مخيم اليرموك الفلسطيني.. شهيد في قلب دمشق

2018-04-28T10:24:07+03:00
2018-04-28T18:07:11+03:00
قضايا ساخنة
فريق التحرير28 أبريل 2018آخر تحديث : منذ سنتين
07 yarmouk r w None - حرية برس Horrya press
مخيم اليرموك جنوبي العاصمة دمشق – أرشيف

أشرف سهلي – جنوب دمشق المحاصر – حرية برس:

في التاسع عشر من نيسان/ أبريل الجاري بدأ نظام الأسد حملة عسكرية على مخيم اليرموك وجنوب دمشق بهدف معلن هو القضاء على تنظيم “داعش” الذي يسيطر على مساحات واسعة من المنطقة.

غير أن القصف الجوي والأرضي المكثفين على مراكز تجمع السكان ولا سيما في المخيم تسبب بدمار هائل واستشهاد عدد كبير من المدنيين، ما يثبت بحسب متابعين أن الهدف المبيّت للحملة هو تدمير البنية التحتية وتخيير السكان بين الإبادة الجماعية أو التهجير القسري، فضلاً عن إيصال رسالة للمهجرين والنازحين مفادها أن العودة غير ممكنة مستقبلاً.

إبادة جماعية

ووفقا لناشطين في جنوب دمشق فإن متوسط 150 – 200 غارة جوية تنفذها طائرات الأسد وروسيا على المخيم والحجر الأسود والتضامن والقدم والعسالي يومياً، تلقى خلالها مئات الصواريخ والبراميل المتفجرة على الأحياء السكنية. يضاف إليها آلاف قذائف الهاون ومئات صواريخ الفيل من نوع أرض – أرض ونوع جديد من الصواريخ الروسية الصامتة والتي تخلف بعد سقوطها كتلة لهب ضخمة تلتهم بنيرانها مساحات واسعة بما فيها من أبنية وأراض.

وبلغ عدد الشهداء المدنيين الموثقين حتى لحظة نشر هذا التقرير 16 مدنياً إضافة لعشرات الجرحى، ومعظم الفئتين من اللاجئين الفلسطينيين في مخيم اليرموك نظراً لتركز الثقل المدني فيه.

وبالانتقال إلى المخيم، تؤكد شهادات آتية من داخله أن معظم جثامين الشهداء مازالت في الطرقات أو تحت أنقاض الأبنية المدمرة بسبب كثافة القصف وعجز أي شخص عن الوصول إليها لانتشالها ومواراتها في الثرى، مع الإشارة إلى غياب أي مؤسسة إغاثية أو أطباء أو إعلاميين عن تغطية الأمور داخل المخيم منذ سيطرة تنظيم داعش في نيسان/ أبريل 2015، وطرده الناشطين والجهات الفاعلة إلى بلدات يلدا وببيلا وبيت سحم المجاورة والخاضعة لسيطرة المعارضة المسلحة، وهو وضع تشترك به كل المناطق الخاضعة لسيطرة التنظيم في الجنوب الدمشقي.

هذا ودمر القصف معظم مشفى فلسطين التابع لجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، وهو المشفى الوحيد داخل المخيم، واستشهد المسعف الوحيد جمال حمدان (أبو خالد) ودمرت سيارة الإسعاف الوحيدة التي كان يقودها، جراء قصفها من قبل قوات النظام أثناء عمليات إسعاف الجرحى، وهو ما يعني انعدام أي رعاية طبية للمصابين المدنيين الموجودين حالياً في اليرموك.

موت على هيئة مخيم

وأما عن المدنيين المتبقين هناك، فتذكر شهادات لمن خرجوا وجود آلاف الأشخاص يعانون ظروفاً كارثية في ظل قلة الطعام وانعدام الدواء وانقطاع مياه الشرب والاتصالات، حيث يقطنون داخل أقبية غير مؤهلة للاحتماء من القصف المكثف.

وتقول الشهادات إن معظم من تبقوا في المخيم هم من كبار السن والمرضى الذين لا معين أو معيل لهم، وفي صفوفهم مصابون بأمراض مزمنة منها: الفشل الكلوي، السكري، ضغط الدم والسرطان، وتشير إلى أن الأطفال بحاجة إلى حليب ومدعمات غذائية قد يتسبب انعدامها بارتقاء شهداء جوع بينهم.

