

إطلالة الشيخ أحمد حسّون على شاشة “الجزيرة”، مُساجلاً في “الاتجاه المعاكس”، في 1997 (أو 1998)، لم تعرّف الجمهور العربي به فقط، بل أيضاً بهرت المشاهدين باتّساع معرفته بمدى ما في الإسلام من سماحة، فقد جادل، بكفاءةٍ عاليةٍ، خصيمه الشيخ المغربي المتشدّد، محمد الفزّازي، بأن الحوار مع المُختلف من تعاليم الدين الحنيف. وبقدر ما كان مُعاكِسُه ذاك مغلقاً، ويؤوّل آياتٍ كريمةً في اتجاهه، كان حسّون بارعاً في إيراد شواهد من القرآن الكريم ومن سير الرسول والصحابة، ومن تاريخ المسلمين أيضاً، على سعة مساحات الإسلام في الجدال بالحُسنى مع المُغايرين في خياراتهم وقناعاتهم. بدا الشيخ القادم من مدينته حلب إلى الأستوديو في الدوحة صاحب منطقٍ مُقنع، وظهر بملكاتٍ لغويةٍ عالية، وجدارةٍ جذّابة في المحاججة. كانت تلك المرّة الأولى التي يسمع فيها صاحب هذه الكلمات بهذا الرجل، وأصيب فيها بإعجابٍ كبيرٍ بقدراته وشخصيّته، وبأناقة حضوره، بعمامةٍ بيضاء واسعة.
ليس ذلك الشيخ الذي محضتُه، وغيري، حبّاً غزيراً، وهو على الشاشة في تلك السهرية مع فيصل القاسم، هو نفسُه الذي صار يُبارك العنف العسكري المُميت مع معارضي نظام بشّار الأسد، في مواجهة السوريين العزّل، الذين تظاهروا، بداية، احتجاجاً على سلوكٍ عدوانيٍّ مشهودٍ من رجلٍ في السلطة في درعا، ولم يطالبوا بغير الإصلاح، حتى إذا تمادى الحكم في جرائم وانتهاكاتٍ مريعة، بعضها جرائم حرب، وقد صار المتظاهرون ثوّاراً لا يرضون بغير إسقاط النظام، تمادى الشيخ في انتصاره للنظام بما سُمّيت فتاوى منه تبيح إلقاء البراميل المتفجّرة على حواضن الثائرين. وقد غالى الداعية السابق إلى التسامح في اعتباره قصف المدن والأرياف والبلدات الثائرة “دفاعاً عن الوطن”، وأفتى بأن قتال الجيش السوري حرام، ودعا إلى الانضمام إلى هذا الجيش “واجباً شرعياً”، وظلّ يردّد الكلام إياه عن “مؤامراتٍ خارجية” تتعرّض لها سورية. ولقد بدا أن مفتي حلب، ثم مفتي الجمهورية في 2005 إلى أن ألغى بشّار الأسد هذا المنصب في 2021، مجرّد شبّيحٍ ركيك، بدلاً من أن يكون داعية خير، ينصح رئيسه بالمسايسة وبإصلاح السلطة وأجهزتها، وبفتح قنوات حوار مع المعارضة والثوار من أجل إنقاذ “الوطن”. وكان من شأن دورٍ مثل هذا أن يكون مفهوماً أو متفّهماً، قد يتسامح معه الثوار، ما دام أنه لا يصطفّ مع القتل والعنف العاري، غير أن الرجل آثر التطرّف في استهانته بأرواح الناس وكرامتهم وأرزاقهم. وفي الغضون قُتل نجله الأصغر في واقعةٍ ذاع، والله أعلم، أن لأجهزة مخابرات النظام يداً (أو ضلعاً) فيها.
مربكٌ أن تبحث في أمر أحمد بدر الدين حسّون الذي كان رأى السلام شأناً مقدّساً، ورفض استخدام الدين في الحضّ على القتل، في كلمة له أمام البرلمان الأوروبي في بروكسل، ضمن فعالية نقاش عن الحوار بين الأديان وبين الثقافات، وذلك في 2014، وكان في ذراه القتل الأعمى الذي أعمله نظام الأسد في آلاف السوريين، بأشنع الأسلحة، ومنها غاز السارين الخانق. كيف، إذن، تأتّى لإنسانٍ من هذا اللون يزاول هذا النفاق، وتلك الازدواجية. وقبلهما وبعدهما، لا يتسلّل إلى حشاياه أي أسىً والعالم يضجّ بأنباء التقتيل والتمويت والتهجير من سورية الأسد. ومربكٌ أن يحاول واحدُنا استيعاب هذا الحال، غير أن من اليسير أن يفهم مقادير البهجة التي غشيت ملايين السوريين وهم يرون هذا الشيخ، في قفصٍ في محكمة، يستمع إلى الحكم عليه بالسجن مدى الحياة، بعد أن سيقت ضدّه حزمة من الاتهامات، توقّعنا منها حثه الجيش علناً على تدمير مناطق المعارضة، وتهديد أهالي إدلب وحلب، تعييناً، بالقتل والتهجير، ولم نتوقع أن يكون منها تقديمه دعماً مالياً دورياً لمليشياتٍ كانت ملتحقه بالنظام، وربما فوجئ بعضُنا بتورّطه في قضايا ابتزاز مالي.
لقائلٍ أن يقول إن أحمد حسّون لم تكن في حوزته أي سلطةٍ من أي نوع ليأمر بقتلٍ أو ينفّذ قتلاً، وكل ما كان عليه أن يرمي الكلام هنا وهناك مسانداً بشّار الأسد وأجهزته، وهذا سلوكٌ مرذولٌ، لكنه لا يُعاقب بالسجن المؤبد. ولقائل آخر أن يقول إن هذه المبالغة في الحكم على الرجل تعود إلى سنّيته، إذ أرادت السلطة تظهير انعدام نزعةٍ طائفيةٍ فيها، فهذا من مشاهير السوريين السنّة، ويلحَق به هذا الحكم المتشدّد، وقد طالب الادّعاء إعدامه… ولكن القصة ليست هنا، وإنما في بداية هذا الرجل ونهايته، في واسع معرفته بالدين وواسع غلوّه في مناصرته نظام الفتك والتمويت، في المساحة بين وداعته على شاشة التلفزيون مساجلاً عليماً قبل 28 عاماً وفي مشهده كسيراً في قفصٍ قبل أيام.





