طريق الإنقاذ المصري يبدأ بلم شمل المصريين

2019-03-12T21:51:01+03:00
2019-03-12T21:51:37+03:00
آراء
عماد أبو زيد12 مارس 2019آخر تحديث : منذ شهرين
Untitled 1 copy - حرية برس Horrya press

مُخطىء من لم يعترف حتى الآن أن الدولة المصرية قد عجزت عن أداء وظائفها في المجالات كافة؛ الأمنية والسياسية والخدمية. هذا العجز الذي بات يهدد بتحولها إلى “دولة فاشلة”، لأن أطراف النظام الحالي يحاولون تحت تهديد السلاح فرض جدول أعمالهم على المصريين رغم أنهم يعلمون تمام العلم أنهم فشلوا وفقدوا قدرتهم على السيطرة على مفاصل البلاد وكذلك على الاستمرار.

ولأن إنقاذ مصر الآن وفى هذه المرحلة الحرجة التى تعيشها، وتنذر بتداعيات خطيرة تهدد أمن مجتمعها، في ظل دولة معطلة لم تعد قادرة، ولو في الحد الأدنى، على التعامل مع الصراعات المتشابكة التي تعصف بمحيطها، أو على مواجهة انعكاسات هذه الصراعات على الداخل المصري، ومن ثَم استقراء المستقبل القريب الذي بات محدد المعالم، يضع أمامنا حقائق لا مجال لتجاهلها.

يتأكد كل يوم عجز الدولة المتفاقم عن أداء وظائفها الأساسية في المجالات كافة، الدفاع والسياسة الخارجية والأمن وصون الوحدة الوطنية، من دون ذكر تقصيرها المتمادي في تحمل مسؤوليتها في الخدمات العامة والإدارة الاقتصادية والأمن الاجتماعي وبسط سلطة القانون ومكافحة الفساد وغيرها، وصولاً إلى إفلاسها في إدارة خلافات الأطراف السياسية التي أفرزها هذا النظام ضمن آلياته الشكلية.

كما أن النظام السياسي القائم الآن على الاقتسام العنصري والطائفي للمصريين وللدولة بات اليوم عاجزاً عن استبقاء أى شرعية، ولو شكلية، للمؤسسات الدستورية للدولة؛ فالدولة المصرية أصبحت مهددة بالسقوط، واقعياً وقانونياً، وهذا تترتب عليه نتائج خطيرة.

من أبز هذه النتائج أن الغالبية الساحقة من الشعب، ولا سيما العاملين في الدولة وفي المؤسسات التابعة لها، الموظفين المدنيين والعسكريين وأصحاب المعاشات، معرضون فى ظل أزمة اقتصادية واضحة المعالم الآن إلى فقد دخلهم الشهري الثابت وحتى مدخراتهم، وهو ما يترتب عليه زلازل اجتماعية مشتعله الآن لكنها ما زالت تحت الرماد.

إن يأس المصريين الآن من الركون إلى الدولة، بأجهزتها الإدارية والأمنية والقضائية، سيدفعهم أكثر فأكثر إلى عصيان مدنى وشيك سوف يفتح الأبواب على مصاريعها للتدخلات الخارجية بأبشع أشكالها وأخطرها، لأن النظام السياسي بات يفرز القلق لديهم باستمرار، بينما يتغذى المؤيدون له من هذا القلق ذاته.

والنظام الذى يتناقض مع المرتكزات الأساسية للأنظمة الوطنية، التي تفرض المساواة بين المواطنين جميعهم في الحقوق والواجبات، بل يتناقض أيضاً مع المرتكزات الأساسية للدستور المصري ذاته الذي جعل “الشعب مصدر السلطات” وكرّس “مبدأ الحرية المطلقة”، نظام يُغذي بصورة أو بأخرى التعصب الديني من جهة، ويدفع من جهة أخرى نحو تفتت المجتمع وتبدد الدولة.

إن الكتل المنخرطة الآن ضمن هذا النظام تحاول أن تفرض على المصريين جدول أعمال خلافاتها ومراهناتها، وهي بمجملها باتت عاجزة عن تلبية حاجة المواطنين إلى الطمأنينة والكرامة، وأقصى ما يمكنها التوصل إليه الآن هو تأجيل انهيار الدولة بالكامل إلى وقت غير بعيد وانهيار السلم العام، لكن على حساب نهش جسم الدولة وتصفية مواردها، حيث أن مصر في حاجة ماسة إلى جدول أعمال مختلف يُعيد الدولة والنظام السياسي والاقتصادي إلى قواعده الأساسية قبل أن تنهار مؤسسات الدولة تباعاً وتعطل آليات عملها، وتأميناً لإدارة المرحلة الانتقالية المفروضة من دون المرور بجولات عنف أو انتظار ترتيبات وإملاءات خارجية.

لا بد أيضاً من تشكيل “هيئة وطنية انتقالية”، تحظى بثقة المصريين، وتتمثل فيها الشرائح الاجتماعية جميعها، على أن تضم هذه الهيئة كفاءات فكرية وثقافية وعلمية وشبابية تضع المصلحة العامة للبلاد فوق أي إيدولوجيات أو خلافات حزبية أو فكرية، تكون مهمتها الوطنية الملحة تنظيم المرحلة الانتقالية بشكل سلس ومأمون، والدعوة إلى انتخاب “مجلس نواب” جديد يتولى تعديل المواد المختلف عليها في الدستور، تُختار بناء على قواعد المواطنة والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، ويقرها المصريون فى استفتاء عام.

لن يكون تشكيل الهيئة الوطنية الانتقالية واكتسابها مشروعيتها مُمَكَنين إلا بجمع شمل المصريين غالبيتهم حولها من مختلف الساحات، النقابية والفكرية والشبابية والحقوقية والحزبية والدينية، حتى يتسنى لها الدعوة إلى عقد”مؤتمر وطني للإنقاذ” يتولى في محطة ثانية تنظيم استعادة التراث السياسي لهذا المجتمع، بروافده كافة، وتحريره من أسر الاتهامات والتخوين، لطي مرحلة عمرها تخطى 60 عاماً من الآلام والتخبط والفساد والقمع، وإعادة إحياء العمل العام والثقة، وهذه هي الخطوة الأولى على طريق الإنقاذ وإعادة تأسيس الدولة المدنية الحديثة.

رابط مختصر

عذراً التعليقات مغلقة