الاحتفاء بالمرأة وتقنية تطويع الرمال في تجربة التشكيلي السوري سعود العبد الله

عبد الرحمن مظهر الهلوش

«سعود العبد الله» فنان سوري ولد في الحسكة عام 1976. تخرج في كلية الفنون الجميلة، جامعة دمشق عام 2005، وحصل على دبلوم الدراسات العليا في عام 2006. وفي معرضه الذي أُقيم في غاليري (Art on 56the) بيروت، تبدو النشأة الريفية الأولى التي استقى منها الفنان جلّ أعمالهُ، حيث يتبنى أكثر من مذهب في اللوحة الواحدة، فهو يجمع بين التعبيرية والرمزية.

المرأة أيقونة العصور

يستعرض الفنان العبد الله المراحل التاريخية المهمة التي ترصد رؤية المجتمع للمرأة عبر لوحاته المتعددة بهذا الخصوص. خارج نطاق تسليع الجسد الأنثوي، فلم يستغل جسد المرأة كسلعة للتكسب المادي بقدر ما أراد إبراز الجمالية للمرأة ككائن بشري، حيث يعيد اكتشاف دور مكانة المرأة كآلهة للخصب والجمال، عبر منظومة أيقونية في تثبيت صورة المرأة، في جو حالك الظلام تبرز وجوه حزينة رقيقة ملؤها العاطفة تمثل نساء وأطفالاً ظمأى للحنان، كأن هذا انعكاس لنشأة الفنان الريفية، وإحساسه المرهف نحو المرأة.

عالم الرمال

لا يشغل الفنان نفسه بالهويات القومية أو التاريخية التي كانت سائدة في العصور السابقة، بل يصور البشر بخصائصهم المحلية. وليس من قبيل المصادفة أن يذهب إلى منطقة تدمر في وسط سوريا وإلى السويداء في الجنوب السوري وإلى الحسكة شمال شرق سوريا باحثاً عن الرمال الطبيعية لكي يدخلها في لوحاته ويبث بها الحياة. الرمل له مكان مهم جداً في أعمال العبد الله، تلك الألوان الطبيعية يجمعها لكي يكون منها لوحة فنية أقرب إلى الطبيعة، حيث يسيطر الرمل على كامل التشكيل باللوحة، يعمل على الحذف والتحوير ليصل إلى انتاج عمل فني متميز. يقول العبد الله عن تجربته: «في عملي، وأنا أحاول أن تعدل الأشكال باستخدام الخط المنحني، الذي يعطيني فرصة لتطوير فكرة النموذج. يمكنني استخدام الرمال الطبيعية في اللون الطبيعي الخاص بها، التي حصلت عليها من عدة مناطق من سوريا من أجل إثراء بساطة الأشكال في رسوماتي. ولذلك فإن تقنية في أعمالي هي امتداد للنموذج وليس العكس».

تقنية اللوحة

ويذهب الفنان «إدوارد شهدا» في قراءته لأعمال الفنان سعود العبد الله بقوله: «يبدأ العبد الله عمله بالاستغناء عن كل فضائل وجماليات التصوير المعروفة، فلا لمسات اللون الكثيفة أو الشفافة تغريه، ولا ألعاب الريشة على السطح القماشي تعني له شيئاً، فقد حزم أمره على انجاز أعمال تصل إلى حدود الدلالة والاختصار بحدوده الأخيرة للشكل فيصل بأشكاله إلى حدود المجرد بأقل ما يمكن من الخطوط والبقع مستخلصاً عناصر حركة الشكل الأساسية مستخدماً مواده من الطبيعة، من الصخور المطحونة فيحصل على الرمل فقط ولاشيء غير الرمال، هي مواد لوحته تلك المادة التي تستخدم في البناء أمّا هنا فهي لانجاز لوحة فنية عالية التركيز. يعمل على خلق الشكل للوحته الفنية ويترك لعين المتلقي مهمة التقييم، فتعيدنا الأعمال إلى نوع من الفنون الشرقية اليابانية والصينية، حيث المرأة حاضرة في أغلبها، ولكن عناصرها محلية (اللباس)، لا يقف العبد الله عند حدود معينة في لوحاته، بل ينتقل إلى بيئة أكثر تحرراً، كمحاولة دائمة للجمع بين الشكل والتقنية من أجل تقديم لوحة تشكيلية متكاملة، بعيداً عن هشاشة الشكل والتقنية، ذلك يدل على عمل جديد في التشكيل، وربما يؤدي إلى تفرد العبد الله في أعماله الفنية استثناءً من الموضة الفنية لدى معظم الفنانين. فلوحاته جسدت الفضاء الريفي بكل أبعاده من الحيوان إلى الإنسان. فهو فنان واقعي يعتمد تشكيل الفضاء، انطلاقاً من تثبيت الملمح التشخيصي للواقع، أنه ببساطة يتخطى الواقعية الكلاسيكية، عبر مشروع فني مبني على أسس فنية معاصرة. ويقول العبد الله: «لم تعد تشدني المدرسة الكلاسيكية والواقعية التسجيلية مهما كانت نتائجها مبهرة، لأنني دائماً أعتقد أن الأثر أهم من الحادثة نفسها أي لستُ مع الفنان الذي يرسم الواقع كما هو.. فالفن ليس تسجيلاً للوقائع».

Print Friendly, PDF & Email
المصدر - القدس العربي
رابط مختصر
2018-01-30
فريق التحرير