حكاية سوريا – كيف أثرت اللوحة السياسية ما قبل الثورة على الثورة؟

زكي الدروبي28 نوفمبر 2017آخر تحديث : الجمعة, 13 أبريل, 2018 - 9:48 مساءً

5 14 copy - حرية برس Horrya press

كنت قد وصلت في ختام المقال الماضي (الأحزاب السورية قبل الثورة) إلى أن القوى السياسية التي تواجدت قبل الثورة كانت تتوزع على أحزاب النظام المتعفنة بانتظار الدفن والأحزاب البينية الموجودة بجانب النظام دون أن تكون ضمن الحكم بشكل مباشر وهي مصنعة لتمثل دور المعارضة وتمتص أي حراك شعبي، كمجموعة قدري جميل ومجموعة الحزب القومي الاجتماعي السوري، وأحزاب المعارضة المتصارعة فيها بينها على الهيمنة (لأسباب عديدة شرحتها في سلسلة حكاية سورية وهذا المقال جزء منها).

سأروي اليوم حكاية سورية جديدة، هي حكاية أحزاب المعارضة المتواجدة قبل الثورة وأثر صراعاتها البينية على الثورة.

لم يكن لأي حزب من الأحزاب المعارضة دور رئيسي في انطلاق انتفاضة آذار 2011 والتي هدف منها الشعب السوري للثورة على الوضع الحالي والانطلاق نحو جمهورية جديدة عبر اسقاط البنى السياسية الموجودة قبل الثورة واحلال بنى جديدة، تعتمد الديمقراطية وحقوق الانسان مكان الاستبداد والتسلط والاجرام.

حاولت القوى السياسية المعارضة – ما عدا الاخوان المسلمون – أن تجتمع بعد انطلاقة الثورة لتشكل تجمع وطني قادر على إدارة المعركة السياسية، وعقدت لقاءات عديدة في محاولة للوصول إلى وثيقة وبرنامج سياسي وتنظيمي موحد يكون قادراً على مواجهة ألاعيب النظام وتحقيق أهداف الشعب الثوري الثائر، لكن كانت الخلافات البينية ومصالح البعض وعقلية الهيمنة والإقصاء أكبر من مصالح الوطن والثورة، وبعد عدة اجتماعات طغت الخلافات السابقة وأدت إلى انسحاب ممثلي إعلان دمشق من الاجتماعات دون أي سبب مما أدى إلى تشكيل تجمعين معارضين في سورية – المجلس الوطني – وهيئة التنسيق ثم انشق عدد من الكتاب والمستقلين ليشكلوا التجمع المعارض الثالث ” المنبر الديمقراطي”.

لم يستطع المنبر الديمقراطي أن يتواجد ويكون له دور فاضمحل تدريجياً، وكرر الأستاذ ميشيل كيلو التجربة عبر اتحاد الديمقراطيين ثم انقسم وفشل مرة أخرى، وازداد الصراع بين هيئة التنسيق وبين المجلس الوطني على خلفية التوتر الذي كان سابقاً للثورة بدلاً من التعاون لخدمة الثورة، وفوق كل هذا وذاك دفع الشعب الثائر المطالب بالتغيير للمشاركة في هذه الصراعات البينية ولا يمكن أن ننسى جمعة ” هيئة التنسيق لا تمثلني” ولا ننسى أيضاً هجوم زعران المجلس الوطني على الدكتور عبد العزيز الخير في القاهرة عضو المكتب التنفيذي لهيئة التنسيق وضربه وكسر يده، ولا ننسى إفشال المجلس الوطني لمؤتمر توحيد المعارضة في 2012 بالقاهرة برعاية الجامعة العربية – يومها وأنا حاضراً وشاهداً – اتفق الجميع بالسياسة، لكنهم اختلفوا على الكرسي، فبينما طالبنا بتشكيل لجنة متابعة لقرارات المؤتمر، رفض ممثلوا اعلان دمشق والمجلس الوطني تشكيل هذه اللجنة، فهم – المجلس الوطني – الممثل الشرعي والوحيد للثورة السورية، على طريقة نظام الأسد في سورية “حزب البعث قائد الدولة والمجتمع” ووجود مثل هذه اللجنة يعني عملياً سحب البساط من تحت ارجلهم واشراك غيرهم بصناعة القرار وهذا ما لم يكونوا يرغبون به ومازالوا حتى اليوم يهيمنون ويحتكرون كل مؤسسات المعارضة.

تفاقمت الأزمة بعد فترة داخل المجلس الوطني، ودفع المجلس للانفجار بعد أن انسحب عدد من أعضائه، وبدلاً من أن يسعى المتحكمون بالقرار لتلافي الخطأ السابق، والبحث عن سبل للتعاون والتلاقي مع الآخر، هربوا للأمام وتم تشكيل الائتلاف الوطني بنفس العقلية التي شكل فيها المجلس الوطني، عقلية الهيمنة والاحتكار ونفي الأخر وهي السبب الرئيسي في أزمة الائتلاف، والتي أدت لانسحاب الكثير من الأعضاء.

نرى من هذا العرض الموجز أن العقلية التي سادت قبل الثورة ” عقلية الهيمنة ونفي الآخر” لازالت مستمرة حتى اليوم ضمن مؤسسات المعارضة، أي أن القوى السياسية تنطلق من خلافاتها السابقة والتي قد تكون مفتعلة بدلاً من البحث عن التوافقات والمشتركات، وهذه سمة القوى والأحزاب الوطنية في كل العالم، فعندما يمر بلد ما في أزمة تتداعى كل القوى والأحزاب السياسية في ذلك البلد لنبذ خلافاتها السابقة والتوحد لتجاوز آثار الكارثة التي تهدد البلد، أما في حالتنا السورية، فلازالت هذه القوى أسيرة عقلية الإقطاع السياسي التي جُمد عندها البلد بعد انقلاب 1963 ولم تتطور، وهذا سبب الانقسامات المستمرة في هذه الأحزاب نتيجة الخضة العنيفة التي تعرضت لها في هذه الثورة، وهذه الانقسامات وإعادة التجمع ثم الانقسام وإعادة التجمع، ستنتج حتماً حالة جديدة أكثر ملائمة للعصر، كما أن الحاضنة الشعبية سئمت من الوجوه المكرورة التي سببت لها كل هذه المآسي بسبب قراءات خاطئة سأتحدث عنها في المقال القادم أو بسبب هيمنتهم واحتكارهم واقصاءهم كل الثوار، مما دفع المؤمنين بالثورة لإعادة تجميع أنفسهم في مجموعات مستفيدين من تقنية وسائل التواصل الحديثة وسخروها لتبادل الأفكار والتعارف ومحاولة إنشاء تجمعات سياسية تفشل في كثير من الاحيان لعدم وجود النضج الكافي من جهة، ولصعوبات الحياة الضخمة التي يعاني منها الشعب السوري المنتشر عبر العالم، لكنها وحسب دروس التاريخ، ستنتج حالة جديدة حتماً، وهي التي ستدفع بالثورة لتحقيق أهدافها.

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

    عاجل