حزب الاتحاد الديمقراطي و”تحرير المُحرر” في القامشلي

آراء
فريق التحرير2 مايو 2016آخر تحديث : منذ 4 سنوات
حزب الاتحاد الديمقراطي و”تحرير المُحرر” في القامشلي

HusseiChalabi
* حسين جلبي
لم ينجح حزب العمال الكُردستاني على مدى أربعة عقود من عمله المسلح الصاخب، وكذلك المدني في كلٍ من سوريا، تركيا، العراق وإيران في تحرير شبرٍ واحد من الأرض، بما فيها تلك التي تقع فيها معسكراته الحالية في معقله بجبال قنديل، تلك الجبال التي تقع ضمن حدود إقليم كُردستان العراق، ويقيم فيها قادته لمجرد أن سلطات الإقليم الكُردي تتسامح في ذلك من جهة، ولأنهم لا يجدون مكاناً آخر في العالم يلجأون إليه من جهة أُخرى، خاصةً بعد أن أعلن قبل عامين عن انسحابه من الأراضي التركية، وهي الأراضي التي كان يسميها كُردستان تركيا سابقاً، وقد بنى نفسه من خلال القول بأنه يسعى إلى تحريرها، قبل أن يتخلى عن هدفه في تحرير كُردستان ويحصره في تحقيق الديمقراطية لتركيا، ومن ثم أخوة الشعوب، رغم أنه تسبب خلال مسيرته الإشكالية تلك، صعوداً وهبوطاً في سقوط عشرات آلاف الضحايا، كان معظمهم من الكُرد، وهو ما أدى بدوره إلى نتائج عكسية، تمثلت بحدوث تغييرات ديمغرافية جذرية، هي في انخفاض التعداد السكاني للكُرد في مناطقهم بعد الهجرة الواسعة منها، التي تسببت بها عمليات الحزب العسكرية و ردود الأفعال التركية عليها، مضافاً اليها حدوث تغييرات سلبية في المزاج القومي الكُردي في تركيا، حتى أصبح الكثير من الكُرد يلجأ إلى اخفاء أصوله القومية، إلى جانب وجود القليل منهم ممن يتحدث بلغته الأُم، أو يتقنها.

رغم تلك التراجعات، فقد أعلن الحزب وفروعه في الدول المذكورة أعلاه، مراراً وتكراراً عن جمهوريات ومناطق محررة وإدارات ذاتية، مثل “جمهورية الزاب” التي أعلنها في تسعينات القرن الماضي في معاقله الجبلية، والتي كانت مجرد خبر ورد في إعلامه، لم يسمع به الكثيرون خارج محيطه، ليجري طيه بعد حين ويتبين فيما بعد بأن الجمهورية المزعومة لم تكن سوى بضعة أمتار مربعة في منطقة نائية، هي مساحة الوسيلة الإعلامية التي أعلنت عنها، وقد كانت دولةً بدون رئيس وحكومة ووزراء وبعثات دبلوماسية ودستور وقوانين، وكان تعداد سكانها صفر نسمة.

لعل الأمر ذاته هو ما يجري حالياً في المناطق الكُردية السورية الواقعة في شمال شرقي سوريا، و التي أُعلن تحريرها من نظام الأسد، من قبل حزب الاتحاد الديمقراطي، الذي أسسه عثمان اوجلان شقيق زعيم حزب الحزب العمال الكُردستاني، وذلك في اشتباكات نتج عنها الكثير من فوارغ الرصاص والجعجعة الإعلامية، دون أن تتسبب وقتها بوقوع ضحايا ودمار، على خلاف عادات النظام في مواجهة السوريين الذين تمردوا على قمعه، وقد تمادى الحزب في عملية التحرير المتخيل، فأعلن عن إدارة ذاتية ديمقراطية وثلاثة كانتونات بحكومات عريضة، تتكون كل منها من اثنين وعشرين وزيراً، نسي الناس اسماء معظمهم بعد الإعلان عن “التشكيلات الحكومية” العتيدة، وقد قلب مؤخراً و على عجل، نظامه الكانتوني الفريد من نوعه، والمعلن من طرف واحد إلى فيدرالية روجآفا ـ شمالي شرقي سوريا، وهو اسم غير متجانس حتى لغوياً أو جغرافياً، إذ أن معناه، بعد ترجمة كلمة “روجآفا” الكُردية، والتي تعني “الغرب” يصبح “فيدرالية الغرب ـ شمالي شرقي سوريا”، وقد ألحق به لاحقة اضافية، فاسماها فيدرالية ديمقراطية حيناً وفيدرالية مجتمعية حيناً آخر، كل ذلك في الحيز الجغرافي ذاته، الذي لم يغادره النظام يوماً، فعلى هامش إدارة سورية رسمية، بجيشها وفروع مخابراتها وحزبها البعثي، بالاضافة إلى المؤسسات الخدمية والتربوية والصحية، وأبرز رموزها محافظ الحسكة، قائد شرطة المحافظة وأمين فرع حزب البعث فيها، ناهيك عن مدراء المناطق في مدن المحافطة، على هامش كل ذلك تأتي تلك الإدارة المعلنة من قبل حزب الاتحاد الديمقراطي، والتي تحاول أن توهم أنصارها قبل الآخرين، من خلال إعلامها الذي يشكل أمضى أسلحتها، بأن النظام بكل ما ذكر أعلاه غير موجود، وقد حلت إدارة الحزب مكانه، بعد أن حررت المنطقة منه، ذلك التحرير الذي لم يكن سوى عمليات استلام وتسليم بين الطرفين، تمت على رؤوس الأشهاد، وهدفت أساساً إلى إزاحة عبئ إدارة الملف الكُردي عن كاهل النظام، للاستفادة منه إلى أقصى الحدود، وللتفرغ كذلك للمناطق التي تشكل خطراً مباشراً ووجودياً عليه.

