يوميات مستشفى ميداني -4- تحت القصف

آراء
فريق التحرير11 يونيو 2016آخر تحديث : منذ 4 سنوات
يوميات مستشفى ميداني -4- تحت القصف
feras.allawi

* فراس علاوي
عندما تفقد إنسانيتك فأنت وحش بالتأكيد، الحرب في سوريا أظهرت كل وحشية البشر، وكيف تحولوا إلى آلات قتل.
حاول نظام الأسد منذ بداية الثورة القضاء عليها عسكرياً مستخدماً كافة أنواع الاسلحة بمافيها الطيران، كانت طائراته كغربان الشؤم تحلق لتزرع الموت، لكنها حتى في القتل لم تكن تمارس قواعد الموت المعتادة، كانت أهدافها كل أشكال الحياة دون أي رادع أخلاقي.
في جميع الحروب هناك محاذير ومحظورات، ومنها إستهداف المشافي والمدارس والتجمعات السكانية، لكن هذه المناطق تحديداً كانت أهدافاً محببة و “مشروعة” لطائرات الأسد.
لم يكن المستشفى الميداني بمنأى عن غربان الأسد، بل كان هدفاً مشروعاً في كل طلعة جوية، وطاقم المستشفى كان يدرك أنه صيد ثمين للنظام، ومع ذلك لم تفتر عزيمتهم أو ترهبهم تهديدات الموت التي كان يطلقها عناصره حتى أصبح لمدفعيته سمت يسمى سمت المستشفى الميداني في موحسن.
ومع ذلك لم يخف عناصره يوما الموت بل كانوا يعتبرون أنفسهم مثلهم مثل المقاتلين على الجبهات.
ذات صباح والجميع نيام .. يغطون في نوم عميق لأن ليلهم كان طويلاً بسبب كثرة الإصابات في صفوف الجيش الحر.
لذلك لم يسمع عناصر المستشفى نداء الأجهزة بالتحذير من الطيران، البعض كان مستيقظاً حين سقط صاروخ أطلقته إحدى الطائرات على بعد أمتار من الباب الخارجي للمستشفى في منطقة زراعية، هرع من كان مستيقظاً لمكان سقوط الصاروخ في حين باقي عناصر المستشفى الذين استيقظوا على صوت الانفجار لازالوا غير مدركين ماحدث، ماجرى بعد ذلك أن الصاروخ الذي سقط كان يحمل مادة الفسفور وأحدث حفرة عميقة إهتزت عند تكونها جدران المستشفى، ومع ذلك تابع العناصر عملهم بعد ساعات وكأن شيئاً لم يكن!
قصة ثانية عن رحلة الموت مع الطائرات واستهدافها للمستشفى الميداني هي ماحصل عصر ذلك اليوم.
كن اليوم هادئاً إذ لا تحليق لطيران النظام، إستغله المدنيون للخروج وتأمين حاجاتهم التي كان من ضمنها مراجعة المستشفى كونها المركز الطبي الوحيد في المنطقة، الساعة الخامسة عصراً المستشفى يكاد يغص بالمراجعين المدنيين.
فجأة على أجهزة الإتصال: “طيران معاد في السماء السمت والاتجاه باتجاه المستشفى”.
احتار الشباب ماذا يفعلون. بدأوا بإخلاء المستشفى من المدنيين والجرحى، وطاقم المستشفى متأهب ينتظر دوره إما في القصف أوفي تلقي الإصابات.
ثوان قليلة.. كادر المستشفى يتجمع في غرفة يظنها آمنة من القصف، صوت قوي، الأرض تميد تحت الأرجل، غبار كثيف في الأجواء.
صاروخ الطائرة أخطأ الهدف.. جاء في البناء المجاور الذي يبعد أمتاراً فقط.
نصف ساعة من الاستنفار .. وكادر المستشفى يعود لعمله وكأن شيئاً لم يكن!
الحروب تصنع رجالاً وقادة والموت والآلام تصنع إنسانية لاحدود لها.
ذات ليلة .. غرفة العمليات تغص بالمصابين بعد إشتباكات مع قوات الأسد.. إحدى الإصابات كانت بالغة، احتاجت لعملية فتح بطن ومفاغرة أمعاء، عدة دقائق مضت كانت أحشاء المريض على الطاولة، الطبيب الجراح يعمل بهدوء، طاقم غرفة العمليات مثل خلية النحل، المخبر ينقل وحدات الدم، والمخدر يقف فوق رأس المريض، الوقت يمضي مثل نبضات قلبه، يتباطئ معها ويسرع معها، هذا مشهد إعتيادي من أي غرفة عمليات.
ما هو غير معتاد كان ظهور طائرات في السماء رغم أن الوقت ليل، وهو على غير المعتاد تحليقها بمثل هذا الوقت.
قصف مدفعي وصاروخي أيضاً والمستشفى سمتها الثابت.
لحظات لاتقاس بالساعات بل باضطراب نظم القلب والأنفاس.
صوت صاعق وإرتجاج عنيف .. فوضى عارمة في المكان.. غرفة العمليات قلبت رأساً على عقب.. أجهزة الغرفة متناثرة .. طاقم العمليات نهضوا بعد سقوطهم .. باب الغرفة تهشم.. صاروخ يبتعد أمتاراً قليلة عن غرفة العمليات!
الكهرياء انقطعت.. والمريض لايزال على الطاولة .. نهض الجميع وأُكملت العملية على ضوء البطارية ريثما تم إصلاح الكهرباء وكأن شيئاً لم يكن!
أحد عشر غارة وربما أكثر حصيلة استهداف مستشفى في بلد خرج يبحث عن حرية!
في بلد رأس نظامها – على ما يدعي – طبيب عيون!!

رابط مختصر

عذراً التعليقات مغلقة