عام جديد لطغيان متعدّد!

عمر الشيخ9 يناير 2019آخر تحديث :
عام جديد لطغيان متعدّد!

يضحك السّوري على نفسه وهو يوجّه انتقاداتٍ للعسكر أثناء إطلاق النار على السّماء ابتهاجاً بنهاية عام قتلٍ جديد. العسكر ذاتهم الّذين قصفوا بالطائرات أبناء بلدهم لأنّهم كانوا يعيشون في مناطق تسيطر عليها مافيات المعارضة المُسلّحة (الآمنة) حاليّاً مع قادتها في الشمال السّوري تحت عين تركيا والدول الدّاعمة لها!

أجل إنّ السّوري يصرخ بكلّ افتراضيّة بائسة لينتقد غياب الكهرباء وفشل حكومة النظام وحكومات المعارضة بالاقتصاد والأخلاق والتربية والتعليم والأدب… في كلّ الضفاف تراه يبحث عن رفات الثّورة لعلّه يبعث فيها الحياة، ولكنّ المليشيات تقف له بالمرصاد، تفتعل المناوشات وتضحي ببعض العناصر من مرتزقتها من أجل تأجيج التوتر وحرب العصابات كما يحدث مثلاً بين فصائل الجيش الحر، وفصائل هيئة تحرير الشام، كلتاهما تعودان للوصاية التركيّة، من تحت الطاولة أو في الضوء، فالوالي العثماني يعلم ماذا يفعل وكيف ينسّق مع البقية ليحفظ حصته من مائدة الدم السّوريّ.

بينما مئات الآلاف لا يعودون إلى مدنهم المدمرة وجيوش روسيا وإيران تقسّم البلدات والمدن المهجورة بالطريقة “المُتجانسة”. يفكر هؤلاء ماذا يختلف جحيم الهجرة واللجوء عن صولجان الإسلام السياسي أو القبضة الروسية أو الحرس الشيعي؟ يوقعون على عريضة خيباتنا وينهرون العالم برفضهم للطغيان، وما لنا إلا أن نبقى ندافع عن صدق عصيانهم للقهر والدولة الأمنية المرعبة.

تراهم يختمون على عيون الحقيقة بحثاً عن تفاسير منطقية لهذا العُصاب المسلّح بين ميليشيات ركبت الثّورة وصارت تُنظّر وترفع أعلاماً ورايات فتّت الصفوف وحوّلت الدعوات المزعومة إلى “تحكيم الدين”، لشمّاعة دوليّة ومحليّة تستخدمها الطائرات وهي تقصف ما بقي من بقعة يعيش فيها من لا يريد نظام القتل والإرهاب وحلفائه.

تصعد الأفكار المتطرّفة في المشهد إلى السطح مع نهاية العام، وتزداد قوة وتأثيراً، بسبب ضعف التوثيق الحر للكيانات السياسية المستقلة، فالأغلبية ممن يقولون إنهم يمثلون الداخل المعارض، هم رهن إشارة لبلد يدعمهم مالياًّ وسياسيّاً، تماماً كما الفصائل المعارضة المرتهنة لأمر تركيا وتستعد لقتال الأكراد على حساب مناطق جديدة لمعسكرات النازحين تعيد ترتيبهم وتنظمهم الدول بالتوافق الإيراني التركي الروسي المشترك، والأمريكي -على مضض- شرق الفرات، بينما يبقى السّوري مجرد حجر شطرنج يُحارِب من أجل فكرة ليست وطنية، بل بمثابة “تشكرات” لحلفاء الطغيان المتعدّد.

الأمر ليس بأحسن حال في بقع أخرى من سورية، فالأصدقاء من وسط العاصمة دمشق وريفها، يكادون يتحولون إلى خفافيش نحيلة ومريضة نفسياً من شدة العتمة والبرد وضغوطات التقنين “التأديبيّة” الّتي تستخدمها سُلطات النظام تحت حجج واهية، وشيئاً فشيئاً يصطادهم الوحوش في أقبية الخراب ولن يُسمع لهم صوتاً إذا رفض أحدهم الموت ببطء.

في كلا الحالتين كان الجميع ربّما يرغب بالقول إنّه كان عاماً… ولكن، ربّما لا يُحسب من أعمارنا كلّ هذا الفقد والشّتات، كلّ تلك الأفكار عن الوحشة والصراع مع عالم يُمجّد الجلّاد ويطلب من الضحية أن تصمد قليلاً “فالفرج قادم”… هذا المخدّر الأكثر توزيعاً في النفوس: الفَرَج! ليس يعرف درباً إلى مخيمات الفيضانات لمئات الآلاف من الفقراء بأرياف إدلب وحلب وعلى الحدود مع تركيا، صديقة الثورة المسلّحة، وحاضنة المعارضة المأجورة. مشهد موت المساكين ببطء هناك يقول: لنا كلّ عام ونحن نُقتلُ أكثر.

كلّ عام مع هذا الطغيان لن نكون بخير…!

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

    عاجل