في حب الوطن .. حتى ناره جنة

2018-04-27T23:48:07+03:00
2018-09-02T01:39:48+03:00
تدوينات
رانيا محمود27 أبريل 2018آخر تحديث : منذ 3 سنوات
رانيا محمود
photo 2017 12 18 20 39 50 - حرية برس Horrya press
icon female

لطالما أطربتني كلمات الشوق التي ينثرها الشعراء كحبات مطر على وجه من يحبون، وفي أفضل الأحوال كنت أغبط المحبوبة المعنية بجميع كلمات الحب المحمومة..! حتى أمسى الحب هدفاً بحد ذاته، على نقيض فكرة فرويد بأن الحب وسيلة وذريعة لتلبية الرغبة الجسدية..! لم ترهبني يوماً كل تحذيرات آلهة العشق في الشعر العربي من خوض هذا الشعور الغامر اللامنطقي، ولا حتى كلمات سلطان العاشقين “ولقد أقول لمن تحرّش بالهوى .. عرّضت نفسك للبلا فاستهدفِ”، كنت دائماً أجيبه من شعره “دع عنك تعنيفي وذُق طعم الهوى.. فإذا عشقت فبعد ذلك عنّف” ..

إلا أن جميع كلماتنا تتبخر في لحظة عشق، وكأن الحروف بالفعل تموت حين تُقال..! وهذا أبلغ ما يمكن وصفه في حب الوطن. هذا الوطن الذي يتجه البعض اليوم إلى لومه، أو حتى استنكار علاقة الحب بين المواطن ووطنه ..!

في الواقع أكره الاعتراف بأن جميع التحذيرات من الحب كانت محقة، وأنه الشعور الوحيد المطلق بفرح عارم أو حزن صارخ ! فهو لا يعترف بوجود اللون الرمادي أصلا..!

اليوم أكثر ما يصف حال معظمنا بين مهجرين ولاجئين ونازحين “الجسم في بلد والروح في بلد .. يا وحشة الروح بل يا غربة الجسد”. لا يسعنا القول بأننا نشتاق، فالشوق هنا أسخف ما يمكن قوله لعاشق سُحبت منه خيوط الحياة، ونهش البُعد قلبه. وكأنه جثة تلتهم ديدان الغربة آخر خلايا الحب فيه، “وحيداً..غريباً..حزيناً.. أشدُّ من الماء حزناً”.

لو اتجهنا إلى فلسفة الأشياء، لم يتفق أحد على ماهية الحب ودلائله، غالباً يكون حباً من أجل الحب. حباً للتفاصيل والمجمل، ومن غير المفهوم أسباب هذا الحب. هل يُعقل أن يصدق أحد أن سورياً يغني “وحنيني لك يكوي أضلعي” بحكم عادة الاستماع لأم كلثوم، أنه يتجرع هذا الحنين في كل تفصيل سرقته منه غربته؟! ولو كان هذه التفصيل هو بائع “الفلافل” في الحي !

أظن إبراهيم ناجي عندما كتب هذه القصيدة لم يكن يشعر بالحنين لمحبوبته فحسب، بل كان يشتاق أيضاً للروح التي بثها الحب فيه، يشتاق لشخصه الذي أوضح الحب معالمه. كما نشتاق نحن لذاتنا عندما كان لدينا وطن.

ففي الوطن حتى صوت السنونو مختلف، أو أننا كنا نسمعه بشكل مختلف بدافع الحب. ولأن العزيز إذا أحب ذليل، لا يمكننا أن نرضى اليوم بغير وطننا وطناً. برغم كل التغيرات التعيسة في مجريات الثورة، وبرغم أننا أصبحنا كلنا نحن ووطننا بلا وطن، إلا أن الحب الصادق أطهر من أن تشوبه حرب. وحالنا ينطبق على قول مظفر النواب “كالبارحة اشتقت ومرّت في قلبي .. طرقات مدينتا تبكي، الدمع على أرصفتي يبكي… يبكي ومدينة أيامي .. باعوها ..في الساحة تبكي”، إلا أنه في وضعنا نحن لم نبع شبراً من وطننا، لا بل حاولنا دفع ثمنه بالدم، ومازلنا نردد “الروح بترخص للوطن”، ولو قذفنا الغرباء بتهمة أن المحب في العادة أحمق، فلا عاش العقل إذا كان يقضي بالتخلي عن حب الوطن.

وعلى اعتبار أن الحب صفة سماوية بعيدة كل البعد عن الأنانية، أستطيع القول بأن حلمي هو “أن يظل عندي وطن”، وهذا الوطن بلا شك هو مسقط رأسي في سوريا. برغم أن البعض يقول الوطن هو المكان الذي يحترم حقوقك كمواطن وأقلها السلام، إلا أني في الواقع “من جماعة حتى نارك جنة”. وأقر بصحة مقولة أن الحب للشجعان، وبحسب ما تقتضيه الشجاعة سيكون النضال دائماً في سبيل استرجاع الوطن والدفاع عن هذا الحب، فأنا “ما لي سوى روحي، وباذلُ نفسه في حبّ من يهواهُ ليسَ بمسرفِ”.
رابط مختصر

عذراً التعليقات مغلقة