الكلمة “الملعونة”

2016-04-26T11:26:46+03:00
2016-04-26T11:27:58+03:00
آراء
فريق التحرير26 أبريل 2016آخر تحديث : منذ 4 سنوات
الكلمة “الملعونة”
syria.

مرام محمود

ابتدأت بهم الحكاية وخطوا بحناجرهم أولى كلماتهم في حب الحرية، برغم إدراك قله قليلة ماهية الحكاية وسطورها لكنهم أعلنوا الصمت في حضور كلماتهم.
منهم من راقب من بعيد، ومنهم من كان صوتنا وقلوبنا، وفي حضور صمتهم يشاركون حلمنا الذي ولد كبيراً. مضى أكثر من خمس سنوات حتى الآن، وليالي عديدة توالت كانت كفيلة لننسى فيها كيف ومتى خرجنا لأجل تلك “الكلمة” التي عدها البعض” ملعونة”، واستبدلها الكثير بــ الألم الحزن اليأس و.. الموت، فمع كل رصاصة وقذيفة تهوي وصوت طائرة تحلق أصبح نور تلك الكلمة وصداها يختفيان وتلك الخطوط تبهت، حتى ظن الجميع أنها النهاية ونحن الآن في جحيم تلك “الكلمة” التي ولدت كبيرة ولم نعرف كيف أصبحت كبيرة فنحن لم نكبر معها ولم يعلمنا أحد كيف تربت هي ومثيلاتها.
بمجرد نطقنا لها تسمح لأمثالنا بدخول عالمها الساحر، القاسي المعقد والمجنون، ففي دروبها نطلق العنان لأنفسنا، فلا وجود للخطوط والحواجز، وليس في قاموسها معناً للمستحيل.

حـ ـر يـ ـة .. تلك الحروف الأربع التي أدخلتنا في دوامتها الأبدية، فالبعض متعلقٌ بحروفها وآخرون تساقطوا في ظلامها الأبدي. عشاقها يذكرون تلك الأيام التي عقدت لأجلها العديد من الجلسات السرية للبوح بحبها، ويخترعون بتلك الليالي أساليب لإرضائها، ففي كل يوم جمعة يلتم شملهم وينشدون لها، مطالبين بها،وحالمين لأجلها، قد يهرب الكثير منا أثناء انغماسنا بها عندما تنطلق الرصاصة الأولى من تلك البنادق العنيدة، ومن يحملها على أكتاف تعلوها رؤوس ذات خوذات متعفنة بعبق إجرامهم الأزلي، لكننا برغم ذلك كله نبقى أوفياء لها وعقولنا تبقى عنيدة أو بمعنى”رأسنا يابس” لأجل إرضائها وإرضائنا، إن لم يكن في العلن فإنها راسخة في قلوبنا الصغيرة.
اعذرونا، فكفاحنا السياسي لأجلها لم يكن يستطيع الصمود أكثر، فروادها أضعف من أن يكملوا مسيرة الكلمة في مواجهة النار، فقد لعبت بنادق الكبار لعبة الموت.
أشهرٌ قليلة من عمر مولودتنا الكبيرة مرت على ثورتنا اليتيمة المخضبة بدماء أحبتها، ليتمكن أصحاب الخوذات العتيقة من سجن “الكلمة” وتقييدها، في المقابل أطلقوا سراح ـ عهد الموت والألم ـ وببطء أخذت حناجرنا تخبوا وتختفي أهازيجها تحت أصوات القذائف والمدفعية، لنصبح تحت رحمة رصاص هذا وذاك، وتختنق بداخلنا الكلمات وقلمنا يهشم مع مرارة الأيام، فالبطل في عالمنا من يقتل أكثر، من يدمر أكثر، ومن يجعل بطون أطفالنا الصغار تقرقر من الجوع أكثر.
ضاعت تلك الكلمة بداخلنا أنا وانت ـ لم يكن هنالك حتى مأذنة ننادي لها، فسجانوها أغبياء ضعفاء لكنهم بارعون بارتكاب أبشع أنواع العذاب بحقها، أنهكوا تلك “الكلمة” في عتمة أقبيتهم المتسخة التي ترتمي على جنباتها جثث مهترئة و أصوات صراخ تعلو وتئن، وتنسل من بين فتحات التهوية. ويبقى الأمل هو الوحيد القادر على إرواء عزيمتنا لانتظارها.
قد تعود تلك الكلمة و أسطورتها الكبيرة بقليل من الخجل لتتسلل إلى حناجرنا المتعبة وتصبح شيئاً فشيئاً جزءا من عجينتنا الجسمانية والعقلية. فمع شيء من الابتسامة تعود كما كانت قبل خمس سنوات، ننتظرها في كل يوم جمعة لتكون لنا لمة وبها نكسر قيود عتمتنا وأحزاننا،
إنها الكلمة التي اتهمت بدمار بلد، تعود من جديد لتبني ما اتهمت بأنها حطمته بحروفها القليلة ولتغير مجرى الحكاية. حينها قد لايكون بصحبتنا ذلك الصديق أو الأخ أو الأب الذي رافقنا في درب الحرية مراتٍ عديدة ونادينا معه بنفس الكلمة.
و برغم ذلك نحن هنا .. وحدنا من دونهم نكمل، نمضي وجراحنا دامية حافية مع تلك الكلمة التي لن تكون “ملعونة”.

رابط مختصر

عذراً التعليقات مغلقة