اضطرابات «الإخوان المسلمين» السوريين

آراء
ماجد كيالي16 سبتمبر 2017آخر تحديث : منذ 3 سنوات
اضطرابات «الإخوان المسلمين» السوريين
majed.kayali - حرية برس Horrya press

للإنصاف فإن حديثنا عن جماعة «الإخوان» في سورية لا ينفي وجود حالات متنورة أو متقدمة في هذه الجماعة، ولا المظلومية التي تعرضت لها، ما ينطبق على غيرها من القوى. كما لا ينفي ذلك أن ثمة تجارب «اخوانية» أفضل وأكثر انفتاحاً كما في تونس والمغرب، ناهيك عن تيارات إسلامية أخرى أكثر نجاحاً واستيعاباً لمتطلبات العصر والعالم كما في إندونيسيا وماليزيا وتركيا. أيضاً لا يعني ذلك أن «الإخوان» نسيج وحدهم، إذ التحول إلى جماعة هوياتية أو أيديولوجية، مغلقة، يكاد يكون سمة لمعظم التيارات العربية العلمانية والقومية واليسارية والليبرالية، التي ينطوي كل منها على تنويعات أيضاً. وطبعاً فإن تجربة «الإخوان» السوريين تظل مقيدة أو محدودة بالنظر لافتقارهم للتجربة السياسية، بحكم حرمان السوريين من السياسية طوال نصف قرن، وهذا ينطبق على غيرهم من المعارضة. وبحكم أن الجماعة نمت في الخارج أكثر مما نمت في الداخل، في العقود الثلاثة السابقة.

مناسبة هذا الكلام البيان الذي أصدرته جماعة «الإخوان المسلمين» في سورية مؤخّراً، بعنوان: «تأكيدات وإعلانات مواقف»، والذي يبيّن الاضطراب في هذه الحركة، والتباس المفاهيم التي تطرحها، وضعف إدراكها لها أو إيمانها بها، وتراجعها عن عديد من القيم التي كانت أعلنت تبنيها أو تعهدتها في أوقات سابقة.

مثلاً، فقد نص ذلك البيان، في فقرات مختلفة، تأكيد الجماعة «على بناء سورية الحديثة دولة مدنية بمرجعية إسلامية، وأدوات ديموقراطية تعددية وتشاركية»، (لاحظ كلمات أدوات ومرجعية إسلامية) وعلى تأسيس «دولة وطنية ذات سيادة، تضمن أمن جميع المواطنين وأمانهم وحرياتهم وكرامتهم، والمساواة التامّة فيما بينهم…» في حين أن الجماعة ذاتها كانت أصدرت «وثيقة العهد والميثاق» (آذار 2012) تعهدت فيها بإقامة «دولة مدنيّة، تقوم على دستور مدنيّ». أي من دون الحديث عن مرجعيات من أي نوع. كما نصت على فصل السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية»… وإقامة «دولة ديموقراطية تعددية تداولية… ذات نظام حكم جمهوريّ نيابيّ… الشعبُ فيها سيدَ نفسه… دولة مواطنة ومساواة، يتساوى فيها المواطنون جميعاً، على اختلاف أعراقهم وأديانهم ومذاهبهم واتجاهاتهم… تلتزم بحقوق الإنسان… وحرية التفكير والتعبير، وحرية الاعتقاد والعبادة، وحرية الإعلام، والمشاركة السياسية، وتكافؤ الفرص، والعدالة الاجتماعية…»، وهذا نص لا يحتمل اللبس، وفيه لغة حاسمة، وطنية ومسؤولة، تتحدث عن الديموقراطية من دون كلمات مراوغة مثل آليات أو أدوات، التي تعني التحفظ على الديموقراطية، كما تتحدث عن دستور مدني وليس دينياً، في حين أنها في النص الجديد (والبيان الذي سبق في حزيران الماضي) لا توضح ماهية النظام السياسي المطلوب لسورية المستقبل. فما الذي حصل ولماذا تراجعت الجماعة عن ذلك؟ وهل كان موقفها الأول مجرد للاستهلاك والتورية؟ أو ما الأمر حقاً؟

