جيوبوليتيك الصراع في الشرق السوري

2019-04-03T22:37:28+03:00
2019-04-03T22:37:48+03:00
آراء
عماد غليون3 أبريل 2019آخر تحديث : منذ 5 أشهر
جيوبوليتيك الصراع في الشرق السوري
Emad Ghalioun - حرية برس Horrya press

لا يشكل إعلان التحالف الدولي الانتصار النهائي على تنظيم داعش في معقله الأخير جيب الباغوز سوى انتقال الصراع  في سورية إلى حلقة وأشكال جديدة؛ ولن يتضح مصير مناطق الشمال والشمال الشرقي الخاضعة لسيطرة قوات سورية الديمقراطية قبل انكشاف توجهات العلاقات والمصالح الإقليمية والدولية المتشابكة.

طغى على احتفالية الباغوز الخطاب القومي الكردي وسط تغييب تام للرموز الوطنية السورية؛ وجرى التركيز فيها على  مناطق الإدارة الذاتية والدعوة لإجراء انتخابات فيها؛ ولم يطرح فيها انفصال ما يسمى إقليم غرب كردستان بقصد الابتعاد عن توجيه استفزازات مباشرة لتركيا.

تندرج معادلة الجيوبوليتيك في الشرق السوري في إطار الحالة السورية المعقدة ككل؛ من حيث غلبة التدخلات  الخارجية وطغيانها على عوامل القوة والتأثير الداخلية.

على الصعيد الداخلي؛ فقدت كافة الأطراف السورية القدرة والفعالية في توجيه الملف السوري وبالتالي فشلت في تحقيق الأجندة الوطنية أو حتى مصالحها الفئوية؛ فقد بات نظام الأسد خاضعاً للسيطرة الروسية الإيرانية المباشرة رغم حصوله على مكاسب ميدانية كبيرة في الآونة الأخيرة؛ لكنه خسر السيادة الوطنية لصالح القوات والقواعد العسكرية   المنتشرة على طول الأراضي السورية بحجة حماية النظام؛ وفي المقابل تراجعت المعارضة السياسية وفقدت نقاط قوتها وحرية قرارها لصالح الدول الداعمة وتحولت لهيئات مشتتة غير فاعلة؛ وما تبقى من فصائل المعارضة العسكرية  باتت تتبع  للقيادة التركية في مناطق درع الفرات وغصن الزيتون؛ أو تقع  تحت سيطرة  هيئة تحرير الشام في إدلب وما حولها والتي تحاول من خلال اتفاقية خفض التصعيد تثبيت وجودها وتلافي تعرضها لحرب روسية ضارية ضدها عبر إبرام  تفاهمات مع الأتراك؛ أما قوات سورية الديمقراطية فهي تستمد قوتها من دعم قوات التحالف الدولي بعد قيامها بقتال داعش تحت إمرة التحالف؛ وهي تستشعر خطر انسحاب تلك القوات الذي سيجعلها مكشوفة دون غطاء؛ وقد اتضح ذلك بالفعل عند إعلان الانسحاب الأمريكي الذي جرى تأجيله ثم تعديله؛ ومشكلة قوات سورية الديمقراطية أنها لا تتمتع بحاضنة شعبية اجتماعية واسعة حتى في بعض الأوساط الكردية؛ إضافة إلى أنها تتعرض لعداء مبطن واسع من عشائر عربية قد ينقلب ضدها في مقاومة ضارية.

في التداخلات الخارجية لملف الشرق السوري؛ يبرز أولاً التحالف الدولي الذي أعلن منذ البداية أهدافه في الحرب على داعش؛ لكنه لا يزال يرغب في استغلال الملف الكردي لابتزاز تركيا وممارسة ضغوط عليها لإبعادها عن التسلح من روسيا أو التحالف معها؛ ويتلقى التحالف مساندة إقليمية واضحة حيث تلقى حملته التمويل من السعودية والإمارات  بحجة إبعاد تركيا عن المحور الإيراني.

