حكاية سوريا.. دروس الغوطة الشرقية (2)

آراء
زكي الدروبي27 أبريل 2018آخر تحديث : منذ 3 سنوات
حكاية سوريا.. دروس الغوطة الشرقية (2)
5 14 copy - حرية برس Horrya press

لقد كانت خسارة الغوطة الشرقية مؤلمة للجميع، خصوصاً بعد الصمود الأسطوري للأهالي والمقاومين، لكنها أيضاً درس مهم يجب التعلم منه، عسى أن نستفيد منه للمستقبل القريب.

أولى الدروس التي يجب تعلمها أن الاستقواء بالخارج والاعتماد على الداعم لا يفيد، فهو لا يبحث إلا عن مصالحه، وآخر همه نجاح الثورة السورية، وأن اقتصار العمل على حرب المواقع من الناحية العسكرية، وكوزارة خارجية فقط من الناحية السياسية، أفقدنا الكثير من الأوراق، وأن أسلمة الثورة والمناطقية والطائفية والمذهبية أضرت وساهمت في إنهاك ثورة الشعب السوري، ويجب أن تبعد كل الرايات والتسميات الإسلامية والمناطقية مع زعاماتها، ليحل مكانها قوى عسكرية وسياسية وطنية مختصة ترفع شعارات وطنية.

هناك ضرورة لاستبدال العمل العسكري السابق الذي يعتمد حرب المواقع بعمل عسكري ينقل المعركة لتكون على مساحات الوطن، فقوات الاحتلال الروسي والإيراني تتنقل على مساحات سوريا آمنة مطمئنة، ويجب على العمل العسكري الثوري أن يقض مضاجع هذه القوات، وأن يستهدفها في عمليات فدائية في كل شبر من سوريا.

أما بالنسبة للعمل السياسي فلا زالت وحدة المعارضة السياسية التي طالبنا بها منذ بدايات الثورة ضرورة، واليوم أصبحت ضرورة ملحة، ويجب الانتهاء من هذه التفرقة، ويجب أن يعترف من قاد المرحلة السابقة بالأخطاء التي أدت لكارثية نتائج اليوم، وأن نحضر لمؤتمر وطني يضم الجميع، يدرس المرحلة السابقة بكل أخطائها وايجابياتها، ويضع خطة وبرنامج عمل، وينتخب قيادة موحدة، بعيداً عن هيمنة واستفراد أصحاب عقلية الفئة الناجية، التي قادت المرحلة السابقة والتي أوصلتنا إلى ما وصلنا عليه، وبعيداً أيضاً عن قوى الإسلام السياسي التي تاجرت باسم الله والدين، لتسيطر على الثورة السورية وتلغي الآخرين وتكفرهم وتنسب إليهم كافة شرور الأرض، ومارست نفس ممارسات النظام في المناطق التي سيطرت عليها، وتقاتلت فيما بينها وأصبحت أدوات في يد الخارج، يأمرها فتطيع، وشهدنا المساحات الكبيرة التي سلموها للنظام دون مقاومة تذكر في كل منطقة كانوا يسيطرون عليها، كما يجب إبعاد المؤتمر عن هيمنة أي طرف دولي يدعي صداقته لسوريا وثورتها، وإطلاق خطاب وطني بعيداً عن الأسلمة والتطرف المذهبي والقومي، وكل يوم تأخير ثمنه المزيد من دماء الشعب السوري.

كما أنه هناك ضرورة لتغيير عقلية العمل السياسي الحالي التي تشابه عمل وزارة خارجية، حيث تعتمد على اللقاء بالحكومات والمسؤولين، وإرسال الرسائل الديبلوماسية، إلى عقلية أخرى تعتمد على توسيع العلاقات مع الأحزاب السياسية والنقابات، ومؤسسات المجتمع المدني في العالم الغربي، وتحشيدهم لدعم أهداف الثورة السورية في الخلاص من الاحتلالات الروسية والإيرانية، ومندوبهم السامي، نظام الأسد في دمشق.

بعد كل ما جرى، ألم يحن الوقت لاعتبار أن الروس والإيرانيين قوات احتلال، وأنهم ليسوا ضامنين لاتفاقيات هدنة وسلام، بل شركاء بقتل الشعب السوري، وأن علينا أن نطرد ممثلي هذه الدول من بين صفوفنا في الثورة، ونشكل لجنة وطنية تنبثق عن المؤتمر الوطني الذي يجب أن تشارك فيه جميع القوى السياسية الموافقة على إسقاط نظام الاستبداد والانتقال للدولة المدنية الديمقراطية من أجل طرد المحتلين والغرباء عن سوريا؟

الاعتماد على الخارج والتبعية له لم تسمح للثورة السورية بالانتصار ولن تمنع أو على الأقل تخفف من مستوى الإجرام الذي تنفذه قوى الاحتلال ونظام الأسد في السوريين، فلماذا لايزال من نصب نفسه لقيادة العمل الثوري مندوباً لهذه الدول يأتمر بأمرها وينفذ تعليماتها؟!.

استمرار الثورة ليس شعاراً براقاً نحمله دون وعي، إنما الثورة السورية ستستمر بسبب التراكم السابق من القهر والإفقار والنهب الموجود قبل الثورة، والذي أدى لنضج الظروف الموضوعية وانفجار الثورة، وهذه الظروف الموضوعية لازالت موجودة، وقد زادت، وقد انتشرت بين جمهور الموالاة أيضاً، الذين ضجوا من ممارسات قوى الاحتلال الإيراني والروسي، لكن تراكم أخطاء من نصب نفسه لتمثيل الثورة السورية من فصائل وسياسيين، جعلنا في وضع لا نحسد عليه، وسيتطلب منا جهداً أكبر لإنضاج الظروف الذاتية التي ستسرع الخطوات على طريق الوصول لأهداف الثورة، في الخلاص من نظام الاستبداد والانتقال للدولة المدنية الديمقراطية التعددية، بعد طرد الاحتلال الإيراني والروسي من سوريا، وخروج كل القوى الأجنبية منها، وهذا يتطلب خطاباً يقدم الانتماء الوطني على الانتماءات الأخرى، وينتقل من الخطاب الطائفي والمذهبي والقومي إلى خطاب جديد يؤكد أن الصراع في سوريا هو صراع بين قوى الاحتلال والاستبداد والتطرف من جهة وبين قوى الحرية والديمقراطية.

تعلمنا في الفلسفة أن المقدمات الخائطة تقود دائماً لنتائج خاطئة، ويمكن أن نسقط هذه القاعدة على ما جرى خلال السنوات الماضية من عمر الثورة، وبدأنا اليوم نشعر به ونلمسه، بعد الخسائر الكبيرة المتوالية، وآخرها كانت خسارة الغوطة الشرقية.

  • حكاية سوريا: سلسلة مقالات تستعرض ملامح ورؤى من التاريخ البعيد والقريب لسوريا، يمكن من خلالها فهم أسباب ما يجري من حروب ودمار على أرضنا، حسب وجهة نظر كاتبها.
رابط مختصر

عذراً التعليقات مغلقة