ديناميات المجتمع المديني السّوري.. القيم الحضرية وأنماط العيش والحياة اليومية

طالب الدغيم10 يناير 2026آخر تحديث :
طالب الدغيم

تُعدّ المدينة السورية أحد أهم الحقول الاجتماعية التي تبلورت فيها العلاقة بين الاقتصاد، والتنظيم الاجتماعي، والسلطة السياسية، منذ أواخر القرن التاسع عشر. فقد شكّلت المدن الكبرى مثل دمشق وحلب وحمص مراكز لاستيعاب التحولات الاقتصادية، ومختبراً لإنتاج القيم الحضرية المرتبطة بالعمل، والانضباط، والتعليم، والتفاعل اليومي بين فئات اجتماعية متباينة. وبالتالي، فإن هذا الدور لم ينبع من الكثافة السكانية وحدها، بل من كون المدينة فضاءً تتقاطع فيه التجارة، والحِرَف، والإدارة، والخدمات، بما جعلها إطارًا ناظمًا للحياة الاجتماعية الحديثة.

ومع تشكّل الدولة المركزية، دخل المجتمع المديني في علاقة مركّبة مع السلطة، حيث باتت المدينة مجالاً لإدارة السكان وضبطهم عبر السكن، والوظيفة، والخدمات، والتنظيم العمراني. وقد انعكس ذلك على أنماط العيش اليومية، وحدود الطبقة الوسطى، ووظيفة الفضاء العام. فالقيم الحضرية التي نشأت في سياق الاستقلال الاقتصادي والتفاعل المهني، خضعت تدريجيًا لإعادة صياغة ضمن منطق الإدارة والسيطرة.

وتُعدّ المدينة السورية أحد الحقول المركزية التي تَشكّل فيها الاجتماع الحديث، بوصفها نقطة التقاء بين الاقتصاد، والتنظيم الاجتماعي، والسلطة السياسية. فمنذ أواخر القرن التاسع عشر، اضطلعت المدن الكبرى مثل دمشق وحلب وحمص واللاذقية بدور بنيوي في إنتاج القيم الحضرية، وتنظيم أنماط العيش، وضبط العلاقات اليومية بين الأفراد والجماعات. ولم يقتصر هذا الدور على الوظيفة السكنية أو الإدارية، بل ارتبط بكون المدينة فضاءً كثيفًا لتكثيف العمل الحِرَفي والتجاري، وتمركز التعليم والمؤسسات الدينية والإدارية، بما جعلها إطارًا ناظمًا للحياة الاجتماعية الحديثة.

غير أنّ هذا الاجتماع المديني لم ينشأ ضمن مسار تطور ذاتي مستقر، بل تبلور في سياق علاقة مركّبة مع الدولة الحديثة، ومع التحولات الاقتصادية الإقليمية والعالمية. فقد أعادت السياسات العمرانية، والتعليمية، والوظيفية، صياغة بنية المدينة وقيمها، وربطت الاستقرار الاجتماعي بمنطق الإدارة والوظيفة العامة، لا بمنطق الاستقلال الاقتصادي أو التنظيم الاجتماعي الذاتي. ومع الزمن، أفضى ذلك إلى جعل القيم الحضرية أكثر هشاشة أمام الأزمات الاقتصادية والسياسية.

وتكتسب دراسة المجتمع المديني السوري أهمية إضافية إذا ما أُخذ في الاعتبار موقع المدينة بوصفها وسيطًا تاريخيًا بين الريف والدولة، وبين الاقتصاد المحلي والتحولات الأوسع. فالمدينة لم تكن مستهلكة لفائض الريف فحسب، بل أسهمت في إعادة توزيعه وتنظيمه وتحويله إلى أنماط عيش وقيم اجتماعية. كما شكّلت فضاءً لإعادة إنتاج النخب الإدارية والثقافية، ما جعلها موقعًا حساساً لأي اختلال في التوازنات الاجتماعية. تسعى هذه الدراسة إلى مقاربة المجتمع المديني السوري من منظور تاريخي – سوسيولوجي، عبر تحليل القيم الحضرية، وتحولات أنماط العيش، وديناميات الحياة اليومية، وصولاً إلى ما كشفته الثورة السورية من اختلالات عميقة في الاجتماع المديني، وما تطرحه مرحلة ما بعد سقوط النظام من أسئلة إعادة التأسيس الاجتماعي.

تميّز العيش المديني السوري تاريخياً بتداخل السكن والعمل ضمن أحياء متماسكة، شكّلت وحدات اجتماعية ناظمة للحياة اليومية.

