
تقرير – حرية برس:
أعاد تقرير حقوقي حديث فتح النقاش حول مسار العدالة الانتقالية في سوريا، والتحديات التي تواجه محاسبة مرتكبي الانتهاكات خلال سنوات النزاع، في ظل تساؤلات عن مدى شمولية المساءلة وعدم اقتصارها على طرف دون آخر، بالتزامن مع استمرار المحاكمات المتعلقة بأحداث الساحل والسويداء، وظهور تحديات أمنية مرتبطة بوجود مجموعات مسلحة خارج مؤسسات الدولة.
وحذّر تقرير مشترك صادر عن منظمة «سوريون من أجل الحقيقة والعدالة» ومركز «سيسفاير» لحقوق المدنيين من ثغرات في عمل الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، مشيراً إلى أن ولايتها الحالية تقتصر على الانتهاكات التي ارتكبها النظام السابق، ولا تشمل ضحايا تنظيم داعش والجهات الفاعلة الأجنبية والميليشيات المرتبطة بها وسائر الجهات المسلحة غير التابعة للدولة.
ولفت التقرير إلى محدودية الموارد المتاحة للهيئة وتركيز معظم أنشطتها في دمشق، فضلاً عن وجود خلاف حول الاختصاص مع وزارة العدل بشأن قانون العدالة الانتقالية. كما أشار إلى أن قانون العقوبات السوري الصادر عام 1949، الذي تستند إليه المحاكمات الجارية، لا يتضمن التوصيفات القانونية اللازمة لملاحقة جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وفق المعايير الدولية.
ولا يعني ذلك غياب المحاكمات في الملفات الأخرى، إذ بدأت السلطات السورية بالفعل إجراءات قضائية تتعلق بأحداث الساحل والسويداء. ووثّق المركز السوري للعدالة والمساءلة محاكمات في أحداث الساحل شملت متهمين منتسبين للنظام السابق وآخرين منتسبين للحكومة، كما تابع جلسات محاكمة أحداث السويداء أمام محكمة الجنايات العسكرية في دمشق، حيث مثل عشرة متهمين في إحدى الجلسات.
كذلك دعا التقرير إلى ضمان وصول ضحايا المجازر التي شهدتها منطقتا الساحل والسويداء إلى العدالة والإنصاف، مؤكداً ضرورة توسيع مسار المساءلة وعدم تحويله إلى عملية انتقائية أو انتقامية. وهو ما يطرح سؤالاً حول قدرة الإجراءات القضائية الحالية على التحول إلى منظومة متكاملة تكشف الحقيقة وتحدد المسؤوليات وتضمن حقوق الضحايا.
ولا تتوقف التحديات عند المحاكمات، بل تمتد إلى قدرة الدولة على فرض القانون وإنهاء وجود مجموعات مسلحة تحتفظ بسلاحها خارج المؤسسات الرسمية. وبرز ذلك مجدداً في ريف إدلب، مع الاشتباك الذي وقع في 28 تشرين الأول بين دورية للأمن الداخلي ومجموعة مسلحة خرجت من مخيم الفرنسيين باتجاه منطقة حارم.
وقالت قيادة الأمن الداخلي في إدلب إن المجموعة خالفت اتفاقاً يمنع مغادرة المخيم بالأسلحة، وإن أفرادها أطلقوا النار باتجاه الدورية أثناء محاولة إيقافهم، ما أدى إلى مقتل أحد أفراد المجموعة وإصابة مدني وتضرر سيارة للأمن الداخلي. وتعود المجموعة إلى ما يُعرف بفرقة الغرباء التي تضم مقاتلين فرنسيين ويقودها عمر ديابي المعروف باسم عمر أومسين.
وتعيد الحادثة تسليط الضوء على ملف المقاتلين الأجانب والمجموعات المسلحة التي لم تندمج بصورة كاملة في مؤسسات الدولة، وعلى صعوبة فرض مرجعية أمنية واحدة في جميع المناطق. كما تطرح تساؤلات بشأن الاتفاقات الناظمة لوجود هذه المجموعات ومدى قدرة السلطات على تطبيقها.
وبين المحاكمات الجارية والثغرات التي رصدها التقرير والملفات الأمنية التي لا تزال مفتوحة، تبدو العدالة الانتقالية أمام اختبار يتجاوز محاسبة مسؤولي النظام السابق. فبناء دولة القانون لا يتحقق بمحاكمة طرف واحد أو فتح ملفات محددة، بل بضمان مساءلة كل من تثبت مسؤوليته عن الانتهاكات، وحماية حقوق الضحايا، وإنهاء وجود السلاح خارج مؤسسات الدولة، بما يمنع تكرار الانتهاكات ويؤسس لعدالة لا تستثني أحداً.








