النسر والقتلى .. قصة: راما الزيات

2019-03-21T20:31:39+03:00
2019-03-24T01:43:54+03:00
أدب وفنونثقافة
راما الزيات21 مارس 2019آخر تحديث : منذ شهر واحد
راما الزيات
rama al zayat - حرية برس Horrya press

تترصد الطيور الجارحة بالأجساد الهامدة، عشرة جثث على الطريق الترابي هنا، لم يعرف أحد من أين جاءت، هذا النسر الحزين الذي يقف على هامش الموت، يتأملهم منذ مدة طويلة، لقد ألقتهم شاحنة بلا لون هنا، كانت تسقطهم وتسكب دماءهم الساخنة فوقهم، كأن القتلة الذين أرسلوهم حاولوا شرب دمائهم ولم يعجبهم الطعم فأعادوه لهم سيلاً ساخناً يبعث الحياة في جلدهم الميت وحسب، أما جسدهم فيبدو خاوياً بلا روح ولا دم!

يتناوب النسور على حراسة الجثث، لا أحد يفهم لماذا يؤجلون طعامهم عشرة أيام، الجثث تبدأ بالتفسخ كما يفترض، والطيور الجارحة، تحب أن تمزق اللحم الطري، وتجهز وجبتها المقسمة لأيام. كانت الجثث مفقوءة الأعين، ربما كي لا تشاهد القاتل حينما نفذ فيها حكم الإعدام، لقد كان شخوص محجر العين الفارغ يرعب الطيور، ربما ظنوها لوهلة آلهة الموت بعشرين عيناً، وعشرة قلوب، وصمت ثقيل.
المصير مجهول، حتى الحيوانات التي تتغذى على تفسخ الجثث لم تقترب منهم، مضى حتى الآن أربعون يوماً، لا يزال الدم الذي سكبوه على وجوههم ساخناً، لا يزال يسيل كأنه بلا نهاية، ولا تزال أجسادهم الزرقاء من كثرة التعذيب محافظة على وضعيتها الأولى، متكومة بشكل غريب، تتجه الرؤوس كلها نحو السماء، الأجساد موضوعة فوق بعضها البعض للداخل، لا تستطيع تفريق يد جثة عن قدم أخرى، متشابكون كأنهم من رحم واحد.

تناوب الليل والنهار عليهم، في لياليهم الأولى هنا، أمطرت بشدة كانت رائحة موتهم لاذعة، ربما أطبقت على السماء فاختنقت، تكوّم الغيوم يؤدي إلى بكاء السماء، أرغب كثيراً لو أقول إن السماء كانت حزينة فعلاً على ذلك المشهد، ولكني أعرف أنها لا تشعر مثلنا، نحن نحزن أيضاً ونبكي كثيراً، ولكننا لا نستطيع أن نمطر الجثث دماً. الطبيعة تقدس الموت وتحترمه، حتى الرمال هنا صارت تتحرك بالتؤدة، كي لا تسقط خطأ في محجر فارغ، وكي لا يمتلئ فم أحد الجثث بالتراب، فلهذه الجثة صوت ولو لم يعد موجوداً، ولكنه حتماً تائه عنها، يبدو أن تلك الجثة بالذات كانت تصرخ لحظة تجمدها، أقصد موتها .. فم تلك الجثة مفتوح وتعابير وجهه اليابسة بقيت متشنجة، يتساءل النسر الصغير “ما الذي كان يقوله قبل أن يفقأ الوحش عينه؟” تجيبه أمه “كان يقول له لن تستطيع فقأ عيني، لكنه فعل”.

بعد أربعين عاماً، يقف نسر هرم على تلة من الجثث المتيبسة، اللون الأحمر لا يزال يسيل كأنه نبع لا يجف، الأعين لم تزل مفقوءة ولكن الرمل بقي محافظاً على وعده ولم يطأها، الأفواه المفتوحة صارت عشاً لبيض النسور يتناوبون عليها بتراتبية الأفضلية بين العائلة النسرية، الأجساد لا تزال متشابكة لكنها لا تأتي بحركة واحدة، الرؤوس بدلت موضع توجهها، لقد صارت تنظر نحو الأرض، وتحاول دفن وجهها في التراب، لكن النسر الكبير ذاك، يجهز مخالبه، ويفتح عيونه على آخرها ليرعبها. لم يتقدم أحد لدفن تلك الجثث، لم يجرؤ عابر أن يرمي النسر بحجرة كي يسقطه من على رأس الهرم الدامي، كل الذي حدث أن وقتاً طويلاً مر وسيمر ظلماً إن لم يقتل أحد تلك الطيور، أو إن لم تستيقظ الجثث!

رابط مختصر

اترك تعليق

يجب ان تسجل الدخول لكي تتمكن من إضافة التعليقات