  • القيم الحضرية وتحوّلات الاجتماع المديني

تشكّلت القيم والعلاقات الحضرية في المدن السورية ضمن سياق طويل من النشاط التجاري والحِرَفي، وتفاعل العلاقات الإنتاجية، حيث لعبت الأسواق، والورش، والمهن المنظمة دوراً أساسياً في إنتاج أخلاقيات عمل قائمة على السمعة، والانضباط، والالتزام، والاستقلال النسبي عن السلطة السياسية. حيث ارتبطت المكانة الاجتماعية في المدن الكبرى بالنجاح المهني، وبالقدرة على الاندماج في شبكات العمل والتبادل، أكثر من ارتباطها بالانتماء العائلي أو الريفي. وأسهم هذا النمط في بلورة اجتماع مديني قادر على تنظيم ذاته عبر آليات السوق والمؤسسة، وضبط السلوك الاجتماعي ضمن معايير مهنية وأخلاقية مستقرة نسبياً.

مع توسّع التعليم الحديث ونموّ الإدارة العامة خلال مرحلة الانتداب وما بعد الاستقلال، بدأت القيم الحضرية ترتبط بالوظيفة والشهادة، ما أفضى إلى صعود طبقة وسطى مدينية أدّت دور الوسيط بين الدولة والمجتمع. غير أنّ هذا التحول ربط الاستقرار الاجتماعي بالانتماء المؤسسي، وجعل القيم الحضرية عرضة للتآكل مع تراجع قدرة الدولة على توفير العمل والخدمات. وإنه بعد ترسّخ المركزية السياسية، خضعت المدينة لآليات ضبط غير مباشرة، انعكست في تقييد الفضاء العام، وإضعاف المبادرات المدنية المستقلة، وتحويل القيم الحضرية إلى منظومة سلوك حذر تقوم على التكيّف وتجنّب المخاطر.

ويُضاف إلى ذلك أنّ القيم الحضرية لم تكن متجانسة داخل المدينة الواحدة، بل تباينت بين الأحياء التاريخية التي حافظت على منظومات قيمية أكثر رسوخًا، مرتبطة بالسمعة المهنية والعلاقات المتراكمة، وبين الأحياء الحديثة والضواحي التي تشكّلت فيها قيم أكثر فردانية، مرتبطة بالدخل والوظيفة. هذا التفاوت أسهم في خلق انقسامات صامتة داخل الاجتماع المديني، وأضعف إمكانية تشكّل هوية حضرية جامعة. كما أنّ تراجع دور النقابات المهنية والجمعيات الأهلية المستقلة أسهم في إفقار المجال القيمي للمدينة، وتحويل القيم الحضرية إلى سلوكيات فردية غير محمية اجتماعيًا، ما جعل المدينة أكثر عرضة للاهتزاز عند أول اختبار سياسي أو اقتصادي واسع.

  • أنماط العيش المديني وتحولات السكن والعمل

تميّز العيش المديني السوري تاريخياً بتداخل السكن والعمل ضمن أحياء متماسكة، شكّلت وحدات اجتماعية ناظمة للحياة اليومية. فقد أتاح القرب المكاني تفاعلاً كثيفاً بين السكان، وأسهم في إنتاج شبكات تضامن غير رسمية، خصوصاً بين الحرفيين وأصحاب المهن الصغيرة، كما وفّر إطاراً اجتماعياً يحدّ من العزلة ويعزّز الاستقرار.

غير أنّ التوسع العمراني السريع منذ سبعينيات القرن العشرين أعاد تشكيل المدينة على نحو غير متوازن. فقد نشأت ضواحٍ واسعة وسكن عشوائي في أطراف دمشق وحلب، استوعبت موجات الهجرة الريفية من دون إدماج اجتماعي كافٍ، ما أفضى إلى تفكك البنية التقليدية للحي، وظهور أنماط عيش تقوم على العزلة والضغط الاقتصادي. هذا التحول أضعف الاستقرار المكاني، وأدّى إلى تراجع العلاقات طويلة الأمد لصالح علاقات عابرة محكومة بالضرورة لا بالانتماء.

وفي ميدان العمل، أسهم تراجع الحِرَف التقليدية وصعود الوظيفة العامة في إعادة تعريف الاستقرار المديني. ومع تدهور الأجور وارتفاع تكاليف المعيشة في العقود الأخيرة، دخلت الطبقة الوسطى في مسار تآكل تدريجي، حيث بات العمل غير كافٍ لضمان الاستقرار الاجتماعي. وتعمّق هذا المسار مع توسّع الاقتصاد غير الرسمي، الذي وفّر فرصاً مؤقتة بلا حماية اجتماعية، ما انعكس على أنماط الادخار، وتكوين الأسرة، وتصورات المستقبل. وبهذا، تراجعت الوظيفة التقليدية للمدينة بوصفها فضاءً للاستقرار والترقي الاجتماعي، وتحولت تدريجيًا إلى فضاء ضغط اقتصادي دائم.

  • ديناميات الحياة اليومية في المدينة السورية

تكشف دراسة الحياة اليومية في المدن السورية عن الدور المحوري للتفاصيل المعيشية في تنظيم الاجتماع المديني. فالخبز، والنقل، والسكن، والتعليم، شكّلت عناصر مركزية في ضبط الزمن الاجتماعي، وربط الفرد بالمؤسسات العامة. وقد أنتج هذا الربط علاقة يومية كثيفة بين المواطن والدولة، جعلت الحياة المدينية مجالًا لإعادة إنتاج أنماط الامتثال والتكيّف.