دعمت روسيا الأكراد ثم تخلت عنهم لصالح اتفاق مع تركيا؛ وأتاحت لتركيا التقدم في مناطق كردية مهمة في الشمال خاصة عفرين وأعزاز الأمر الذي قوض مشروع التقسيم الكردي؛ وبالمقابل تخلت تركيا لها عن مناطق مهمة واقعة تحت سيطرة المعارضة في حلب وغيرها؛ وقد تكون عودة مناطق الشمال الشرقي لحضن النظام حلاً جيداً تقبله تركيا باعتباره يعزز سلطات النظام ويدعم وجهة نظر روسيا ودعواتها في إعادة الإعمار وعودة اللاجئين والتطبيع مع النظام بالضرورة.

ليس من المتوقع أن تتخلى إيران بسهولة عن تواجدها الذي بات قوياً في سورية؛ وهي تتغلغل بشكل واسع عن طريق نشر التشيع وتشكيل ميليشيات محلية طائفية متعاونة معها؛ وهي تتجنب الوقوع في صدام مباشر مع “إسرائيل” ولا تقوم  بالرد على هجماتها المتكررة على قواعدها ومستودعاتها؛ وتريد إيران الحصول على خط إمداد بري مفتوح من الشرق باتجاه العراق وإيران ولا تسعى للاحتكاك المباشر أو التصادم مع قوات سورية الديمقراطية.

تبقى “إسرائيل” هي اللاعب الأخطر والمستفيد الأول من الملف  السوري؛ بعد تدمير قدرات وإمكانيات الجيش السوري  والبنية التحتية وتحويل سورية إلى دولة فاشلة؛ حصلت على هدية ترامب الاعتراف بسيادتها على الجولان المحتل؛ ولا تخفي اسرائيل دعمها الأكراد ومشاريعهم الانفصالية التي تخدم توجهاتها بتفتيت دول المنطقة.

لن تقبل تركيا استمرار تواجد ميليشيات كردية على حدودها الجنوبية تقوم بتهديد أمنها القومي؛ ورغم أنها مستعدة لخوض حرب ضد قوات سورية الديمقراطية لكنها تدرك أن ذلك قد يجرها لمواجهات مباشرة مع القوات الأمريكية والفرنسية؛ ولن تنفعها  أي مقايضة جديدة مع الروس حتى لو تعلق الأمر بإدلب؛ ويشعر الرئيس التركي أردوغان بالحرج الشديد من تراجعه المتكرر عن بدء عملية عسكرية خشية الوقوع في أزمة خارجية تلقي بتداعياتها على الداخل التركي.

للخروج من حالات التصادم الداخلي والخارجي في ملف الشرق السوري يمكن توقع حلّ يضمن الحد الأدنى من مصالح كافة الأطراف الفاعلة؛ وتبدو ملامح الحل في قبول تركيا والنظام إعادة تفعيل اتفاقية أضنة عام 1998 وإجراء تعديلات عليها؛ وقد جرت بالفعل اتصالات بين النظام وتركيا لهذه الغاية؛ ويلي ذلك عودة مناطق سورية الديمقراطية  إلى سيطرة النظام مع استمرار الإدارة الذاتية بصلاحيات فيدرالية واسعة وهو ما يلبي تطلعات الأكراد؛ ويلقى ذلك بالتأكيد تأييداً قوياً من روسيا وإيران؛ ويشكل موقف دول التحالف بيضة القبان ولا يمكن تصور حلّ بدون إغلاق دول الناتو ملفات الضغط على تركيا والتي يبدو أنها قد تتصاعد انطلاقاً من الشرق السوري باتجاه أنقرة؛ وتبقى قوى المعارضة والثورة السورية الغائب الأكبر عن دائرة القرار والفعل.

رابط مختصر

عذراً التعليقات مغلقة