

في الشرق الأوسط، أخطر الأخطاء السياسية هو الخلط بين القوة والقدرة على توفير الحماية الدائمة. فالدولة قد تكون قادرة على ضرب خصومها، وتدمير منشآتهم، واغتيال قادتهم، وامتلاك تفوق استخباراتي وتكنولوجي كبير، لكنها مع ذلك قد تعجز عن منح حلفائها أمناً مستداماً. ومن هنا يصبح السؤال مشروعاً بالنسبة إلى القوى والجماعات التي تراهن على إسرائيل بوصفها مظلة حماية: هل تستطيع إسرائيل فعلاً أن تقدم للآخرين ضماناً أمنياً طويل الأمد، بينما يعتمد جزء أساسي من أمنها الاستراتيجي نفسه على تحالف خارجي ضخم، في مقدمته الولايات المتحدة؟ وهل حمت أمريكا حلفاءها في المنطقة عندما اندلعت الحرب مع إيران، مع أنهم، كدول ثرية جداً، أنفقوا المليارات على تلك التحالفات؟ فما بالك بتلك الجماعات الهزيلة التي تراهن على الحماية الإسرائيلية وهي لا تملك قوت يومها.
لا يحتاج نقد الرهان على إسرائيل إلى المبالغات الشائعة من نوع أنها «ستختفي غداً» أو أنها مجرد «محمية أمريكية»، فمثل هذه العبارات تضعف الحجة أكثر مما تقويها. إسرائيل دولة تمتلك جيشاً متطوراً، واقتصاداً وتقنيات متقدمة، وصناعة عسكرية محلية كبيرة، وقدرة واضحة على استخدام القوة خارج حدودها. لكن الحقيقة المقابلة، التي لا تقل أهمية، هي أن هذا التفوق ليس منفصلاً عن شبكة الدعم الأمريكية. فبحسب خدمة أبحاث الكونغرس، ينص تفاهم المساعدات الممتد من 2019 إلى 2028 على 3.3 مليار دولار سنوياً من التمويل العسكري الأمريكي، إضافة إلى 500 مليون دولار سنوياً لبرامج الدفاع الصاروخي المشتركة، أي 38 مليار دولار خلال عشر سنوات، فضلاً عن مساعدات استثنائية خارج هذا الإطار.
والأهم أن المسألة ليست مالية فقط. ففي الهجوم الإيراني الواسع في أبريل/نيسان 2024، لم تعتمد إسرائيل على قدراتها وحدها. وزارة الدفاع الأمريكية أعلنت أن القوات الأمريكية أسقطت عشرات الصواريخ والطائرات المسيّرة المتجهة نحو إسرائيل، وأن العملية الدفاعية شاركت فيها قوات إسرائيلية وأمريكية وشركاء آخرون. هذه الواقعة تقدم مثالاً عملياً مهماً: حتى دولة تمتلك واحداً من أكثر أنظمة الدفاع الجوي تطوراً في العالم احتاجت في لحظة تهديد استراتيجي كبير إلى مظلة عسكرية دولية مباشرة.
هذا لا يعني أن إسرائيل عاجزة عن الدفاع عن نفسها، بل يعني شيئاً أكثر دقة: قدرتها على الدفاع عن نفسها ترتفع بدرجة كبيرة بفضل تحالفاتها، وبالتالي فإن افتراض أن بإمكانها توزيع ضمانات أمنية مطلقة على جماعات صغيرة ومكونات ضعيفة في بيئات معادية هو افتراض يحتاج إلى مراجعة جدية.
الأرقام نفسها تكشف حجم الكلفة. فقد بلغ الإنفاق العسكري الإسرائيلي نحو 48.3 مليار دولار عام 2025، وفق معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، أي نحو 7.8 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وهي من أعلى النسب في العالم. كما بقي الإنفاق العسكري الإسرائيلي في 2025 أعلى بنحو 97 في المئة من مستواه في 2022. هذه ليست صورة دولة تعيش في فضاء أمني مستقر، بل دولة تخصص موارد استثنائية للحفاظ على تفوقها وسط بيئة شديدة الصراع.
لكن المشكلة الأكبر بالنسبة إلى من يفكر بالاحتماء بإسرائيل ليست عسكرية أصلاً، بل جغرافية واجتماعية وسياسية. تستطيع الجماعات الصغيرة تغيير تحالفاتها، لكنها لا تستطيع تغيير موقعها على الخريطة. ويمكن لقيادة سياسية أن توقع اتفاقاً مع قوة خارجية، لكنها لا تستطيع نقل مجتمعها إلى قارة أخرى إذا انهارت المعادلات التي قام عليها ذلك الاتفاق. لهذا فإن الأمن الحقيقي لأي أقلية أو جماعة في الشرق الأوسط لا يمكن أن يقوم فقط على قوة السلاح الخارجي، بل على بناء صيغة قابلة للحياة مع المحيط الذي ستظل تعيش داخله مهما تبدلت الحكومات والتحالفات.
