اليسار السوري والثورة [2-2]

آراء
زكي الدروبي29 يونيو 2018آخر تحديث : منذ سنتين
اليسار السوري والثورة [2-2]
5 14 copy - حرية برس Horrya press

مع محاولات الوريث بشار تجميل نظامه، وإعادة تنشيط المجتمع، تولدت تنظيمات جديدة كلجان إحياء المجتمع المدني، وانشقاقات عن أحزاب موجودة في السلطة كانشقاق قدري جميل في 18/10/2002 عن فصيل بكداش، وتشكيله مع آخرين للجنة الوطنية لوحدة الشيوعيين، مقدماً نفسه على أنه معارض للنظام، ثم عمل على كتف السلطة، ثم تحولت إلى حزب الإرادة الشعبية بعد انطلاق الثورة السورية. كانت سياسات قدري جميل استمراراً لسياسات الأحزاب الشيوعية التقليدية المتحالفة مع السلطة في الانتقاد الشكلي للسياسة الاقتصادية لحكومات نظام الأسد وركز هجومه اللفظي على الدكتور عبد الله الدردري نائب رئيس الوزراء لشؤون الاقتصاد، متجاهلاً أنها من إنتاج نظام متكامل، ولم تتعداها إلى نشاط فعلي ضد هذه السياسات كما هو حال جميع الأحزاب الشيوعية الموجودة في تحالف الجبهة الوطنية التقدمية مع النظام، وكشف قدري جميل عن وجهه الحقيقي الباحث عن المنصب المتعامل مع النظام حين انطلقت الثورة السورية، حيث أصبح نائب رئيس وزراء حكومة نظام الأسد للشؤون الاقتصادية.

جاء تشكيل هيئة الشيوعيين السوريين التي انشقت عن اللجنة الوطنية لتوحيد الشيوعيين من ضمن الانشقاقات في الحركة اليسارية السورية، وذلك لمخالفة قدري جميل للاتفاق الذي بني على أساسه تحالف اللجنة الوطنية لوحدة الشيوعيين، حيث كان الاتفاق يقضي بعدم التعامل مع النظام، وتبين أن مجموعة قدري جميل لديها علاقة مستمرة مع نظام الأسد وتنسق معه في كل خطوة تخطوها، وقد فضح ذلك من خلال عدة مواقف منها إيقاف النشاط المطلبي، وموقفه الصامت من اعتقال نشطاء ربيع دمشق، وموقفه الصامت من مقتل الحريري وخروج القوات السورية من لبنان، كل هذا أثبت تعامل مجموعة قدري مع النظام، فكان الانشقاق وإعلان تشكيل هيئة الشيوعيين السوريين، والتي أوضحت سياستها في بيان صادر عنها في 9/11/2005 نشر في الحوار المتمدن أنها ترفض هيمنة عقلية الإقطاع السياسي على الأحزاب السياسية، وتطالب بإلغاء احتكار السلطة من قبل حزب واحد والتأكيد على التداول السلمي للسلطة، أي أنهم كمجموعة انطلقوا من نقدهم لنظام الأسد، وكان سقفهم التغيير الديمقراطي، وحددوا مراحل التغيير وشكله، بينما كان سقف قدري جميل الانتقاد الشكلاني للنظام في سعي منه لدخول الجبهة الوطنية التقدمية كفصيل شيوعي جديد.

انضم فيما بعد للهيئة عدد من شيوعيي حزبي بكداش وفيصل، وحافظت الهيئة – التي تحولت خلال الثورة لحزب اسمه حزب اليسار الديمقراطي السوري – على معارضتها للنظام قبل وأثناء الثورة، ودفعت أثماناً باهظة – رغم ضعفها بسبب استبداد النظام كما نعلم جميعاً – من أرواح وحرية كوادرها بسبب معارضتها لنظام الأسد، ومشاركتها في النشاط الثوري.

جاءت الثورة السورية كانفجار طبيعي نتيجة ظروف موضوعية في المجتمع السوري، وتأثرا بالربيع العربي، وليس بسبب قرار الأحزاب السياسية المعارضة، وانقسمت الأحزاب اليسارية السورية بين موالي للنظام مدافع عن سياساته وبين معارض له مشارك في الثورة.

