سوريانتسا على أوراق دي ميستورا

آراء
فريق التحرير25 مايو 2016آخر تحديث : منذ 5 سنوات
سوريانتسا على أوراق دي ميستورا

ammar.tabab* عمار تباب
ليس التاريخ سرداً للأحداث، ولا تسجيلاً للوقائع، بل هو، كما قال ابن خلدون، ظاهره أخبارٌ وسوابق، وباطنه تعليلٌ وحقائق، فكيف بنا إذا كنَّا أمام تاريخٍ لم تتباعد شواطئه، ولم تتبدَّل رواسيه.
ما زالت تتبادر إلى الأذهان خيالات تلك الكلمة على ذلك الجدار (united nothing)، والتي اختصرت معاناة شعب، سيق إلى الموت تباعاً، حين قامت القوات الصربية بعمليات تطهير عرقي ممنهجة ضد المسلمين “البوشناق” في البوسنة، وقد حدثت الجريمة على مرأى من الفرقة الهولندية التابعة لقوات حفظ السلام الأممية، من دون أن تقوم بأي شيء لإنقاذ المدنيين، في جريمةٍ قالوا عنها في حينه إنها جريمة العصر.
ولكل مِصرٍ عصر، ولكل عصرٍ جريمة، فهنا على أرض سورية، يُراد لأطراف ما قيل عنه الصراع أن يعيد كلٌ منهم تمثيل دورٍ تمَّ بناء عناصر شخصيته في سربنيتسا قبل عشرين عاماً.
بشار “كاراديتش”، معارضة “البوشناق”، والأمم المتحدة نفسها، هذا هو باختصار توزيع الأدوار لمسرح الجريمة الجديدة.
وأمام هذه الاسقاطات، يصبح من السهل على أي قارئ للمشهد استيعاب السيناريو، في فصوله الثلاثة التي حددتها أوراق المبعوث الأممي إلى سورية، ستيفان دي ميستورا، عندما لخَّص خطته في مراحل ثلاث، تبدأ بوقف إطلاق النار وتنتهي بشكل مستقرٍ لسورية، مروراً بفترة انتقالية متمثلة بهيئة حكم انتقالي، والتي لن تلاحظ فرقاً بينها وبين أوراق الأمم المتحدة في أثناء الحرب في البوسنة.
ليس غريباً اليوم، الحديث عن تطورٍ “حقيقي” على صعيد إدخال المساعدات إلى المناطق المحاصرة، وفق ما أعلن عنه دي ميستورا، في ختام اجتماع لمجموعة العمل الدولية حول الشؤون الإنسانية في جنيف.
ليس غريباً اليوم، الحديث عن إيصال المساعدات إلى أكثر من 680 ألف شخص في المناطق المحاصرة، من دون الحديث عن محاصرهم.

ليس غريباً، اليوم، الحديث عن أكبر شاحنة مساعدات إنسانية مشتركة في الرستن، على لسان المتحدث باسم اللجنة الدولية للصليب الاحمر، بافل كشيشيك، أو الحديث عن إخلاء لجرحى ومرضى في الزبداني أو مضايا، من دون الحديث عمن قطع عنهم الدواء والحياة، إلا كمتفضلٍ ومانحٍ لهم إياها.
ليس غريباً اليوم، ألا تسمع شيئاً عن قصف للنظام على كامل الخريطة السورية، لملاحقة المعارضين “البوشناق”، الذين ألحق بهم تنظيمات متطرفة ليقاتلهم بها تارةً، ويقتلهم بحجتها تارةً أخرى، بمساندةٍ دولية.
اشتدادٌ لمعارك النظام ضدَّ تنظيم الدولة في تدمر ومناطق مختلفة، تعيد إليه في أيام ما عجزت عنه التحالفات الدولية في شهور، لتكون أشبه بعمليات تسليم، حالها حال عمليات الاستلام السابقة.
ودفعٌ للتنظيم باتجاه الشمال، ضدَّ الكتائب المعارضة هناك، ليعود الخوف من رايات سوداء لم تحظ بمكانٍ لها في تلك المناطق سابقاً، لتسلب عن تلك المناطق هدنةً لم ترق إلى الحديث عن هشاشتها.
ومن جانب آخر لن تلقاه غريباً، اتهام النظام لمعارضيه بالتطرف في جنيف، على لسان مندوبه، بشار الجعفري، لأنه لا يحق للضحية في عالمنا أن تحتج على ما يمارس ضدها من استبداد أو اضطهاد أو قتلٍ وتهجير.
انسحاباً متئداً، كان انسحاب وفد الهيئة العليا للتفاوض من جنيف، بعد إعلان منسقها العام، رياض حجاب، تعليق الهيئة مشاركتها في المفاوضات، احتجاجاً على ممارسات نظام الأسد بحق المدنيين، والتي لم يرض الأخير وصفها بانتهاكات للهدنة وإنما بانتهاكات مستمرة.
المعارضة التي قرّرت قلب الطاولة على الجميع لتجد نفسها خارج الطاولة أساساً، مع الحديث عن استمرار المباحثات في 25 من إبريل/ نيسان الجاري، من دون أن يدرك الوفد المعارض، أو ما يطلق عليه وفد الرياض، من الذي سيجلس قبالة النظام، حتى خرج على لسان الناطق الرسمي باسمها أن النظام ربما يفاوض نفسه من خلال معارضةٍ صنعها على قياسه، لتشاركه آماله وتطلعاته.
ربما يمكن الحديث في المشهد السوري عن تطور لافت لدور المجتمع الدولي في القضية السورية، من بداية الأحداث وحتى الآن على مستوى إدارة الصراع، وليس البحث عن حلولٍ له.
ابتداءً بتصعيد الأحداث، أو تهدئتها، وانتهاءً بفرض سيناريوهات جاهزة لنهايتها، مروراً باستخدام للفيتو من أطراف شاركت بنفسها في الحرب ضد شعبٍ أعزل قتلت منه الصغير والكبير والمرأة والعاجز، وإذكاء للتطرف، واختياراً لوفود ممثلة لثورةٍ أو مجتمع أبعد ما تكون عنه، كاستشاريين لمندوب نفذ دوره جيداً، بخططٍ منسقة على أوراقه، مُحِي عنوانها، ليبقى ظاهراً لمن تمعن به “سوريانتسا”.
* المصدر: العربي الجديد

رابط مختصر

عذراً التعليقات مغلقة