الموازنة العامة والأيدي الأمينة.. النظام يسرق الدولة

2018-12-22T13:04:11+03:00
2018-12-22T13:06:16+03:00
آراء
عماد غليون22 ديسمبر 2018آخر تحديث : منذ 6 أشهر
25675473 780035858858501 977830901 n e1515257509270 - حرية برس Horrya press

يتندر السوريون وبأسى بالغ بما ينقل عن حافظ الأسد عند سؤاله عن عائدات النفط الضخمة بأنها بأيدي أمينة ولا داعٍ للقلق عليها؛ ويعني ذلك بمفردات النظام منع طرح سؤال كهذا وضمه لقائمة المحرمات الطويلة في حياة السوريين؛ وتروق مثل تلك الروايات لأجهزة مخابرات النظام التي ربما تقف هي وراء ترويجها واستغلالها بهدف فرض وعي جمعي بسورية الأسد وملكية آل الأسد لسورية الدولة والثروات، الأمر الذي أدى لعزوف السوريين عن التدخل بالسياسة والشأن العام وما يتعلق بالموازنة العامة بطبيعة الحال.

لا تخفى أهمية الموازنة العامة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية للدول حيث تخضع لنقاشات عامة وحادة قبل إقرارها؛ بينما يسمع السوريون عنها من وسائل الإعلام الرسمية دون أن يعرفوا تفاصيلها وتأثيرها المباشر على حياتهم؛  ويجري ذلك مرة عند إحالة مشروع الموازنة إلى مجلس الشعب وأخرى عند إقرارها وصدورها بقانون.

تشير الموازنة العامة للتوجهات الحكومية المستقبلية والمشاريع والبرامج التي تزمع تنفيذها وكيفية تأمين موارد لها من الخزينة العامة لها والديون المتوقعة جراء ذلك؛ وقبل إقرار الموازنة والعمل بها تمر بمراحل عديدة من الإعداد والتحضير والنقاش.

في سورية يتم إقرار الأمور المصيرية من قبل دائرة الحكم الضيقة مع لوبي من قادة الجيش والمخابرات والحزب دون اكتراث لمواقف ورغبات السوريين؛ ويلتزم النظام العمل ضمن الإجراءات القانونية الشكلية رغم قدرته تمرير ما يريد من قوانين بسهولة.

يعرض مشروع الموازنة العامة أمام مجلس الشعب حيث تتم إحالته بعد قراءة أولى إلى لجنة الموازنة والحسابات التي تناقشه مع الوزارات المختلفة ثم تضع تقريراً حوله يتضمن ملاحظاتها وتوصياتها؛ ومن ثم يطرح للنقاش العام تحت قبة المجلس بحضور الحكومة حيث يتم إقرار الموازنة بنداً بنداً لتتحول بعدها لقانون.

تدور النقاشات في لجنة الموازنة أو الجلسة العامة في إطار شكلي ضمن إطار عام من طرح مطالب خدمية وانتقاد لأداء الحكومة أو ربما شكرها؛ والمفارقة أن تقرير لجنة الموازنة ليس أكثر من مجرد نسخة معدلة من بيان الحكومة نفسه.

تدور جهود هيئة التخطيط والوزارات المختلفة في إعداد الموازنة ضمن دوائر النفوذ والقرار وعلى رأسها القصر الجمهوري وتظهر موجة واسعة من الضغوط والوساطات أثناء المراحل الأخيرة من إعداد الموازنة للاستئثار بأكبر مخصصات ممكنة؛ ولا يتوقف التحايل على الموازنة بعد إقرارها بل يستمر من خلال بنود تحت عنوان نفقات غير مخصصة بحجة الطوارئ حيث يتم تحويلها بحسب رغبة القصر الجمهوري إضافة لتوجيه مناقلات مستمرة بين بنود الموازنة.

تقوم فلسفة الموازنة العامة على إحداث  توازن بين الإنفاق العام والموارد بغية تقليص حجم الدين العام؛ ومع تراجع الموارد العامة في سورية بسبب الخسائر الفادحة التي مني بها القطاع العام تم تخفيض الإنفاق على برامج الدعم والرعاية الاجتماعية وهو ما أدى لاستفحال معدلات الفقر والبطالة بشكل كان ينذر بكارثة اجتماعية مع إرهاصات الثورة.

في مواجهة الثورة السورية فرض النظام نمط اقتصاد الحرب وسخر كل الإمكانيات والموارد الوطنية لصالح أجهزته المخابراتية والعسكرية التي قامت بحصار المدن وتدميرها وتهجير أهلها؛ وبعد سنوات من الخسائر الاقتصادية الباهظة  وانهيار العملة الوطنية وتدمير البنية التحتية باتت سورية تحتل على الدوام ذيل الترتيب العالمي في كافة المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية.

مع غياب المعايير الاقتصادية وانتفاء الشفافية في العمل الحكومي لا تتيح الموازنة العامة للعام 2019 معرفة التوجهات الاقتصادية والاجتماعية ولا استشراف المستقبل حتى القريب؛ ويبقى كل شيء بانتظار جلاء الصورة ومعرفة شكل الانتقال السياسي القادم وكيفية انطلاق عملية إعادة الإعمار.

لا يزال الطابع الأمني والعسكري مسيطراً على الموازنة العامة التي بلغت اعتماداتها للعام 2019 مقدار 3882 مليار ليرة سورية منها 2782 مليار ليرة للاستثمارات الجارية وهي لا تتجاوز نصف قيمة الموازنة قبل اندلاع الثورة مقارنة بأسعار الليرة مقابل الدولار؛ ولا تلتفت الموازنة لمحاربة الفقر أو البطالة أو تقديم برامج دعم ورعاية ضرورية رغم استغلال النظام  المساعدات الدولية المتدفقة عليه لهذا الغرض؛ فيما قدرت كلفة إعادة الإعمار في الموازنة بـ50 مليار ليرة وهو مبلغ هزيل يحصله النظام مسبقاً من فرض ضرائب إضافية ويعكس مدى عدم جديته في إعادة الإعمار ومحو آثار الدمار.

مقارنة مع العام 2018 بلغت الزيادة في اعتمادات الموازنة 21.81% فيما بلغت زيادة التحصيل الضريبي 23.25% وهو ما يشير لاعتماد النظام المتزايد على الضرائب؛ وبسبب ضآلة الموارد اعتمد النظام في تغطية عجز الموازنة على الاستدانة على أن يبدأ سداد سندات الخزينة في العام 2034 وهذا يعني أن نظام الأسد يورث ديونه للأجيال القادمة.

يبقى القلق الأكبر الذي ينتاب السوريين حول مصير الثروات الطبيعية الضخمة التي أهدرها النظام ثم رهنها ومنحها لروسيا وإيران مقابل حمايته.

فُرض على السوريين معايشة حكاية الأيدي الأمينة مع الأسد الابن بشكل أشد قسوة، بانتظار قرار الشعب باستعادة  حريته وحقوقه في السيادة على ثروات بلاده.

رابط مختصر

عذراً التعليقات مغلقة