وكان 207 لاجئين فلسطينيين استشهدوا بسبب الحصار التام الذي تفرضه قوات الأسد والفصائل والميليشيات الفلسطينية الموالية له على المخيم، منذ تموز / يوليو 2013 والمستمر حتى اليوم، بينهم نحو 70 طفلاً والبقية نساء وكبار سن، وفقاً لمصادر حقوقية. وتفاقمت معاناة المدنيين مع احتلال تنظيم “داعش” لليرموك في نيسان/ أبريل 2015 بمساندة من جبهة النصرة آنذاك بعد طرده مقاتلي المعارضة من المخيم وتقاسم السيطرة عليه مع الجبهة حيث اضطرت ألفا عائلة للنزوح إلى بلدات يلدا وببيلا وبيت سحم المجاورة، قبل أن تندلع اشتباكات بين الطرفين في نيسان/ أبريل 2016 وتنتهي بحصر الجبهة (هيئة تحرير الشام حاليا) في مناطق غرب المخيم (أبرزها جادات عين غزال والريجة وشارع الـ15 والثلاثين)، وهو ما أدى لسطوة التنظيم على المدنيين في مناطق سيطرته التي تمثل معظم مساحة المخيم، وقيامه بانتهاكات كثيرة بحقهم أبرزها تنفيذ عشرات أحكام الإعدام بتهم مختلفة، ومنعه التعليم والرياضة وغيرها عليهم، إضافة لفرض حصار داخلي على 50 عائلة تقطن في منازلها بمناطق سيطرة “تحرير الشام” والتضييق عليها بالتزامن مع حصار النظام لها من جهة شمال المخيم.

ونزحت آلاف العائلات من المخيم إلى بلدات الجوار في ظل الحملة الحالية، تعاني جميعها نقصاً حاداً في المواد الغذائية والرعاية الصحية، وتفترش الكثير منها وفقاً لشهود عيان العراء في شوارع يلدا بسبب عدم توفر ملاجئ للسكن أو مدخول يتيح لها استئجار البيوت، كما فرت كثير من العائلات بلا أوراق ثبوتية نتيجة شدة القصف. وهو ما استدعى تلك العائلات والناشطين في جنوب دمشق لإطلاق نداءات إلى وكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين “أونروا” والمنظمات الدولية ومؤسسات حقوق الإنسان والمجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياتهم، ودعوة منظمة التحرير والفصائل الفلسطينية كافة إلى الحد من هذه المأساة وتقليل الخسائر بدلاً من التواطؤ والمشاركة فيها وفي تدمير المخيم من خلال سكوت البعض عنها والمشاركة العسكرية من البعض الآخر إلى جانب النظام.

كارثة مفتعلة!

ويؤكد متابعون أن المأساة الإنسانية لسكان اليرموك وعموم الجنوب الدمشقي مفتعلة من قبل النظام، باعتبار هذه المناطق ساقطة عسكرياً منذ سنوات ويستطيع النظام فرض تسويات على القوى العسكرية والمدنية فيها، غير أنه لا يرغب بذلك بل يريد تهجير السكان وتدمير المنطقة لتسهيل التحكم المستقبلي بها لجهة منع المهجرين من العودة، واستبدال أحيائهم بمخططات سكنية وتجارية تخدم مشروع التغيير الديمغرافي، وهو ما ينسجم مع مشروع “باسيليا” الذي أعلن عنه مجلس محافظة دمشق في آذار/ مارس الماضي والذي يبتلع مساحات واسعة من حيّي القدم والعسالي وشارع الثلاثين على جانبيه من جهة مخيم اليرموك والحجر الأسود، كما ينسجم مع القانون رقم 10 الذي أصدره بشار الأسد قبل أوائل نيسان/ أبريل الجاري والذي يلزم النازحين داخلياً واللاجئين السوريين المنتشرين حول العالم بإثبات ملكيتهم لبيوتهم وعقاراتهم خلال شهر من تاريخه، أو يحق له نقل ملكية العقار لأشخاص آخرين، وهذا لا يمكن تنفيذه عملياً لوجود خطر أمني على معظم اللاجئين في حال عودتهم ولعدم تمكن كثير من المهجرين داخلياً واللاجئين من حمل ثبوتيات ملكياتهم بسبب فرارهم من بيوتهم تحت القصف الكثيف والممنهج.

وفي ذات السياق، تشير المعلومات المأخوذة عن شخصيات نشطت في “الحراك المدني” لمخيم اليرموك خلال السنوات السابقة إلى أن نظام الأسد أفشل في الفترة ما بين 2013 و 2015 نحو 12 مبادرة مدنية في اليرموك تفضي لإنهاء الأزمة وتحييده عن الصراع السوري.

كما عطل النظام وفقا لناشطين إعلاميين من أبناء المخيم تنفيذ مبادرات تسوية عسكرية اتفق عليها ممثلوه مع مقاتلي المعارضة (بين 2013 و2015) ومن بعدهم مع قادة هيئة تحرير الشام وداعش خلال السنوات الـ3 الأخيرة، ليتوّجها الأسد قبل أيام بحملة عسكرية واسعة رفعت نسبة الدمار في اليرموك إلى أكثر من 60%، بحسب شهادات محاصرين، وهو ما يصفه كثير من أبناء المخيم بالهدية للاحتلال الإسرائيلي والرغبة الواضحة من نظام الأسد بمسح عاصمة الشتات الفلسطيني عن الخريطة وإفراغه من اللاجئين الفلسطينيين، إضافة لمسح إسهامه النضالي في بناء الذاكرة الفلسطينية في ظل صمت فلسطيني مريب على المستويات كافة السياسية والإعلامية والشعبية، وبما يتناسب مع ما يطرح عن صفقتي القرن في فلسطين والتغيير الديمغرافي في سوريا.
رابط مختصر

عذراً التعليقات مغلقة