
لم يكن إعلان مظلوم عبدي، في 25 آب/أغسطس، انتهاء مهمة «قوات سوريا الديمقراطية» وحلها كقوة عسكرية مستقلة مجرد تغيير في اسم تشكيل مسلح، بل محطة سياسية وعسكرية تنهي واحدة من أبرز حالات تعدد مراكز القوة التي عرفتها سوريا خلال سنوات الحرب، وتضع مناطق شمال شرقي البلاد أمام مرحلة مختلفة تقوم، نظرياً، على وجود مؤسسة عسكرية واحدة وإدارة رسمية واحدة للموارد والحدود والمؤسسات.
وجاء الإعلان بعد مسار طويل بدأ باتفاق 10 آذار/مارس 2025، ثم انتقل إلى مواجهات وتفاهمات جديدة خلال عام 2026، قبل التوصل إلى ترتيبات دمج أكثر تفصيلاً. وبحسب وكالة «رويترز»، فإن حل «قسد» جاء بعد استكمال دمج قواتها ضمن الجيش السوري، منهياً وجودها كقوة عسكرية مستقلة بعد أكثر من عقد لعبت خلاله دوراً رئيسياً في شمال شرقي سوريا وكانت الشريك المحلي الأبرز للولايات المتحدة في الحرب على تنظيم «الدولة الإسلامية».
خريطة عسكرية مختلفة
التغيير الأبرز لا يتعلق برسم حدود جديدة على الخريطة بقدر ما يتعلق بتغيير الجهة التي تمارس السلطة عليها. فقد كانت الحكومة السورية قد استعادت، منذ المواجهات التي شهدها مطلع العام، مساحات واسعة كانت خاضعة لسيطرة «قسد»، ولا سيما في الرقة ودير الزور، قبل أن تتوسع عملية الدمج لتشمل الوحدات المتبقية في الحسكة والقامشلي ومناطق أخرى.
وكان الاتفاق التنفيذي الذي أعقب تلك المواجهات قد نص على انتقال حقول النفط والغاز والمعابر الحدودية ومؤسسات مدنية وأمنية إلى سلطة الدولة، إلى جانب دمج القوات العسكرية والأمنية. لذلك فإن إعلان حل «قسد» يمثل، في جوهره، تثبيتاً لنهاية وجود جيش موازٍ أكثر مما يمثل انتقالاً مفاجئاً للسيطرة على الأرض.
وتعني هذه الخطوة أيضاً أن دمشق باتت أقرب إلى إدارة واحدة لأهم الموارد الاستراتيجية في شرقي البلاد. فالمناطق التي كانت خاضعة لنفوذ «قسد» تضم حقولاً رئيسية للنفط والغاز، إضافة إلى سدود ومعابر حدودية ومرافق حيوية. وكان اتفاق آذار/مارس 2025 قد نص أساساً على دمج المعابر والمطار وحقول النفط والغاز ضمن مؤسسات الدولة، قبل أن تتسارع عملية التنفيذ خلال العام الجاري.
الدولة تعود.. لكن الدمج لم ينتهِ
ومع ذلك، لا يعني حل البنية العسكرية أن جميع الملفات الإدارية أُغلقت. فقد أفادت «الجزيرة»، عقب إعلان عبدي، بأن عدداً من مؤسسات الإدارة في شمال شرقي سوريا لم يكن قد استكمل اندماجه بصورة نهائية، وبينها قطاعات التعليم والهجرة والجوازات والنفوس والشؤون المدنية والعقارية، في وقت تتواصل فيه الإجراءات لنقل هذه المؤسسات إلى الهياكل الرسمية للدولة.