ومع تراجع الخدمات وتزايد الأعباء الاقتصادية، تحوّلت الحياة اليومية إلى مجال ضغط مستمر، دفع الأفراد إلى إعادة ترتيب أولوياتهم حول البقاء، لا المشاركة. وأدّى ذلك إلى انكماش المجال العام، وتراجع الأنشطة الثقافية والاجتماعية، وانسحاب فئات واسعة من الفضاء المشترك. كما تغيّرت أنماط الاستهلاك والعلاقات الاجتماعية، حيث تقدّمت قيم السلامة الفردية والاقتصاد في المخاطرة على حساب التضامن والمشاركة.

وقد أسهم هذا الضغط اليومي في تفكيك النسيج المديني من الداخل، من دون الحاجة إلى صدمات خارجية مباشرة. فعشية الثورة، كانت المدن السورية تعيش مفارقة حادة: كثافة سكانية وحيوية ظاهرية، تقابلها هشاشة اجتماعية واقتصادية عميقة، ما جعل الاحتجاجات تعبيرًا عن اختلالات متراكمة في بنية العيش اليومي، لا حدثًا منفصلًا عن سياقه الاجتماعي الطويل.

مع الزمن، نشأ اقتصاد مديني قائم على الطوارئ والمساعدات والعمل غير المستقر، ما زاد من هشاشة العيش داخل المدينة.

  • المجتمع المديني في زمن الثورة السورية وما بعدها (2011 – 2025)

أعادت الثورة السورية تشكيل الاجتماع المديني على مستويات متعددة. فقد تحوّلت عدد من المدن إلى ساحات للاحتجاج الشعبي، ومن ثم إلى فضاءات للحرب، ونزح سكانها، وتعرّضت أحياء كاملة للتدمير مثل حلب وحمص ودمشق ودير الزور والرقة، فكان القصف العنيف من طيران النظام والروس والتحالف الدولي، والاحتدام في المعارك داخل المدن، قد أسهم في انهيار أنماط السكن والعمل، وانقطاع استمرارية التعليم والخدمات. ومع الزمن، نشأ اقتصاد مديني قائم على الطوارئ والمساعدات والعمل غير المستقر، ما زاد من هشاشة العيش داخل المدينة. وفي مرحلة ما بعد سقوط النظام، تبرز إشكالية إعادة بناء الاجتماع المديني بوصفها تحدياً يتجاوز إعادة الإعمار المادي. فإعادة بناء المدينة تقتضي استعادة الفضاء العام، وتمكين الطبقة الوسطى، وبناء اقتصاد مديني منتج قادر على توفير فرص عمل مستقرة. وتشير التجارب المقارنة إلى أنّ غياب البعد الاجتماعي في سياسات إعادة الإعمار يؤدي إلى إعادة إنتاج الهشاشة حتى مع تحسن البنية التحتية.

وهكذا، يُظهر المسار التاريخي للمجتمع المديني السوري أنّ التحولات التي أصابته كانت نتاج تفاعل طويل بين المركزية السياسية، والتغير الاقتصادي، وتراجع القدرة الذاتية للمدينة على إنتاج قيمها وتنظيم حياتها اليومية. وقد كشفت الثورة السورية حدود هذا النموذج المديني، وأظهرت هشاشته البنيوية على نحوٍ لا لبس فيه. وإنّ إعادة بناء المدينة السورية في المرحلة المقبلة تقتضي مقاربة تتجاوز العمران إلى الاجتماع، عبر إعادة تأسيس القيم الحضرية، وتمكين الطبقة الوسطى، وإحياء الفضاء العام بوصفه شرطاً للاستقرار الاجتماعي. وإنه دون ذلك، ستظل المدينة عرضة لدورات متكررة من الانكماش والاضطراب، وسيبقى الاجتماع المديني عاجزاً عن أداء دوره التاريخي في إنتاج الاستقرار والاندماج الاجتماعي.

المراجع:

Chalcraft, J. (2016). Popular politics in the making of the modern Middle East. Cambridge: Cambridge University Press.
Perthes, V. (1995). The political economy of Syria under Asad. London: I.B. Tauris.
Davis, M. (2006). Planet of slums. London: Verso.
De Certeau, M. (1984). The practice of everyday life. Berkeley: University of California Press.
United Nations Economic and Social Commission for Western Asia (ESCWA). (2019). Inequality in the Arab region. Beirut: UN-ESCWA.
UN-Habitat. (2020). Urban resilience in the Arab region. Nairobi: United Nations Human Settlements Programme.
United Nations Development Programme. (2022). Cities and local recovery in Syria. Retrieved from https://www.undp.org
 

المصدر تلفزيون سوريا

اترك رد

عاجل