كأنّنا أصبحنا وليس لنا يقين

آراء
سماح هدايا16 أبريل 2019آخر تحديث : منذ سنة واحدة
كأنّنا أصبحنا وليس لنا يقين
57109843 2046549128807601 2759755244911984640 n - حرية برس Horrya press

ما عادت المواقف الدوليّة وقرارتها بقادرة، وحدها، على رسم مصير ثورة سوريا وثورات الربيع العربي، فالأمر متعلق بذات شعبيّة ترفض الانصياع للهيمنة، على الرغم من ممارسات الاضطهاد. فهناك ثورات تتجدد وشعوب تصرّ على قهر الهزيمة. الأنظمة والقوى العربيّة المتواطئة مع أنظمة الغرب وأمريكا الاستعماريّة، وضعت كل طاقتها لشل إرداة الشعوب، متجاهلة أنّ الزمن والتاريخ يتغيران في اتجاه معاكس، وأن الوعي الذاتي للشعوب العربيّة بتاريخها وثقافتها وحقائق واقعها ومعاركها ينمو وسط هذه الحرب المتشابكة بين سياسية حضاريّة ثقافية، يخوضها الإنسان والمجتمع، وحرب حاكم مستبد على شعب ثائر، وصراع أهلي بين مشروع نهضة ثقافية سياسية تحررية، ومشروع تبعيّة ومصالح فردية، وحرب قوى استعمارية كبرى ضد قيام نهضة عربية حقيقية ببعد إنساني وإسلامي تحرّري تقدّمي مستقل. التأمّل الموضوعي في الأحداث التي جرت وما سبقها من حروب على العرب، يكتشف فداحة الخطأ والجهل السياسي والتاريخي بطلب النجدة من الأعداء الذين خاضوا حروبا وحشية ضد شعوب كثيرة، منها العرب.

لا ينتصر العرب والسوريون بجيوش وأنظمة خارجيّة، ولا ينتصرون بقيم الأعداء وأفكارهم وثقافاتهم الاستهلاكية والاستعماريّة الغارقة في الماديّة والنهب والاستعلاء؛ فمن يسرق الحقوق، لا يمكن أن يدافع عن الحقوق، ومن يستقوي على الشعوب ويضطهدها، فإنّه لا يعتنق قيما إنسانية سامية، حتى لو ادّعى تبنيه للقيم العالميّة لحقوق الإنسان؛ والأمثلة التاريخة كثيرة، أقربها موقف أمريكا في القدس والجولان، وقبلها في العراق، وليس بآخرها أقوال “ترامب” أن حربه في سوريا، هي مع داعش لا مع نظام بشار الأسد. ولا بغريبها تجاهل الرئيس الفرنسي التقدمي”ماكرون” حقوق الإنسان المتدهورة في مصر من أجل صفقة سياسية عسكريّة مع نظام السيسي.

من منظور العدو والمستعمر، فإن ثورة سوريا وثورات الربيع العربي أمر خطير يهدّد مشروعه، لذلك يحاربها ويحاول هزيمة شعوبها وسحقها. ما سأكتبه متعلق بضرورة فهم الواقع من منظور ما حدث ويحدث من حروب واستبداد وفهم مغزاها، لمقاومة نهجها الذي لا يكتفي بالبطش العسكري التدميري، بل بهدم القيم الإنسانية والأخلاقيّة، وتزييف التاريخ وتشويه كل ماهو عربي وإسلامي.

الذات الأصيلة مادة الحريّة

دفع الشعب السوري ثمناً باهظاً من دمائه لثورته التاريخية، ومازال يدفع كثيرا، لأّنّه قرر أن يكسر الهزيمة والخوف والذل، لكنّ قوى عميقة مازالت تصرّ بشدة على تشتيت عزيمته. الهزيمة تبدأ من الداخل من لحظة الشعور بالنقص وقبول الدونية والعجز. تتكرّس الهزيمة بفعل خارجي استعماريّ، وبفعل داخلي من المجتمع ومؤسساته الاستبدادية ومن قوى عميلة. التضليل تصنعه، الآن، جماعات من مثقفين وفنانين وأدباء وأقليّات وجمهور العوام، مستندة لجرائم جماعات سياسية إرهابيّة تستخدم الإسلام، لتنميط صورة الإسلام بالإرهاب والعروبة بالبداوة، عبر خطاب تحقيري متواصل للذات العربيّة ولتجارب الأمة وتاريخها وحضارتها الإسلاميّة لتأكيد تخلفها وعجزها العميق عن توليد قيم متقدمة، وإنتاج معرفة متطورة، وعليه فيجب إبدال تعاليمها بتعاليم الغرب الحضاري وبقيمه وأفكاره التقدميّة.

