تحويل خارجي وتمويل ذاتي..

نجم الدين السمان16 مايو 2018آخر تحديث : منذ سنتين
نجم الدين السمان
d986d8acd985 d8a7d984d8afd98ad986 d8a7d984d8b3d985d8a7d986 - حرية برس Horrya press

في القاهرة مطلع 2013 التقيتُ ثلاثةَ زملاء؛ أحدُهم كان ما يزال يعمل في قناة أورينت؛ ثمّ قال:

– لا أشعر بالاستقرار؛ أستيقظ كلَّ يومٍ وأمام عينيَّ مُجرّد رسالة على الواتس: شكرا لك.. لم نعُد نحتاج لك!.

زميلنا الثاني تنهَّد ثمّ قال:

– ذهبت إلى مقرّ المجلس؛ قلت لهم.. أنا صحفي منذ 10 سنوات؛ خرِّيج إعلام؛ إذا كان لديكم مكانٌ لي؛ فابتسموا في وجهي!.

وقال الثالث:

– جئتُ إلى مصر منذ أسبوع؛ لم أبدأ رحلة البحث عن عمل.

ثم سألني: – وأنت.. كيف تتدبَّرُ أحوالَكَ هنا؟.

فأجبته: – بدأتُ أنشر في صحف ومجلات مصرية.

  • سمعت انهم لا يدفعون الكثير.

قلت له: – المعيشة هنا أرخص.. أدفع فقط 75 دولاراً أجرة بيتي؛ يعني.. مستورة عيشتنا لسّه.

فتساءل زميلنا الذي كان أروينتيّاً آنذاك:

  • وما دعاكَ مِنبَرٌ سوريٌّ.. للكتابة؟!

ابتسمتُ بينما أرشف كأس الشاي المصري الثقيل: – اسألهم؟!.

عَلَّقَ زميلُنا خرّيج كلية الإعلام؛ ولم يكن لينينياً: – ما العمل؟.

ثم تداولنا في شؤون وشجون مهنتنا؛ قال الأورينتي:

  • ما رأيكم.. بإنشاء تجمُّع للصحفيين الأحرار؟.

فضحكت: – تبدأ من الآخر.. على الدوام!.

قال: – كيف؟!.

قلت: – لماذا لا تقول.. تعالوا نُنشيء مؤسسة إعلامية سورية حرّة.

علَّق ثالثنا: – مثل ماذا؟!

أجبته: – وكالة أنباء سورية حرّة مثلاً؛ أو موقع سوري شامل.

قال خريج الإعلام:

– نذهب غداً إلى المجلس الوطنيّ ونطرح عليهم الفكرة.

أجبته: – إذهبوا.. وأخبروني غداً بالنتيجة.

ذهبوا بالفعل.. حَدَّثوني في المقهى ذاتِه عن ردود الفعل هناك.

قال أحدهم:

– حَدَّقَ بنا عضو المَجلِس باندهاشٍ أبله؛ ثمَّ طمأننا بأنَّ لديهم مكتبٌ إعلامي؛ ولديهم مُصَوِّر بكاميرا ديجتال.. وهم مُكتفون بذلك!.

فأعاد ثالثنا سؤاله اللينينيّ؛ لكن بالعاميّة هذه المرَّة:

– وشو العمل يا شباب؟.

قلت: – نبدأ بعملٍ جماعيٍّ تطوُّعِي.

  • كيف؟.
  • ندعو من يرغب من الزملاء؛ ونطرح تبرّعات ولكن على هيئة أسهم؛ كلُّ سهمٍ بمئة دولار يتبرَّع بها المشاركون ولا يأخذون أرباحها إلا بعد 3 سنوات؛ ثم نطرح الأسهم لمن يُريد الدعم والمُساندة؛ على أن يكون سورياً فقط؛ ننشر كلَّ حساباتنا ونفقاتنا على الموقع مباشرة؛ ونبدأ العمل كمتطوّعين عند أنفسنا؛ بنصف راتبٍ لمدَّة عامٍ على الأقل؛ وحين نقف على أقدامنا ونجلب إعلانات إلى الموقع؛ أو إيرادات من التقارير المصوّرة.. يأخذ المُتطوّع كامِلَ راتبِه.

خيّم صمتٌ يتناقض مع ضجيج القاهرة؛ رأيتُ في نظرتهم مزيجاً من الحِيرَة والدهشة السلبيَّة؛ ولم أكن لألومَهُم.. ظروفُ تغريبتنا صعبة جداً؛ وبخاصةٍ.. لِمَن لديه أسرة وأطفال.

