في تحرير الحرية [1-4]

2018-05-04T20:58:20+03:00
2018-05-12T01:00:13+03:00
ثقافةفكر وثقافة
أحمد عزام4 مايو 2018آخر تحديث : منذ سنتين
أحمد عزام - حرية برس

31882733 2066754673648852 8404022710639788032 n 1 - حرية برس Horrya press 

” بغض النظر عن رغبتنا أن ندخل لعبة الحرية أو أن لا ندخلها فإن هناك من يلعبها معنا، ومهما فعلنا أو قررنا ألا نفعل، فإن انسحابنا من اللعبة لا يعني شيئاً”

“غنتر أنديرز”

الحرية بين القيمة والمفهوم:

إن فعل يحرر يعني حرفياً، أن نطلق سراح الأشياء من الأغلال والقيود التي تعوق أي حركة أو تعترضها، وبالتالي لا يوجد أي مقاومة لكل ما ترغب بالقيام به إن كان في الحاضر أو المستقبل ومن هنا تبرز الحرية “كقيمة”، وعندما نقول قيمة فنحن نشبهها بالسعادة أو الايمان أي أنها قيمة لا تخضع لقياس علمي، ولكن إرادة الواقع لديها القدرة على كبح جماح ما ترغب في القيام به، وبالتالي فإن سعي الانسان للتوازن يجعله يحد من رغباته، وهنا تصبح الحرية وكأنها جزء ملازم للسياق الذي تعمل به وتصبح “مفهوماً” خاضعاً للقياس ومنها تنشأ الحريات المدنية والسياسية والاجتماعية ويتم تغليف هذه الأنواع بمحددات النظام الاجتماعي الذي يسمح بهذا ولا يسمح بذاك.

يقسم إيمانويل كانط الحرية إلى حرية سالبة وأخرى موجبة، والحرية السالبة هي ما نطلق عليها الحريات الشخصية والفردية والتي تسمح للفرد بإمكانية اتخاذ أي قرار دون أن يواجَه بقيود، أما الحرية الموجبة فهي الحرية الممنوحة من قبل النظام الاجتماعي السائد أو الدولة للأفراد من أجل ممارسة حرياتهم السالبة، ومن هذين التقسيمين تخرج كافة التناقضات الملازمة للحرية فلكل نظام اجتماعي سائد إن كان استبدادياً أو ديمقراطياً أو ملكياً غايات معينة لدفع الأفراد للعمل في اتجاه معين أو اتخاذ قرارات معينة دون أخرى، ومع تطور أدوات الإعلام ووسائل التواصل أصبح التأثير على سلوك الأفراد في خياراتهم أكثر فضاحةً إن صح التعبير، وهذا يجعلنا نشعر أن كل ما قيل من شعارات حول الحريات الموجبة هي شعارات فارغة لا تؤتي أكلها إلا من خلال الدافع الكامن خلفها، لأن الأفراد في هذه الحالة قد يشعرون أنهم أحرار مع أن ما يمارسونه غير متعلق بحريتهم على الاطلاق وبالتالي يذهب لديهم الشعور بضرورة تحررهم أو ضرورة الكفاح من أجل الحرية.

إن المدافعين عن الحريات الموجبة كمعطى موضوعي وليس ذاتي ينطلقون من فكر توماس هوبز في القرن السابع عشر من ضرورة أن لا يكون الانسان طليقاً وحراً من القيود الاجتماعية (علماً أن هوبز بنى نظريته أثناء الحرب الأهلية التي عايشها واستمد منها نظريته في العقد الاجتماعي) فالانسان المنفلت من القيود الاجتماعية سيتحول بطبيعته إلى وحش من الوحوش الهائمة، وهذا ما تستند عليه كافة الأنظمة الاستبدادية في الوطن العربي في تعاملها مع كافة المعارضين على أنهم متمردون منفلتون من القيود التي وضعها النظام الحاكم ولا يمكن للانسان أن يتحرر إلا بخضوعه لهذه القيود، وإلا فإنه يجازف بالأمن والاستقرار.

مخالب الأمن المتشبثة بالحرية

لا شيء يذكر، إنه تحولٌ بسيط في شعارات الثورة الفرنسية من الحق في الحرية والمساواة إلى الحق في الأمن والمساواة، إنه تنازلٌ عن حق مقابل حق، مقايضة مشروعة لضمان الاستقرار واستمرار دورة الحضارة.

لقد كان سيجموند فرويد سابقاً عصره في آخر كتبه “قلق الحضارة” عندما لمح إلى لعبة شد الحبال بين “قيمتي” الأمن والحرية اللتان ترفضان التصالح مع بعضهما بشكل مزعج ويثير الرعب، وهو ما تلقفته أغلب الأنظمة السياسية في العالم أجمع والأنظمة السلطانية المستبدة في الوطن العربي فالأمن هو القيمة التي تسير جنباً إلى جنب مقابل حريتنا، ومع اختراع الفزاعات التي تهدد أمن واستقرار المجتمعات يصبح التنازل عن حريتنا أمراً واجباً حتى أنه يصل في بعض الأحيان إلى قوة سحرية ويتم التغني بها، وإن انتقلنا للتخصيص قليلاً سنرى أن سوريا قبل الثورة كانت خير تجسيد لسيطرة قيمة الأمن على قيمة الحرية، فضمن دعاية النظام المستمرة في أن الخطر الاسرائيلي الجاثم على صدر الوطن يحتم عليه فرض قانون الطوارئ، استطاع أن يقصي أي شكل للحريات ضمن هذه الذريعة (اسرائيل) التي لا يحلم النظام إلا ببقائها واستمرارها من أجل أن يحفظ بقاءه، ومع كل ما شهده السوريون من دمار للعراق من حولهم أصبحت قيمة الأمن نعمةً تستحق الحمد والشكر، وجعلت الناس يتحررون من المسؤولية والمشاركة السياسية، ونلاحظ أنه كلما تقدمت قيمة الحرية في الدول المشابهة لسوريا كمصر مثلاً، ازداد الغموض وبدأ الناس ينزعجون من تناقص الأمن، وساهم ذلك في قَسم المجتمع إلى فئات معارضة للحرية وموالية للأمن والعكس صحيح، ولكن تبقى الحرية هي الحلقة الأضعف وخاصةً بعد الانتكاسات التي عاشتها أو قد تعيشها، فما أن تعود السيطرة للاستبداد السياسي أو العسكري أو الديني، حتى يصبح للأمن بريقاً وهاجاً تصبح معه الحرية بهرجة سخيفة لا تستحق الكفاح من أجلها حتى لو قام النظام السائد بتجريد الانسان من معظم حرياته المدنية والسياسية، ويصبح أي إصلاح يقوم به النظام حتى وإن كان هامشياً هو مثار للإعجاب والتمجيد، وقد يسمح للأفراد بالجلوس إلى طاولة الاصلاح الهامشي كنوع من التمويه، لكنه بالتأكيد لن يشركهم في قراراته، فالحروب هنا تقام مكان الثورات من أجل سحق أي فرصة للفصل الطبيعي بين الأمن والحرية.

رابط مختصر

عذراً التعليقات مغلقة