الاستجابة لهذا الخطاب بسؤال: أمن المنطق أن تقوم أمة بإبداع حلول ناجحة لمشاكلها وأزماتها عبر الانصياع لمرجعيات الغالب الذي يحاربها في وجودها وحياتها، بتقليد ثقافته واستعارة قيمه؟

منطقيا، هذا جهل، إذ ستستمر هذه الشعوب في الهوان والخضوع للغالب المستقوي، وستبقى تابعة له ولأنظمة الطغيان. كذلك هو جهل، إلقاء تراث حضارتنا كله في النفايات، والهرولة لالتقاط تجارب الآخرين، التي لها خصائصهم، انبثقت من ظروفهم وجغرافيتهم ولغاتهم وعقائدهم وأفكارهم التي تختلف في أصولها وفي مطامعها ومسارها وأخلاقها وأهدافها، ولا يمكن أن تكون بديلاً عن مرجعياتنا الثقافية والإنسانيّة، مهما كانت متقدمة مدنيا وسياسيّا، لأنّ الأصل هو الابتكار والبناء على السياق الثقافي والحضاري لذات الأمة وتنويعاتها والتجديد وفق القيم النبيلة، والتشارك مع ما أنجزه العالم من علم ومدنيّة.

هناك باحثون عرب تناولوا التراث والتاريخ بعقل نقدي موضوعي وبدراسة علمية منهجية وعقليّة، وهناك بالمقابل جهل ثقافي عام وتجهيل مقصود بقيم عالية في التراث وأبحاثه العقليّة، فظلت محصّلة أبحاث المفكرين محصورة في إطار أكاديمي، أو محاربة، لأنّها، غالباً، برؤية لا تناسب الأنظمة المستبدة ولا خطاب الاستشراق الاستعماري. إنّ خطر إنكار الذاكرة التاريخيّة والجهل بذاتنا والاستهزاء بما أنتجته أمتنا وبما تشكل في وجداننا من مرجعيات قيميّة نبيلة، لا يقل عن خطر البطش العسكري وعن خطر الهرولة إلى الماضي والتقوقع في أنظمته ونسخها في الحاضر وفق الأهواء والميول من دون مراجعة نقدية وغربلة وتأمل الإرث الثقافي وتفسيره في ضوء العقل.

أزمات وإشكالات واقعنا الحالي معقدة، يجب الحذر من اعتمادها كمثل على إخفاق إرثنا الحضاري وعجز ثقافتنا عن تقديم قيم ومعرفة صالحة؛ لأنّها وليدة ظروف سياسية واجتماعية وتاريخية تزول، حتما، بعزم ثورات الحرية المتصاعدة، ويقابلها وجود مكونات كثيرة جيّدة مكنونة في الذاكرة الذاتية والجمعية والحضارية للأمة يمكنها أن تكون مركز إشعاع  لإبداع الجديد وتوليد معرفة متقدمة وثقافة رفيعة.

بضعف الوعي الإنساني، لا حق ولا صواب

حرية الرأي حق؛ فالإنسان مجموعة قيم ومعتقدات ورؤية، والرؤى نسبية، وعليه فالحقيقة غير مكتملة في أي منظومة. النيل من معتقدات الآخرين وقيمهم الحضارية هو استعلاء وعنصريّة ومصادرة للحرية. التشكيك مرحلة ضرورية للنقد وإعادة التفكير والتأمل، لكنّ الشك التهديمي الذي يتصاعد مستغلا فوضى الحرب المضادة وغياب المرجعيات المقنعة هو انحراف نحو الفتنة بلبوس ثقافي تحرري. وما تتداوله كثير من المنصات ووسائل الإعلام من نهج تحقيري للتراث والعروبة والإسلام من تشكيك خبيث بالمعتقدات والأخلاق الأصيلة، يسهم في زعزعة اليقين بالهوية الثقافية. وبحجة تمكين حرية الرأي وحقوق الأقليات وواجبات الأكثرية يتحول التحدّي الفكري التجديدي من التنوير العقلاني وإثارة التفكير والمراجعة إلى تضليل تستغلّه وتموله مؤسسات استعماريّة لتفكيك اليقين وعرقلة نهضة مشروع عربي تحرّري.

الحرب قديمة قبل الثورات بكثير، لكنها، أنشبت أظفارها عميقاً في حياة الناس ومعيشتهم وأمنهم ووعيهم عبر الثورة المضادة حتى دخل المجتمع في حرب مع ذاته، وظهرت تشوهات في الذات والهوية، واتسع التطرف بين إلحاد وإنكار للهوية، وبين غلو عقيدي ضيق جاهل. ومثلما انتشرت مقولات تهديمية وعبثيّة وشخصيّة، ظهرت فتاوى وممارسات قمعيّة، كشفت عن ضحالة المرجعيات المعتمدة، ما هيّأ بيئة للتقوقع في كيانات خاصة مفصولة عن الروابط العامة الثقافية والقيميّة، ينحصر اهتمامها بالعيش وتلبية احتياجات مصيرها الفردي، لا الاجتماعي.

