النظام الأمريكي بعد الحرب الباردة

آراء
فريق التحرير11 مايو 2016آخر تحديث : منذ 5 سنوات
النظام الأمريكي بعد الحرب الباردة
aram.karabit

* آرام كرابيت

أغلب الأمبرطوريات عبر التاريخ قامت على تعبئة الموارد البشرية لأهداف عسكرية وتوسعية بالرغم من بطء حركة المواصلات والبريد والتواصل, بيد أنهم أوجدوا أنظمة بيروقراطية تستطيع الاتكاء عليها في إبقاء هذه القوة ذات فاعلية وتماسك وتفاعل وديمومة.
في مقالنا هذا نستطيع أن نكتب عن عصرنا ومآلاته, نتيجة تطور الوسائل القتالية والمواصلات وسرعة إيصال المعلومة والتواجد السريع في مواقع الأحداث الساخنة في العالم مهما كانت المسافات بعيدة, وتبوء دولة أمبرطورية عظمى, الولايات المتحدة, ذات القدرات الهائلة على إدارة العالم بوسائل سريعة وحيوية, نتيجة حيوية هذا النظام وسرعة استجابته للتغييرات التي تحدث في المنظومة الدولية من أجل تبقى قوة مهيمنة على الصعيد الدولي لها باع طويل في ترتيب شؤون العالم سياسيا واجتماعيا واقتصاديا بما يتناسب وبقاء مكانتها في السلم الأول عالمياً.

لهذا تسعى الإدارات المتعاقبة على البيت الأبيض على وضع هذه الدولة فوق جميع دول العالم وتتصرف وفق نظام هيمني متميز متعدد الأبعاد يتحرك وفق مقتضيات الحاجة والتعامل مع كل دولة وفق قدرة كل واحدة على حدة.

لدى الولايات المتحدة مراكز أبحاث ودراسات لكل بقعة في هذا العالم ولديها قواعد واساطيل بحرية وبرية قريبة من مواقع الحدث أو في حال وقوعه أو قبل وقوعه, ولديها خبراء ومستشارين سياسيين وعسكريين وعدة قتالية ولوجستية متوضعة بالقرب أو داخل كل دولة. فطابعها المتعدد وقدراتها الاقتصادية ونظامها السياسي ولدوا ليكونوا لأهداف امبرطورية عسكرية مثل أية دولة تاريخية قوية عبر التاريخ, مهيأة لأخذ المبادرة والتحرك وإرغام المنافسين والخصوم للامتثال لأوامر القوة والخضوع.

التوليفة التي يتسم بها النظام الأمريكي مختلفة تماما عن بقية الأمبرطوريات السابقة عليها, فهذا النظام غير معبأ بالرموز والشحنات الايديولوجية المتوارثة من القديم كالقومية والدين والسيادة والحدود الوطنية والإرث الحضاري والأمجاد الخلبية. إن نزع هذه الصفات والشحنات الماضوية السلبية والثقيلة عن هذا النظام المتمرس في تحقيق التفوق أعطاه حرية الحركة والتحرك السريع دون إي احساس بالواجب اتجاه الأخرين. فالبراغماتية السياسية تعتمد على الحركة اللوجستية السياسية وخلوها من العواطف والواجبات واحترام الحياة والوجود والحياة الإنسانية والطبيعة, بمعنى أن الممارسة البربرية السياسية التي تتصف بها هذه الدول “فوق العالمية” منحتها القوة، وتتصرف بمنتهى القسوة والهمجية دون أي إحساس بضرورة احترام الوجود والطبيعة وحياة وبقاء الأخر، إنه نظام يخلو من القيم السياسية التاريخية. والقيم الذي تتبجح بها هو شكلية, للمراوغة من أجل الهيمنة.
من المخيف أن يعيش العالم والبشر تحت سطوة نظام غير متمسك بأي قيم, نخبه تبحث عن الهيمنة والسيطرة وإبقاء الجميع في قبضتها بأي وسيلة، بما فيها التدخل العسكري إذا احتاج الأمر كما حدث للعراق وأفغانستان وسورية من وراء الستار وبطريقة خبيثة جدا.

القوة المتعددة الأغراض والمرامي جاهزة في أغلب البقع الإقليمية المتعددة على مستوى العالم. ويبدو غير وارد في عقل رعاة هذا النظام إدخال اصلاحات عليه أو محاولة مشاركة بقية دول العالم في هذا النهج بعد التغييرات الهائلة التي طرأت على العالم في مجال التكنولوجيا والانترنت والهواتف الذكية والأجهزة المتطورة جدا التي تحتاج إلى نظام عالمي فاعل ويواكب التغييرات على الأرض. إن النظام الأمريكي يقع عليه مهمة القيام باصلاحات جذرية وعميقة, لحاجة البشرية للتعاضد والتعاون كبديل عن الحرب والقتال ونقل الأزمات من موضع إلى أخر.

إن رمي الأزمات الدولية الثقيلة على البلدان الصغيرة كسورية والعراق ولبنان وليبيا واليمن وافغانستان لامتصاص أزمة النظام الاقتصادي والسياسي الدولي هو تأجيل للانفجار في السنين والأيام القادمة. ولا توجد أية إشارة أن هناك قوة موازية تحاول ان توقف هذا الجنون عند حده أو محاوة ردعه, بله عمل الجميع على الالتفاف على الواقع ومحاولة كل دولة حماية نفسها.

ما يحدث الأن أن أغلب دول وأنظمة هذا العالم يعملون على تكييف بلدانهم ليتساوقوا مع النهج الأمريكي القائم على التوسع ولتلبية الحاجات الامبرطورية لها.

إن المؤسسات المرنة التي تتمتع بها النخبة الأمريكية الحاكمة والقدرات الاقتصادية الهائلة والتفوق التكنولوجي والقوة العسكرية المتفردة، كل هذا أعطاها مساحة كبيرة لحرية التصرف والتنقل والمراقبة والهيمنة وساعدها على ذلك ضعف الأطراف الدولية والاقليمة وللحمولات الثقافية الثقيلة المرتبطين بها كالمرجعية الوطنية والقومية والدينية.

إن عصر العولمة والانتقال من الوطني إلى فضاء العولمي اقتصاديًا وسياسيًا جعل من هذه النخبة الحاكمة والاحتكارات التي تمثلها مسؤولة في إدارة مصالح أصحاب الثروات في العالم ليبقوا في مأمن، كالمصارف والبيوتات المالية والاستمرار بالطريقة ذاتها دون بحث عن بدائل اقتصادية وسياسية.

رابط مختصر

عذراً التعليقات مغلقة