تأملتُ زملائي الأصغر سِناً منِّي؛ قلتُ في نفسي:

– لم يعرفوا أفواجَ الكشَّافة مثلي؛ ما كانوا يوماً في فرقة مسرحيةٍ مثلي؛ أو في فريق رياضيّ مُحترِف؛ لا ألومُهُم.. إذا كانوا لا يعرفون ثقافة العمل الجماعي؛ فقد مَرُّوا فقط.. بفترةِ طلائع البعث!.

بعد سبعة أشهر؛ سمعتُ السؤالَ الللينينيّ ذاتَه؛ ولكن.. في استنبول بعد أن تركت القاهرة:

  • وشو نعمل هلّأ يا شباب؟!.

وكنتُ التقيتُ هذه المرَّة بسبعةٍ من أولاد صَنعتِنَا.. كما يُقَال؛ في مقهى استانبولي؛ فأعدتُ اقتراحي بتأسيس موقعٍ الكترونيٍ جماعيٍّ تطوعي وبتمويل سوري / سوري فقط؛ وصولاً به إلى موقع وكالة أنباءٍ بالمعنى المِهنِيّ المُحتَرِف؛ وليس مجرَّد موقعٍ إخباريٍّ على طريقة الهواة.. ممّا قد بدأ يستفحل ويشيع.

ساد الصمتُ ذاتُهُ هذه المرَّة.. ولكن في ضجيج استنبول.

اقترحتُ أن نلتقي بعد أسبوع؛ لأترك لهم فرصةَ بلورةِ اقتراحاتهم حولَ هكذا مشروع.

وبعد أسبوع.. جئنا إلى الموعد إثنين فقط؛ بينما تسرَّبَ البقيُّةُ تدريجياً؛ وبضغط الحاجة.. إلى فرصِ عملٍ في المؤسسات التي بدأ يتدفَّق عليها التمويل الإقليميّ والغربيّ!.

علّق الذي جاء إلى موعدنا بمُفرَدِه؛ كأنما يُواسِينِي بالطريقة السورية المشهورة إيّاها:

  • أليست أفكارُك طوباويّةً / مثاليّةً.. بعضَ الشيء؟!.
  • هززتُ رأسي وأنا أنهض مُغادراً: – معك حق!.

ها أنا ذا أتذكَّرُ هذا.. بعد ست سنواتٍ من مخاضِ أخطاءٍ مِهنيَّةٍ مُتراكِمَة؛ ومن تبعيّة أغلب دكاكين الشاورما الإعلاميّة التي سادت لتمويل خارجي؛ ومن التخبّط في إدارتها إلى إقصاء أغلب المحترفين منها؛ ثمَّ بعد تقليص أو انقطاعِ التمويل الخارجيِّ تدريجياً عنها.. إذاعةً تلو إذاعة؛ وجريدةً تِلوَ جريدة؛ ومجلةً؛ وموقعاً الكترونياً.. الخ.

ثمّة المؤامرات الصغيرة فيما بينهم.. لتفنيش هذا أو لِزَحلَقَة ذاك؛ والتراشقُ على الفيسبوك طوال هذه السنوات.. بين زملاء المِهنَة؛ كما بين المُتسلِّقين عليها.. باسم الثورة؛:

  • إنتو تمويلكم سعودي.
  • يعني إنتو أحسن.. تمويلكم قطري.
  • وإنتو شو.. إماراتي؟!.
  • أخي نحنا ما منطيق الأمريكان؛ جبنا تمويل فرنسي.
  • ما تزاود على سَمَانَا.. لولا البريطانيين؛ كنّا انتقلنا من بيوتنا في عينتاب لمُخيَّم كلّس.
  • نحنا مالنا علاقة بسياسة المَحَاوِر؛ تمويلنا حِيَادِي ومن الاتحاد الأوروبي.. وبلا شروط؛ إلّا المِهَنِيَّة والحِيَاد الإعلامي!.
  • ما تقلّي: تمويلي وطني؛ مَوَّل الجَرَبا موقعك ولّا.. لأ ؟!.
  • من شو بيشكي الجربا.. يا بَعدِي؟!
  • الجربا نفسه.. منين لَهَط التمويل؟!.
  • الخ.. الخ.. الخ..

ولن أفاجأ إذا سمعتُ السؤالَ البلشفيّ اللينينيّ ذاتُهُ؛ للمرَّة الثالثة.. لكن بنكهتنا السورية البليغةِ المُعجِزَة:

  • وهلّأ.. بعد ما وَقَّف شغلنا؛ وأكلنا هَوَا بالمعلقة، شو العمل؟!.
المصدربلا رتوش
رابط مختصر

عذراً التعليقات مغلقة