من تبعاتها، لا بل قد يذهب البعض للتنسيق معه في العداء لإيران.

لكني لا أفهم نهائياً سبب التخاذل لدى هيئة التفاوض والائتلاف الوطني، ومجاراة العدو الروسي في سعيه لإعادة إنتاج نظام الأسد حتى لو تم إزاحة بشار شكلياً، فهل رواتب ووظائف البعض ومعيشتهم أفضل من وطنهم؟!

لقد تعلمت في بداية الثورة أن الدول المختلفة، تغدق الكثير من الأموال لترفع من مستوى معيشتك كسياسي وثائر، دون أن تطلب منك مقابلاً بشكل مباشر، ثم وبعد فترة من الحياة بدخل يفوق دخلك الطبيعي، تبدأ سلسلة الطلبات، فتكون بداية متماهية مع أفكارك متوافقة معها، فتقول ما العيب في تنفيذها وهي متطابقة مع أفكاري، ثم تأتي طلبات تنتقص القليل القليل من مواقفك، فتقول لا بأس من تنازلات شكلية لا تمس المضمون، ثم تتزايد الطلبات وتتزايد التنازلات التي تقدمها سعيا منك للمحافظة على مستوى من الحياة ضروري بالحد الأدنى لك، كتسجيل الأولاد في المدارس أو الجامعات الخاصة، أو السكن في شقة مريحة في حيّ راقٍ، أو الوظيفة المهمة التي تعمل بها أو … ، وقد يكون للأنانية دور كبير أيضاً في هذا، فهم يرون في أنفسهم الأفهم والأقدر على إدارة دفة الثورة، وهم على شاكلة حزب البعث، يطرحون أنفسهم قائداً للدولة والمجتمع، ولا يرغبون بمشاركة ندية حقيقية من باقي أفرقائهم بالمعارضة، حتى لو كانت على مستوى الحكومة المؤقتة، أو على مستوى المجالس المحلية وغيرها.

تعالوا لنتخيل ماذا سيحدث لو أن الائتلاف بادر وتواصل مع كل القوى السياسية والحزبية المعارضة، وشكلوا جميعاً حكومة للثورة، بدلاً من الحكومة المؤقتة التي يحتكر الائتلاف الوطني قائد الثورة والمعارضة تشكيلها، وأطلقوا بياناً وطنياً ثورياً يكون هو البرنامج السياسي المرجعي لجميع الجهات السياسية والثورية الناشطة في الثورة السورية.

إن الأجواء التي ترافق جولة آستانا الجديدة تعلن أن اللجنة الدستورية التي تم إقرار تشكيلها في مؤتمر سوتشي سترى النور قريباً، وأن الاتفاق تم على أسماء وفد النظام ووفد المعارضة، ولم يتبق من الوفد الثالث الذي تعينه الأمم المتحدة، سوى ستة أسماء من أصل خمسين اسماً لم يتم الاتفاق عليهم، ويجري التباحث بشأنهم، وهذا يؤكد مدى التخاذل، ومحاولة تبرير ما يقومون به من ترويج للحل الروسي، الذي لا يرغب بتطبيق بيان جنيف1 وقرارت مجلس الأمن ذات الصلة، بل يختصر الحل في إعادة كتابة الدستور، والذي لم يحترمه نظام الأسد قطّ.

رابط مختصر

عذراً التعليقات مغلقة