
قبل أسابيع فقط كان مشهد الكهرباء في حلب يتغير باتجاه مختلف. أحياء بقيت سنوات خارج الشبكة عادت إليها التغذية، مشاريع تأهيل جديدة دخلت الخدمة، وبعض السكان بدأوا يفكرون بالتخفيف من اشتراكات الأمبير أو الاستغناء عنها.
لكن هذا التحسن لم يستقر طويلاً.
خلال الأيام الأخيرة عادت ساعات التقنين الطويلة إلى عدد من أحياء المدينة، وفي الوقت نفسه عاد الأمبير إلى الواجهة من جديد، ليس فقط كبديل للكهرباء العامة وإنما كفاتورة أسبوعية تختلف قيمتها من حي إلى آخر ويصعب على المشترك أحياناً معرفة الأساس الذي حُسبت عليه.
في 25 آب عادت الكهرباء إلى حي السكري بعد انقطاع استمر نحو 14 عاماً، عقب أعمال تأهيل شملت الشبكات والخطوط ومراكز التحويل. وقالت وزارة الطاقة حينها إن الأعمال شملت 30 مركز تحويل وتخدم نحو 25 ألف مستفيد.
وبعد أيام دشنت محافظة حلب مشروع تأهيل شبكات الكهرباء في الميسر وقاضي عسكر، وشمل 18 مركز تحويل وتركيب 350 عموداً وشبكات للتوتر المتوسط والمنخفض، وقالت سانا إن المشروع يسهم في تحسين استقرار التغذية لنحو 100 ألف نسمة.
وفي الثالث من أيلول قال محافظ حلب عزام الغريب في منشور على الصفحة الرسمية للمحافظة إن نتائج الخطط بدأت تظهر في الأحياء، مشيراً إلى عودة الكهرباء إلى السكري وإنجاز مشروع شبكة الميسر والتحضير لأعمال مماثلة في مناطق أخرى.
كان ذلك يتزامن مع تحسن ملحوظ في ساعات التغذية داخل المدينة. وفي نهاية آب وصلت الكهرباء في عدد من الأحياء إلى نحو 16 ساعة يومياً، ما دفع بعض السكان إلى تقليل اعتمادهم على مولدات الأمبير أو التخلي عن الاشتراك بها.
لكن الصورة تغيرت مجدداً منتصف أيلول.
ففي 16 من الشهر أوضحت الشركة العامة لكهرباء حلب أن انخفاض ساعات التغذية جاء نتيجة توقف إحدى مجموعات التوليد في المحطة الحرارية للصيانة بالتزامن مع عطل طارئ على خط حلب 230 كيلوفولت. وخلال تلك الأيام تجاوزت ساعات التقنين 15 ساعة في بعض المناطق وانخفضت التغذية الليلية إلى نحو ثلاث ساعات بحسب مراسلي عنب بلدي.
من الزبدية إلى الأكرمية
ورصدت حرية برس تعليقات لسكان من عدة أحياء في حلب تحدثوا فيها عن تفاوت واضح في ساعات الكهرباء.
في الزبدية تحدث سكان عن تقنين يصل إلى نحو 15 ساعة، وفي صلاح الدين قال أحد السكان إن الكهرباء تنقطع ثماني ساعات مقابل ساعتين من الوصل، بينما قال سكان في الأكرمية إن التغذية لا تتجاوز ساعتين ليلاً.
وفي الموكامبو تحدث أحد السكان عن أربع ساعات من الانقطاع مقابل نحو ثلاث ساعات من الكهرباء.
هذه الشهادات لا تمثل إحصاءً شاملاً لساعات التغذية في المدينة، لكنها تظهر أن التحسن لا يصل إلى الأحياء بالمستوى نفسه، كما تفسر استمرار حاجة قسم من السكان إلى المولدات الخاصة حتى بعد إعادة تأهيل الشبكات.
فالعودة إلى الشبكة شيء واستقرار الكهرباء لساعات تكفي المنزل شيء آخر.
وبالنسبة للمواطن لا تظهر هذه الفروق في بيانات مراكز التحويل والخطوط الجديدة، بل في عدد الساعات التي تعمل فيها الثلاجة أو الغسالة وفي الحاجة إلى تشغيل الأمبير عندما ينقطع التيار.
أسعار مختلفة من حي إلى آخر
ومع عودة الاعتماد على المولدات ظهرت شكاوى أخرى تتعلق بالسعر.
رصدت حرية برس تعليقات لسكان قال أحدهم إنه يدفع 113 ألف ليرة أسبوعياً للأمبير الواحد و226 ألفاً لأمبيرين، فيما تحدث مواطن في بستان الباشا عن نحو 110 آلاف ليرة للأمبير.
وفي الفردوس تحدث سكان عن نحو 125 ألف ليرة، بينما وردت في إحدى الشكاوى قيمة وصلت إلى 160 ألف ليرة.