وربما يفيد التوضيح هنا أنه لا يمكن أحداً، لا الإسلاميين ولا العلمانيين ولا القوميين ولا اليساريين الحديث عن الديموقراطية من دون إقامة دولة المؤسسات والقانون والمواطنين، الأحرار والمتساوين، لأنها لن تكون ديموقراطية للخداع أو للانتخابات أو للجماعات الهوياتية الطائفية والأيديولوجية، إذ لا ديموقراطية من دون حرية، ومن دون حقوق مواطنة للأفراد، حيث الحقوق فردية وليست جماعية، ولأن الافراد الأحرار، الذين يتمتعون بمكانة المواطنة، هم الذين يكوّنون المجتمع الحر، في حين العكس غير صحيح، ويطرح للتلاعب والمخاتلة.

قد يجدر التأكيد هنا على حق أي جماعة بتبني الأيديولوجية، أو الأفكار التي تريد، وهذا ينطبق على التيارات الإسلامية، أيضاً، فالحرية لا تتجزأ، لكن ليس من حق أي جماعة أن تفرض فكرها بالإكراه، أو بمعونة جهاز الدولة، على المجتمع، لذا من حق الجماعة في بيانها التأكيد أن «سقفها سوري وطني» وأنها تتمثل مرجعية الإسلام «الوسطي المعتدل»، كما من حقها ممارسة النشاط السياسي، مثل غيرها، بالوسائل الديموقراطية، ومن دون التحريض على العنف أو الكراهية أو التعصب إزاء الآخر المختلف.

ثمة إيجابيات في البيان طبعاً ضمنها نصه رفض «كلّ المنطلقات الإثنية أو الدينية أو المذهبية لتقسيم مجتمعنا. فالطائفة العلوية لا تتحمل كلّها مسؤولية ما تقترفه زمرة الأشرار. والإخوة الكرد مكوّن أصيل في مجتمعنا لهم كل الحقوق والضمانات».

لكن يلفت الانتباه في البيان المذكور تنصّل الجماعة من المسؤولية عن ما يجري في سورية، سيما ارتهان المعارضة لأطراف إقليمية معينة، أو تصدر الجماعات الإسلامية العسكرية المتطرفة (وضمنها جبهة النصرة تحديداً)، أو مسؤوليتها عن صبغ الثورة بصبغة طائفية ودينية، أو مسؤوليتها عن مآلات المعارضة وضمن ذلك تنصلها من المسؤولية أي حل قد توقع عليه، أو ترضى به، هذه المعارضة في آستانة أو جنيف.

فإذا كانت جماعة «الإخوان» في سورية لا تتحمل أي مسؤولية عن كل ذلك فمن الذي يتحمل؟ أو ما هو دورها إذاً في الثورة طوال السنوات الماضية؟ أيضاً، لماذا لم تتمسك الجماعة بوثيقة العهد والميثاق (2012)؟ ولماذا تركت للخطاب الطائفي والديني يتصدر الثورة، ما أضر بوحدة السوريين وبسلامة وصدقية ثورتهم، وأفاد النظام؟ أيضاً تقول الجماعة في بيانها أنها تصدّت «لمدارس الجمود والانغلاق ولدعوات الغلو في الدين والتطرف، كما لممارسات الإرهابيين»، فكيف حصل ذلك ومتى؟ ومن هي هذه المدارس؟ وهل تصدت الجماعة حقا لجبهة النصرة وأخواتها، التي نكلت بالثورة وبالجيش الحر، وفرضت مفاهيمها قسراً في المناطق التي تسيطر عليها؟ هل دحضت منطلقاتها الفكرية، المتعلقة بالحاكمية والحدود والخلافة والجهاد إلى يوم الدين والفسطاطين؟ هل كشفت الغطاء عن تغطيها بالإسلام واحتكارها تفسيره؟ المشكلة أن كل هذه الأمور لم تحصل حتى الآن، وحتى أن الجماعة لا يبدو أنها تدرك أن هذه النمط من الكيانات الإسلامية لم يضر بالثورة السورية فقط ومجتمعات السوريين (لا سيما «السنة»)، وإنما أضرّ بشرعية ومكانة مجمل التيارات الإسلامية المعتدلة، أو التي تقدم نفسها على انها كذلك، وفي مقدمتها الإخوان المسلمون ذاتهم.

المصدرالحياة اللندنية
رابط مختصر

عذراً التعليقات مغلقة