ضمن السياقات أعلاه، شهدت مدينة القامشلي، كبرى المدن الكُردية السورية التي تتخذها الإدارة الذاتية الديمقراطية مقراً رئيسياً لها اعتباراً من العشرين من أيار الحالي، ولثلاثة أيام تالية قتالاً متقطعاً بين قوات حماية الشعب، التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي و قوات الدفاع الوطني، وهي تشكيل عسكري يتبع زعيم عشيرة الطي العربية، ويتحين الفرص لتوسيع نفوذه في المدينة، وقد حاول حزب الاتحاد الديمقراطي طوال الوقت تسويق رواية مفادها بأن الطرف المقابل له في الاشتباكات الأخيرة كان نظام الأسد، لا بل أنه أعلن بعد انتهائها عن تحرير مناطق في المدينة من سيطرته، منها الفرن الآلي وسجن يقع في طرفها الشرقي، في منطقة كُردية خالصة، المفترض أنها تدين له منذ وقت طويل حسب رواية التحرير، كما أعلن عن أنه تمكن من شل قدرة طيران النظام عن التحليق من مطار المدينة القريب لضرب المدنيين فيها “كذا!”، كل ذلك بعد أن كان قد أعلن عن تحرير المدينة نفسها عدة مرات، بعد اشتباكات بيضاء حدثت في أوقات مختلفة، تبين بأنها كانت تحمل أجندات أُخرى، وقد ساهمت في تمرير أهداف محددة، إلى أن أعلن عن إدارته الذاتية في “كانتون الجزيرة”، التي تعتبر القامشلي احدى مدنها، والتي من المفترض قيامها على أنقاض سلطة النظام ووجوده، وقد كان الفرن الآلي نفسه من المؤسسات التي حررها مؤخراً مرة أُخرى، ليعاد تسليمه كالعادة إلى النظام، في اليوم التالي لـ”حرب التحريرالأخيرة”، على عكس السجن، الذي بقي محتفظاً به.

بدأت اشتباكات القامشلي الأخيرة وانتهت دون أن يفهم المعنيين بها، خاصةً من الضحايا، الذين استهدفتهم قذائف النظام وباقي المتنازعين حقيقة الأمر، فقد أنهى ممثلي نظام الأسد، خلال جلسة مغلقة في مطار القامشلي المحصن، ضمت ممثلي وحدات حماية الشعب وقوات الدفاع الوطني ثلاثة أيام من الاشتباكات، بعد أن استنفذت غرضها كما يبدو، ليبقى الحال على ما هو عليه، وكأن شيئاً لم يحدث، فقد أعلن حزب الاتحاد الديمقراطي مرة أُخرى عن تحرير المنطقة من النظام الذي جلس معه في المطار، والذي يجاوره ويخالطه ويتعاون معه في غير مكان من المدينة، لكن المختلف الوحيد هذه المرة كما يبدو، هو الأعداد المرتفعة من الضحايا المدنيين، الذين سقطوا على مذبح عملية تحرير تجتر نفسها، ويبدو بأنه لن تكتب لها نهاية، في المدى القريب.
* المصدر : أورينت نت

رابط مختصر

عذراً التعليقات مغلقة