

عقب فشل المفاوضات في إسلام آباد بين وفده والوفد الإيراني، صرّح ترامب بأنه لا يريد 90%، ولا 95%، بل يريد كل شيء من طهران! وأعرب أيضاً، في اليوم نفسه، عن عدم اكتراثه بتوقيع اتفاق مع الإيرانيين، بما أنه انتصر على كل حال، وحققت الحرب أهدافها في تدمير القدرات العسكرية الإيرانية، أو حتى ما هو أبعد منها…
لمزيد من الاطلاع، يمكن البحث على الإنترنت عن تصريحات ترامب لوسائل الإعلام، وما يكتبه على حسابه في منصته تروث سوشيال. ولمن يريد الاختصار، يمكن مراجعة صفحات الأخبار العاجلة في العديد من وسائل الإعلام للحصول على المقتطفات الأبرز من أحاديثه وتدويناته اليومية. وحضور تصريحاته يومياً غير مرتبط فقط بمواكبة الحرب الحالية، فهو الرئيس الأميركي الأكثر ولعاً بالبقاء تحت الأضواء، بإثارة اهتمام المتابعين بواسطة أقوال خارجة عن المألوف الدبلوماسي. قبل أيام، مثلاً، تناول الرئيسَ الفرنسي ماكرون بالسخرية منه بسبب مزاعم عن تعرّضه لعنف زوجي، ثم عاد وأبدى ثقته بأنوثة عقيلة ماكرون على خلفية دعوى تشكك بها!
لنتخيّل تمريناً نجمع به تصريحات وتدوينات ترامب لمدة أسبوع، ولا نحتاج مخيَّلة نشطة لنتوقع كمية الطرائف والتناقضات التي ستصادفنا؛ أحياناً خلال ساعات اليوم الواحد لا خلال أسبوع. سيحتوي المجموع على كمية كبرى من التصريحات التي ذهبت إلى النسيان، وعلى تصريحات أخرى لا يُعرف حقاً ما الذي تبقّى منها، وما إذا سيكون لها أثر لاحق، أم أن صاحبها سينساها، وسيتخذ قرارات أو إجراءات مناقضة لها.
يستطيع ترامب، بلا أي ضابط، أن يهدد بتدمير الحضارة الإيرانية، ثم يتراجع عن تهديده ليقبل بالتفاوض، ثم يذهب إلى فرض حصار على السفن التي تعبر مضيق هرمز ليتسبب بأزمة إضافية في النفط فوق أزمته المتفاقمة منذ بدء الحرب. ما الذي سيحدث غداً؟ أو بعد ساعات؟ لا أحد يمتلك الإجابة عن السؤال سوى ترامب نفسه، وهذا افتراض لا يوجد ما يدعمه حقاً، مثلما لم يعد يوجد ما يدعم فرضية وجود نظام، أو دولة عميقة، تلجم الرئيس إذا قرر الخروج عن السياسات المرغوبة، أو ذهب إلى الاستفراد بالقرار.
الصورة التي يقدّمها ترامب بنفسه هي صورة مراهق، أو مَن في حكمه، يلهو بكوكب الأرض. فهو يملك القرار في القوة العظمى التي لا تدانيها قوة أخرى من حيث التأثير في مجمل أنحاء الكوكب، سواء في مضمار الحرب أو مضمار السلم. ولا يخفي ترامب نيته العبث باستقرار الكوكب، والانقلاب على السياسات الأميركية التقليدية قبل أي شيء آخر. إذن هو أشبه بولد غاضبٍ يلهو بالكوكب، ولا يُعرَف ما يرضيه حقاً، ويقدّم طوال الوقت دلائل على أنه هو نفسه لا يَعرف بالضبط ما يريد.