حتى الذين يخوضون في الثورة ومعارك تحرير الوطن؛ استهلكوا ما بين أيديهم من معان قاصرة، لذا أصبح لازماً التجديد والتحديث؛ فالثورة الدائرة حول إسقاط النظام السياسي وإبداله بنظام جديد ديمقراطي ودستور جديد، لا نجاح لأهدافها من دون إسقاط التسلط والعمل على بناء المنظومة الثقافية والقيميّة المتصلة بالتاريخ، وهي أساس الإنسان والأمة قبل الدولة؛ فلا فصل بين السياسي والقيمي في مسار حضارتنا. نهج التدمير والإبادة عبر الحرب العسكريّة والثقافية، هدفه كسر الإرادة وإنهاء صلة الإنسان بتاريخه وذاته. وما استعمال داعش وقوى التطرف الديني الظلامية التي تم ربطها بالإسلام السني والإرهاب، إلا لتشويه مفهوم النضال والمرجعية العقيدية لمقاومة الاعتداء والظلم بالقوة، وكسر العزة الإنسانيّة للعربي المسلم حتى لا يقوى ويتحرر.

المراجعة

المجتمع، كلّه، بحاجة أن يراجع مواقفه وينقدها. المذاهب والطوائف والأعراق بحاجة أن تقوم بالمراجعة الصادقة العاقلة. فكل من في السفينة الغارقة مصيره الغرق، من المسلم إلى الشيعي إلى المسيحي إلى الوثني. الأمة بحاجة للنظر في ذاتها وواقعها. الارتكاز على مرجعيات ضروري، لكن مع التمييز بين مرجعيات مضلّة منافقة تدعو للكراهية والتفرقة أو تابعة لاستخبارات الاستعمار واستشراقه، ومرجعيات حكيمة جامعة تدعو للتوحد والاعتصام بالحق والعدل. لا بد أن تكون الخطوات القادمة لتمتين وتجديد مشتركات الأمة. التأمّل العقلي في الواقع وتجارب التاريخ القريب قبل البعيد، وتقييم  التجربة وفهمها تاريخيا، يحرر من الجهل والانصياع، ويسهل إبداع أفكار جديدة لها إمكانية العمل المفيد في تنمية الوعي بالذات والواقع. الحرب تنتصر لما  تحصل الهزيمة المسبقة داخليا وذاتيا، واستهلاك ما يعطى لنا من أعدائنا عسكريا وسياسيا وثقافيا للاستمرار في انحطاط تاريخي وحضاري، ومقاومة ذلك بتوليد الأفكار والرؤى الخاصة بالأمة وتاريخها والكفاح من اجل الاستقلال والتحرر.

الحاضر ليس نهائيا، رسمته القوة الباطشة، لكن إرادة الشعوب قد تغيّره. القطيعة المعرفية والثقافية مع الحضارة العربية يسهّل استمرار البطش والاحتلال. الرد على التاريخ الذي يتم تقديمه لنا مشوها وتقديمنا له أذلاء، وعلى الذاكرة التي يتم سحب معانيها الراقية لناحية الجاهلية وتزييف الوعي، يكون بالإيمان بذاتنا، وبمراجعة منهجية واعية لأفكارنا وتحليل عقلي لإرثنا وظروفنا وتنظيم عملنا لإستعادة التوازن متزودين بالأمل.

الخاتمة

ثورة سوريا من الثورات التي أثارت أسئلة كثيرة بحاجة لبحث: في الدين، والعروبة، والوطن، والهوية، والتاريخ، والأخلاق، وأثارت تحديات لتفكير جديد. الأفكار ليست ثابت جامدة. الأفراد والمجتمع السوري مطالبون بالمراجعة والعمل على التوحد والتقارب بنظام فكري واجتماعي وسياسي جديد  للتحرر سياسيا وثقافيا بروح القيم الإنسانية للحضارية العربيّة الخالية قبل الانحطاط. الاعتراف بحقوق الآخرين، يفرض مراجعات عميقة وانغماسا في مشروع موحد منفتح بتشكيلة من تنويعات فكريّة متعاونة لأجل الحياة الكريمة والحكيمة والمسؤولة. الحل ليس بأقلية تغتصب حقوق الأكثرية وتستبد، ولا بأكثرية تستأثر وتقمع. المواطنة المتساوية الحقوق في إطار معايير أخلاقية أساسها بناء العدل واحترام إنسانية الإنسان وكرامته جزء مهم من الحل.

رابط مختصر

عذراً التعليقات مغلقة