وهنا تظهر الفجوة بين التطبيع الرسمي والقبول الشعبي. صحيح أن إسرائيل عقدت سلاماً مع مصر والأردن، ثم أقامت علاقات رسمية مع دول عربية أخرى في إطار اتفاقات أبراهام، وهذا واقع سياسي لا يجوز إنكاره. لكن من الخطأ أيضاً الاستنتاج بأن العلاقات الحكومية تعني بالضرورة تحولاً مماثلاً داخل المجتمعات العربية. فبحسب «المؤشر العربي 2025»، قال 87 في المئة من المستطلعين إنهم يعارضون اعتراف بلدانهم بإسرائيل، مقابل 6 في المئة فقط أبدوا قبولهم بذلك، كما اعتبر 80 في المئة القضية الفلسطينية قضية عربية عامة وليست قضية فلسطينية حصراً. وبصرف النظر عن حدود أي استطلاع ومنهجيته، فإن هذه الأرقام تجعل الادعاء بوجود قبول شعبي عربي واسع بإسرائيل صعب الدفاع عنه.
الأمن الحقيقي لأي أقلية أو جماعة في الشرق الأوسط لا يمكن أن يقوم فقط على قوة السلاح الخارجي، بل على بناء صيغة قابلة للحياة مع المحيط الذي ستظل تعيش داخله
ومن هنا تكمن مخاطرة الرهان الإسرائيلي بالنسبة إلى الجماعات الصغيرة. إسرائيل تستطيع تقديم السلاح والمعلومات والتكنولوجيا، وربما تستطيع ردع خصم أو ضربه، لكنها لا تستطيع أن تمنح جماعة أخرى شرعية داخل بيئتها، ولا أن تعيد تشكيل جغرافية المنطقة، ولا أن تضمن بقاء ميزان القوى الحالي إلى الأبد. والتحالف الذي يمنح مكاسب عاجلة لكنه يحول صاحبه إلى طرف معاد لمحيطه كله قد يكون صفقة أمنية مربحة اليوم، لكنه يتحول إلى عبء استراتيجي غداً.
وفي المقابل، يجب الحذر من وهم آخر، وهو الاعتقاد بأن رفض إسرائيل شعبياً يعني حتمية زوالها. الدول لا تزول لمجرد أن جيرانها يرفضونها، وإسرائيل أثبتت خلال عقود قدرتها على بناء مؤسسات وقوة عسكرية واقتصاد وتحالفات دولية. لذلك فالحجة الأقوى ليست أن «إسرائيل ستختفي»، بل أن مستقبلها، مثل مستقبل أي قوة إقليمية، خاضع لتحولات موازين القوى والتحالفات والاقتصاد والديموغرافيا والسياسة الدولية. ومن يبني مصيره بالكامل على افتراض دوام التفوق الإسرائيلي يرتكب الخطأ نفسه الذي يرتكبه من يبني استراتيجيته على افتراض زوال إسرائيل الوشيك.
السياسة الحكيمة لا تسأل فقط: من يستطيع حمايتي اليوم؟ بل تسأل: كيف سأعيش هنا بعد عشرين أو خمسين عاماً، إذا تغير الحامي وتبدلت المصالح؟ الولايات المتحدة نفسها تتعامل مع إسرائيل باعتبارها شريكاً يخدم مصالح استراتيجية أمريكية، وليس باعتبار العلاقة عهداً خارج التاريخ. والتحالفات الدولية في النهاية مصالح وليست عقود زواج أبدية.
لهذا فإن الرسالة إلى أي جماعة تفكر في الطلاق الكامل مع محيطها والاحتماء بإسرائيل ليست دعوة إلى العداء الأعمى، ولا إلى رفض العلاقات السياسية من حيث المبدأ، بل إلى فهم أبسط قوانين الجغرافيا السياسية: استفد من العلاقات، نوّع التحالفات، احم مصالحك، لكن لا تجعل وجودك مرهوناً بدولة أخرى، خصوصاً دولة تحتاج هي نفسها إلى تحالفات كبرى لحماية تفوقها.
يمكن تغيير السياسة في ليلة، ويمكن تبديل الحليف في يوم، ويمكن أن ينقلب ميزان القوة خلال عقد. أما الجغرافيا فتبقى في مكانها. ومن لا يستطيع مغادرة جغرافيته، عليه أن يتعلم كيف يعيش فيها، لا أن يتوهم أن حليفاً بعيداً يستطيع أن يلغيها.