لا يتعلق الأمر بقدرتنا، نحن أبناء الكوكب، على تحليل الظاهرة الترامبية، وأسباب صعودها… إلخ. ذلك يبدو إلى حد معقول في المتناول، لكنه لا يقول لنا شيئاً وافياً عن الساعات القليلة المقبلة مثلاً، وبالطبع لا يقول لنا شيئاً محدداً عن الفترة الممتدة منذ الآن حتى نهاية ولاية ترامب، على افتراض أن انقلابه على النظام الأمريكي للترشّح مرة ثالثة للرئاسة غير وارد. لا أحد يستطيع الجزم بالمدة التي سيستمر بها الحصار النفطي، وهذه المرة ليس لأن ذلك من ضمن أسرار الأمن القومي الأمريكي، أو بسبب تدخل لوبيات النفط والسلاح…
تخالف الظاهرة الترامبية ما هو مألوف لجهة أن فهم أية مسألة بمثابة الشطر الأعظم من حلّها، فالفهم العمومي هنا ليس على الإطلاق مدخلاً للتنبؤ بالسياسات، حتى إذا لم نضِف إليها بعض أسس الترامبية الني تم التراجع عنها، من قبيل النزوع إلى عدم التدخل العسكري، وإلى الانكفاء على الذات. هكذا تكون الظاهرة مكشوفة للفهم، وعصيّة على ما يتبعه من سياسات واحتياطات.
الأمر لا يتوقف عند أسلوب تعامل ترامب مع بؤر ساخنة، مثل أوكرانيا وغزة وأخيراً إيران ولبنان، إنه يذهب أبعد إلى تأثير تلك السياسات على واقع مليارات البشر، بينما يُبدي هو هوساً باحتساب بضع مليارات من الدولارات في الميزان المباشر للربح والخسارة. فمن المؤكد أن معيشة مليارات من البشر قد تأذّت منذ استهلّ ولايته الرئاسية الثانية، سواءً بسبب سياسات اقتصادية هبطت عمداً بقيمة الدولار، أو بسبب سياسات وحروب خارجية كالتي تحدث الآن.
في المحصّلة، ليست لعبة ذهنية أن يصعب التنبؤ بما سيصدر عن سلطان الأخبار العاجلة؛ الأمر يقع في صميم الفهم العالمي العام، وفهم صانعي السياسات المختلفة، وفي مقدمها الحسابات الاقتصادية التي لا يمكن فصلها مع آثارها عن السياسة بالمعنى الضيق. ليس مهماً ومؤثّراً أن يرتكب ترامب مفاجأة ما، فيكذّب تحليلات صحافية مبنية على تصريح له قبل ساعات، المهم والمؤثّر أن دوائر صنع القرار هنا وهناك ليس لديها معطيات أفضل لبناء سياسة تختلف أو تتماشى مع السياسة الأميركية، ما يجعلها أسيرة ردود الأفعال والارتجال.
قد يحلو للبعض تبرير عدم اليقين الناجم عن ترامب بأنه سياسة متعمّدة، رغم عدم وجود مؤشّرات إلى كونه منهجياً. في كل الأحوال، السياسة شأن مختلف عن الفهلوة، وحالياً ثمة معضلة حقيقية فيما يخص أكثر من ثلاثين شهراً متبقّية على ولاية ترامب الحالية، وتزداد المعضلة تعقيداً مع نيّته استنزاف ولايته لأقصى حد ممكن من حيث تنفيذ رغباته، وكلما اقتربت نهاية ولايته قد نكون مع موعد لحماقات أخيرة كبرى قبل أن يُنتزع منه كوكب الأرض.
ربما ينظر كثير من المتضررين إلى ترامب كقدر متنمّر شرير لا بد من تحمّله، مع تعزية النفس بأن سنوات قليلة من حكمه لن تكون ذات وزن في تاريخ البشرية. بعض العزاء يأتي من النظر إليه كطفرة في الحياة السياسية الأميركية، والاقتناع بأن النظام الأميركي سيسترد عافيته سريعاً. لكن لم يعد مؤكداً على الإطلاق أن حقبة ترامب لن تكون بلا آثار مستدامة داخلياً وخارجياً، خصوصاً أن جزءاً مهماً من قراراته وسعيه مكرَّسٌ لجعل الارتداد عنهما عسيراً على خلفه في المنصب. النجاة من ترامب تقتضي ما هو أجدى من الانتظار، ومن الركون إلى البدائل المجرَّبة. في الغضون، يستحق المجرّيون الاحتفال بالخلاص من ترامبـ/هم الصغير، إذا أغلقوا وراءه الباب جيداً.