أما في السكري فقال أحد السكان إن اشتراكه ارتفع من 75 ألف ليرة إلى 100 ألف أسبوعياً، وإن الأسرة اضطرت إلى إلغاء أحد الأمبيرين لأنها لم تعد قادرة على دفع نحو 200 ألف ليرة كل أسبوع، مشيراً إلى أن التشغيل يصل إلى نحو ثماني ساعات يومياً.
ولا يمكن اعتبار هذه الأرقام تسعيرة موحدة لحلب، فهي شهادات فردية وتختلف معها ساعات التشغيل والخدمة بين مولدة وأخرى، لكنها تظهر فجوة واسعة في المبالغ التي يقول السكان إنهم يدفعونها.
وتزداد أهمية هذه الأرقام مع التغيير الأخير في أسعار المحروقات. ففي 13 أيلول أصبح سعر ليتر المازوت 175 ليرة قبل أن تعلن وزارة الطاقة لاحقاً عن ثلاث شرائح للمادة بينها مازوت بسعر 150 ليرة لبعض الاستخدامات الإنتاجية والخدمية.
ولا يظهر حتى الآن في المعلومات المنشورة توضيح كاف حول الفئة التي تحصل من خلالها مولدات الأحياء على المازوت وكيف ينعكس سعر الوقود على المبلغ المطلوب من المشترك.
800 ليرة للساعة
السؤال عن السعر ليس جديداً في حلب.
في تشرين الأول 2025 أعلنت المحافظة نظاماً لتنظيم عمل المولدات وحددت سعر الأمبير بـ800 ليرة عن كل ساعة تشغيل فعلية، مع احتساب الفواتير على أساس ساعات الاستخدام وتشكيل لجان لمتابعة الشكاوى والمخالفات.
وبحسب هذه المعادلة فإن أمبيراً يعمل ثماني ساعات يومياً لمدة أسبوع تبلغ كلفته 44 ألفاً و800 ليرة.
لكن أحد سكان السكري يقول اليوم إنه يدفع 100 ألف ليرة تقريباً مقابل المدة نفسها.
المقارنة هنا لا تعني بالضرورة أن صاحب المولدة يخالف تسعيرة نافذة اليوم، لأن قرار الـ800 ليرة صدر العام الماضي ولم يظهر في المصادر المنشورة التي راجعتها حرية برس توضيح أحدث يؤكد استمرار تطبيقه بالطريقة نفسها بعد التغييرات التي طرأت على الكهرباء والمحروقات.
بل إن تصريحاً أحدث من المحافظة يجعل الصورة أقل وضوحاً.
ففي 30 آب قال مدير دائرة الإعلام في محافظة حلب مأمون الخطيب إن خدمة الأمبيرات تعمل وفق مبدأ المنافسة بين مزوديها وإن المزود هو من يحدد السعر بحسب عدد ساعات التشغيل ومستوى الخدمة واستقرارها.
وهذا يترك مسألة بسيطة بالنسبة للمواطن بلا جواب واضح
هل ما تزال تسعيرة 800 ليرة عن ساعة التشغيل ملزمة، أم أصبحت أسعار الأمبير خاضعة للمنافسة بين أصحاب المولدات؟
وإذا كان النظام تغير، فما الآلية التي يستطيع المشترك من خلالها معرفة إن كان المبلغ المطلوب منه يتناسب مع ساعات التشغيل وكلفة الوقود؟
الشبكة عادت لكن الحاجة إلى البديل بقيت
ما يحدث في حلب لا يلغي ما أُنجز في إعادة تأهيل الشبكات.
عودة الكهرباء إلى السكري بعد سنوات طويلة وإنجاز مشاريع الميسر وقاضي عسكر خطوات تعيد الخدمة إلى مناطق كانت محرومة منها، لكن هذه المشاريع لا تحل وحدها مشكلة التوليد واستقرار ساعات التغذية.
ولهذا يمكن أن يكون الحي متصلاً بالشبكة وأن يبقى سكانه محتاجين إلى الأمبير في الوقت نفسه.
قبل أسابيع كان تحسن الكهرباء يدفع سوق المولدات إلى التراجع. وعندما انخفضت ساعات التغذية عدة أيام فقط عادت الحاجة إليها سريعاً.
المشكلة أن المواطن الذي يعود إلى المولدة بعد تراجع الكهرباء العامة يجد نفسه أمام أسعار متفاوتة وقاعدة تسعير غير واضحة بما يكفي.
بين 100 ألف ليرة يدفعها مشترك في حي و125 ألفاً في حي آخر وأرقام أعلى في شكاوى أخرى، يصبح السؤال أبسط من تفاصيل الأعطال وأسعار الوقود ومراكز التحويل
كم يفترض أن يدفع الحلبي مقابل الأمبير اليوم ومن يحدد هذا السعر؟