لم يكن الانقسام انقساماً ثنائياً بين نظام ومعارضة، بل بين كان نظام ومعارضات، فقد حافظ النظام على وحدة كلمته، بينما انقسمت المعارضة إلى قسمين رئيسيين الأول شاركت فيه الأحزاب اليسارية المعارضة وأوضحت الطبيعة الوطنية للثورة وهدفها في الانتقال من نظام استبدادي إلى نظام ديمقراطي مع تحقيق العدالة الاجتماعية وإعادة توزيع الثروة ومحاربة الفساد الذي كان محمياً من قوى النظام المستبد، ورفعت اللائات الثلاثة المشهورة (لا للتدخل الأجنبي، لا للطائفية، لا لعسكرة الثورة) ومثل هذا التوجه هيئة التنسيق التي ضمت بالإضافة للأحزاب القومية كحزب الاتحاد الاشتراكي أحزاباً يسارية مثل هيئة الشيوعيين السوريين وحزب العمال الشيوعي والحزب الشيوعي السوري المكتب السياسي محمد سيد رصاص، وحزب اليسار الكردي، وحركة اليسار الديمقراطي نايف سلوم. وكان الاتجاه الآخر في المعارضة المشاركة في الثورة ممثلاً في المجلس الوطني الذي أسسه إعلان دمشق والإخوان المسلمين وغيرهم ويرى أصحابه أن هناك ضرورة لإقناع الغرب للتدخل من أجل إزاحة النظام، وراهنوا على تدخل عسكري غربي من خلال استنساخهم للتجربة الليبية، وتأسيسهم للمجلس الوطني السوري معتقدين أن الغرب لن يقف مكتوف الأيدي أمام ما يقوم به نظام الأسد، وبالغوا في تقدير قوة النظام، لدرجة اليأس والسخرية من النشاط الثوري السلمي، وشجعوا على عسكرة الثورة، معتقدين أنه إن حصل وتم تحرير منطقة حدودية ما بحيث تكون موطئ قدم للمعارضة، فستتقدم القوى الغربية لتقدم السلاح والدعم العسكري للثورة السورية وتقوم بإسقاط نظام الأسد نتيجة ما يقوم به من قتل وتنكيل بالمتظاهرين.

شاركت جميع الأحزاب اليسارية المعارضة بالأنشطة الثورية، وتبنوا المظاهرات، وقادها شباب وكوادر تلك الأحزاب، ودفعوا المتظاهرين لرفع شعارات تتبنى برامجهم وأهدافهم، وقدمت تلك الأحزاب تضحيات كبيرة على صعيد أرواح وحرية شبابها وكوادرها، وكأحد الذين عمل في التنسيقيات ببداية الثورة يمكنني أن أتحدث عن تجربتي في حمص والتي كان لهيئة الشيوعيين السوريين التي تحولت فيما بعد إلى حزب اليسار الديمقراطي دور كبير في تشكيل تنسيقياتها في المدينة وريفها، وتوجيه الشعارات التي كتبت على لافتاتها والهتافات والأهازيج التي صدحت بها حناجر شبابها، وقدمت شهداء منهم الشهيد فواز الحراكي الذي كان ينشط في تنسيقية باب السباع وكان أحد قادتها، والشهيد المحامي عماد الدروبي والشهيد بشار نوايا والشهيد الدكتور عبد الفتاح الزبن الذي كتب عدة أهازيج صدح بها صوت أبو عبدو الحمصي في أحياء حمص القديمة، والشهيد سمير عباس مؤسس تنسيقية الزهراء للتغيير الديمقراطي والشهيد ناظم بلول أحد نشطاء الثورة السورية في منطقة الحولة وغيرهم الكثير، وكان لمحمود عيسى من حزب العمل الشيوعي دور في فضح ممارسات إجرام النظام من خلال اتصاله بالقنوات الفضائية ونقل ما يجري باسمه العلني الواضح.

كان للأحزاب اليسارية دور كبير في بداية الثورة، لكن النظام استطاع تحييد دورها الوطني عبر قتل واعتقال وتهجير كوادرها وقياداتها، مما ترك الساحة فارغة للإسلام السياسي الذي سهل له نظام الأسد السيطرة على الثورة، وساعده الإعلام والمال الخليجي مما سمح بتحول الثورة من شكلها الوطني المطالب بالانتقال من نظام الاستبداد إلى نظام ديمقراطي تعددي وإعادة توزيع الثورة بما يحقق العدالة الاجتماعية لتتحول لحرب مدمرة أحرقت الأخضر واليابس في انتظار تدخل عسكري يزيح الأسد، ويأتي ببعض الحالمين إلى كرسي السلطة، فتحولت الساحة السورية إلى ما نشاهده اليوم.
رابط مختصر

عذراً التعليقات مغلقة