تصريحات عباس النوري.. رأس جبل جليدي لما هو آتٍ

2018-12-01T18:54:22+03:00
2019-04-08T13:12:32+03:00
ثقافة
مصطفى عباس1 ديسمبر 2018آخر تحديث : منذ 9 أشهر
مصطفى عباس
64564513651 - حرية برس Horrya press
تمثال الناصر صلاح الدين الأيوبي مقابل قلعة دمشق الأثرية

مصطفى عباس – حرية برس

أذكر فيما أذكر أنه عندما كنا على مقاعد الدراسة وتبدأ احتفالات “تشرين المجيدة” وتعقد حلقات الدبكة، وتعلو أصوات الخطابات العصماء بمناسبة حرب تشرين التحريكية، عفواً أقصد التحريرية، كانت دائماً معركة حطين حاضرة، وتُشبه بها تلك الحرب الوهمية التي ما جاءت سوى لتثبت حافظ الأسد في الحكم، وترسم صورته في الأذهان كمقاوم لإسرائيل وفاتح جبهات ضدها، وبالتالي كل من قام ضده فهو بالضرورة عميل لإسرائيل، رغم أنه طيلة حياته بعدها لم يطلق طلقة واحدة على إسرائيل. حتى نحن صدقنا تلك الكذبة وكنا نعتقد أنه خاض حرباً حرر فيها أراضٍ، بينما الحقيقة أن تلك الحرب لم يفز فيها النظام وبالتالي لم يسترجع أراضيه المحتلة -التي سلمها حافظ للإسرائيليين- ولم يخسر، كما قال دانييل لو غاك في كتابه “سوريا في عهدة الجنرال أسد”.

وفي الخطابات الحماسية تلك كان دائماً يشبه حافظ بصلاح الدين فاتح بيت المقدس ومحررها من الصليبيين. الصورة الرمزية الكبيرة المرسومة لصلاح الدين هي ليست وليدة الحقبة الأسدية بل هي قديمة، وشبه مجمع عليها بين المؤرخين العرب، وصورة الفارس النبيل مرسومة له حتى لدى المؤرخين الغربيين، وهذا ما يقوله أمين معلوف في كتابه الصادر باللغة الفرنسية عام 1983.

الصورة الرمزية الجميلة لصلاح الدين تستدعى كلما أحست الأمة بالهزيمة، وكلما أرادت رفع معنوياتها المثقلة بالهزائم، وهي مهمة جداً كعلاج للعقلية الجمعية العربية المهزومة، حيث لم تحقق الأمة نصراً منذ مئات السنين. وحتى كل الأمم ترسم رموزها وتحيطها بهالة من القدسية كي تٌستدعى كصور لاستنهاض الهمم في حالات الإحباط والتثبيط.

نعم كانت صورة صلاح الدين كرمز عندما كانت دمشق محافظة على تقاليدها كمدينة عربية ليست خاضعة لأي احتلال، وحتى مغتصبها الطاغية الأب كان يحاول أن يلبس لبوس صلاح الدين ويضرب بسيفه، ربما كنوع من التقية، ولكن بعد أن احتلت دمشق بشكل كامل من الإيرانيين، ربما ما عاد هناك حاجة للتقية. قبل فترة انتشر مقطع لمقاتل في الميليشيات الشيعية الطائفية وهو يهدد بحرق دمشق وأهلها، على وقع هتافات طائفية كلها لعن وشتم، وذلك كله نصرة للحسين! تصوروا. ومن فترة قريبة جداً انتشر فيديو لمقاتل في الحشد الشيعي العراقي وهو يقوم بالبصق على قبر الصحابي معاوية بن أبي سفيان، فضلاً عن مهرجانات اللطم واللعن والطعن التي باتت شائعة في دمشق أيما شيوع، حتى ليخيل للزائر في بعض الأماكن أنه في قم أو إحدى مدن جنوب العراق.

وقبل أيام تصريحات الممثل عباس النوري الذي وصف صلاح الدين بـ”الكذبة الكبيرة”، واتهمه بالخيانة ونفى كونه محرر القدس من الصليبيين. وهي لم تأت بجديد برأيي في هذا المسار المتصاعد، بل ربما هو رأس الجبل الجليدي لما هو آتٍ في ظل الاحتلال الصفوي الذي تخضع له دمشق، ويراد من خلالها النيل من كل المقدسات العربية، ونزع الهالة عن كل الرموز، وهذا ما يسعى إليه كل احتلال عبر التاريخ، وحينها لا يجد الإيراني الصفوي صعوبة في فرض رموزه من أبي لؤلؤة المجوسي وإسماعيل الصفوي، وليس انتهاءً بالخامنئي، طبعاً مع ما رافق ذلك ويرافقه من تهجير ممنهج للأهالي، نحو ستة مليون سوري تم تهجيرهم خارج سوريا، والحرائق المفتعلة في دمشق القديمة، وما سبقها ولحقها من شراء عقارات مهول، وبناء الأضرحة الشيعية كيفما اتفق وأينما اتفق.. فالمهم هو تغيير الهوية البصرية للبلاد. عملية الشراء هذه تتم بصمت كبير في ظل تجاهل وسائل الإعلام لما يجري في سوريا، على خلفية الأزمة الخليجية وما انبثق عنها من مقتل الخاشقجي، الذي أصبح -رحمه الله- مالئ دنيا الإعلام وشاغل وسائله وناسه، بينما الإيراني يعمل بصمت ودأب، والعرب نائمون.

قلتها وأقولها إننا نحن أحوج ما نكون هذه الأيام لمراجعة فكرية شاملة، تصحح الكثير من المفاهيم المغلوطة الموجودة في موروثنا الثقافي، وتعيد الاعتبار لسلطان العقل في التحسين والتقبيح والحكم على الأشياء، كل الأشياء بما فيها الأحكام الشرعية التي بات بعضها لا يتناسب مع هذا العصر الذي نعيشه اليوم، فالخلل الذي يمنعنا من النهوض هو خلل بنيوي مرتبط بذهنيتنا وما تتضمنه من موروثات. هذه المراجعة سينتج عنها بطبيعة الحال إعادة قراءة لتاريخنا وأحداثه وشخصياته، وما يستلزمه من نزع الهالة الأسطورية عن الشخصيات التي نحبها، وإزاحة الغلالة السوداء التي نلبسها من لا نحب، فنحن أمة لا توسط عندنا، إذا أحببنا أحببنا بشدة، وإذا كرهنا كرهنا بقوة. طبعاً هذا الشيء ضد أبسط مقومات المنطق. وعمليات المراجعات الفكرية الشاملة لا يقوم بها إلا ذوو الاختصاص المشهود لهم بالنزاهة الكاملة والدراية الشاملة، وليس أن يقول كل من شاء ما شاء، فنكون كالمنبتِّ الذي لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى، فما بالك إن أتى الكلام من المعسكر المعادي!
رابط مختصر

عذراً التعليقات مغلقة