وهنا ينتقل الاختبار من المؤسسة العسكرية إلى شكل الإدارة التي ستنشأ في المنطقة: مدى قدرة دمشق على استيعاب عشرات آلاف الموظفين والعسكريين ضمن مؤسساتها، وكيفية إدارة الخدمات والموارد، ومستوى الصلاحيات التي ستبقى للإدارات المحلية. وهي ملفات ستحدد ما إذا كان الاندماج سيقتصر على إنهاء التشكيلات المسلحة المستقلة، أم سيقود إلى نموذج إداري مستقر يعيد ربط شمال شرقي سوريا ببقية مؤسسات البلاد.
أين تقف الحقوق الكردية؟
ويمثل الملف الكردي أحد أكثر عناصر المرحلة المقبلة حساسية. ففي كانون الثاني/يناير الماضي، أصدر الرئيس أحمد الشرع المرسوم رقم 13 لعام 2026، الذي اعتبر المواطنين السوريين الكرد جزءاً أصيلاً من الشعب السوري، واعترف باللغة الكردية لغة وطنية، وسمح بتدريسها في المدارس بالمناطق ذات الوجود الكردي، كما ألغى التدابير المترتبة على إحصاء الحسكة لعام 1962 ونص على منح الجنسية للمشمولين به.
وبالتزامن مع حل «قسد»، بدأت قضية اللغة والتعليم تتحول من تفاهم سياسي إلى تطبيق مؤسساتي؛ إذ أعلنت وزارة التربية دخول اللغة الكردية إلى المدارس مع العام الدراسي 2026-2027 كمادة اختيارية بمعدل حصتين أسبوعياً. ويضع ذلك العلاقة بين دمشق والكرد أمام اختبار جديد: الانتقال من ضمان الحقوق عبر سلطة أمر واقع مسلحة إلى تثبيتها عبر القانون والمؤسسات الرسمية.
لكن وكالة «أسوشيتد برس» رصدت، الأربعاء، مواقف متباينة في أوساط أكراد شمال شرقي سوريا، بين من يرى في الاندماج فرصة للاستقرار وضمان الحقوق ضمن الدولة، ومن ينظر بحذر إلى مرحلة ما بعد «قسد»، في ضوء عقود من التهميش والمخاوف المرتبطة بمستقبل التمثيل السياسي والثقافي.
ترحيب دولي ورسالة إقليمية
إقليمياً ودولياً، حظي حل «قسد» بترحيب لافت فقد اعتبرت تركيا الخطوة تطوراً مهماً لتعزيز سلطة الدولة ووحدة سوريا، بينما رحبت السعودية وقطر والأردن والكويت وفرنسا وبريطانيا بالاندماج، مع تركيز غالبية المواقف على وحدة الأراضي السورية وحصر السلاح بيد الدولة. كما رحب رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني بالخطوة ودعا الأطراف الكردية وبقية مكونات المجتمع السوري إلى دعمها.
أما واشنطن، التي اعتمدت لسنوات على «قسد» كشريك رئيسي في محاربة تنظيم «الدولة الإسلامية»، فاختارت دعم الاندماج بدلاً من استمرار الكيان العسكري المستقل. ووصف المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توماس باراك التطور بأنه خطوة تاريخية باتجاه سوريا موحدة، فيما أشارت تقارير إلى بحث أدوار سياسية رسمية لقيادات كردية سابقة، من دون إعلان سوري نهائي عن طبيعة هذه المناصب حتى الآن.
بهذا المعنى، لا يعيد حل «قسد» رسم الحدود الخارجية لسوريا، لكنه يغير بصورة كبيرة خريطة السلطة داخلها. فالمشهد الذي تشكل خلال الحرب، والقائم على جيوش وإدارات ومناطق نفوذ منفصلة، يتراجع خطوة إضافية لمصلحة سلطة مركزية واحدة. ويبقى نجاح هذا التحول مرتبطاً بما سيأتي بعد الإعلان: قدرة الدولة على إدارة المناطق ومواردها، ودمج مؤسساتها وسكانها، وضمان الحقوق المحلية، وتحويل اتفاق عسكري أنهى وجود «قسد» المستقل إلى تسوية سياسية واجتماعية قابلة للاستمرار.








