برهان غليون و”ثقافة المسؤولية”

آراء
يحيى العريضي29 يوليو 2017آخر تحديث : منذ 3 سنوات
برهان غليون و”ثقافة المسؤولية”
yahya aridi - حرية برس Horrya press

* يحيى العريضي

كتب الدكتور برهان غليون مقالاً في “العربي الجديد”، قارب الألفي كلمة، بعنوان “في الثورة السورية والمراجعة وثقافة المسؤولية” (24/ 7 /2017). يأتي هذا العنوان في فترة يكثُر فيها الكلام عن ضرورة إجراء مراجعة جادة لما حصل ويحصل في سورية، وتزداد أهمية مسألة المراجعة، عندما ترتبط بدعوة إلى تطوير ثقافة المسؤولية أساسا لعملية المراجعة المطلوبة، لكي يعرف السوري ماذا جرى وأين يقف، وأين يتجه.

برأي غليون “مُنيت الثورة والمعارضة التي تمثلها بخيبة كاملة”؛ حيث خذلها وربما خدعها المجتمع الدولي عندما “تبدّد دعمه للقضية السورية”. وأتت التدخلات العسكرية الإيرانية والروسية لتزيد الخيبة؛ كما أُصيبت قوى المعارضة بعلل كثيرة، في مقدمتها غياب “ثقافة المسؤولية” وانعدام “المراجعة” للمواقف والمسلكيات، أكان ذلك من المعارضة الرسمية بمؤسساتها، أم من المنشقين عن النظام.

يجري التركيز في المقال المذكور (قارب النصف) على أولئك الذين كانوا في صفوف النظام وانشقوا عنه، وضرورة تقديمهم مراجعاتٍ وتحلّيهم بثقافة المسؤولية، لكي يكون لهم قبول في صفوف المعارضة والثورة؛ وخصوصا إن أرادوا أن يكون لهم دور في سورية المستقبل.

الدكتور غليون محقّ بضرورة المراجعات؛ ويمكن اعتبار مقاله المطوّل هذا نوعاً من البوح والمراجعة، على الرغم من استخدامه “ضمير الغائب” أو “ضمير الشخص الثالث” أو “الآخر”، عند الإشارة إلى أي سلبيةٍ حدثت، ومنها تحديدا عدم وجود أي مراجعاتٍ أو أي تصرّف بمسؤولية. فهو يكتب: “لا نكاد نعثر على مساهماتٍ حاولت فيها النخب السورية أن تطرح سؤالاً عن مسؤوليتها، والسياسات التي طبّقتها؛ ولم تجرؤ على مناقشة خياراتها أو نتائج قيادتها؛ وإن فعلت، فلرمي المسؤولية على الآخر وتبرئة نفسها”. ومعروف أن غليون كان يوماً على رأس هذه المعارضة، كأول رئيس لجسد سياسي يمثل ثورة سورية ومعارضتها (المجلس الوطني السوري). ونذكر عندما تصرّف بشكل رئاسي presidential حيث رحّب كثيرون بذلك. حتى عندما أخذ الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية دور المجلس الوطني؛ كان غليون عضواً فيه؛ ليخرج لاحقاً بهدوء، ولكن من دون تقديم أي مراجعةٍ أو مثلٍ يتطلع إليه كثيرون لتعلُّم “ثقافة المسؤولية”؛ إلا إذا كان عهد الدكتور غليون خالياً من السلبيات، وليس عرضةً للمراجعة أو المسؤولية.

وفي سياق الحديث عن المسؤولية، يكتب الدكتور غليون: “لم يشعر مسؤول واحد بأن من واجبه أن يستجيب لهذه النداءات، ويقدم استقالته تعبيراً عن اعترافه بالفشل…” جميل أن يعترف الدكتور غليون بأن النداءات كانت كثيرة، وأن أحداً لم يستجب لها أو يستقل اعترافاً بفشله؛ ولكن السؤال هنا: هل كان خروج الدكتور غليون من قيادة المعارضة استجابةً لتلك النداءات، وإقراراً بالفشل، أم أن الخروج كان لأسباب أخرى؟ وممَّا يجدر ذكره في هذا السياق أن نائباً لرئيس “الائتلاف” تقدمت بمراجعة نقديَّة انطوت على اعتذاراتٍ، علماً أنَّها كانت من بين عداد من انشقوا عن النظام المجرم. ولم يكن هدفها من تقديمها تلك المراجعة براغماتياً أو ثأرياً.

هذا يقودنا إلى الحديث عن استرسال غليون، وإلحاحه بالتأكيد على ضرورة تقديم المنشقين عن النظام مراجعاتٍ ونقدا ذاتيا وحتى صكوك براءة، وإلا فلن يكون لهم مصداقية أو دور في الثورة والمعارضة، أو حتى في سورية المستقبل. وكأنِّي بالدكتور غليون يفترض أن أولئك من طينة النظام، وعلى دراية بكنهه وطبيعته وأساليبه؛ وهم مشاركون بما قام به في العقود الماضية من التاريخ السوري؛ وعليهم تقديم مراجعةٍ شاملة عن ذلك كله، وإلا فلا دور لهم.

ومن الأمور التي تستحق وقفة خاصَّة، تذكير الدكتور برهان غليون، بصفته مسؤولاً في الثورة والمعارضة، المنشقين بأنَّهم كانوا مع نظام الاستبداد؛ ولكنَّه، وبصفته أستاذاً في علم الاجتماع، ربما فاته أن هؤلاء يمتلكون من الجرأة الأخلاقية والتربية والإيثار ومعرفة الحق والواجب ما يكفي، كي يرفعوا رؤوسهم إلى أعلى عليين، والدليل مخاطرتهم بكل ما يملكون من حياة وسيرة وسمعة ورزق، وانضمامهم إلى صوت الحق وصرخة الحرية. ومن المؤكَّد أن غليون على دراية بأن أحداً لم يُجبر هؤلاء على البوح بمعاداتهم النظام، والتصريح بمعارضتهم له، وسخطهم على إجرامه؛ وأن بإمكانهم أن يؤثروا الصمت، كما فعل ملايين السوريين الذين خرجوا والتزموا الصمت، ولم يبوحوا بشيء، ولم ينضموا إلى صفوف الثورة والمعارضة.

وإن كان الأمر يتعلق بالدور، أو بأي طموح، فهذا بدايةً مشروعٌ، لكنه كان متوفراً لديهم من دون عناء أو مخاطرة تفوق التصوّر. زد على ذلك، وبخصوص الدور أيضاً، يعرف غليون أكثر من كثيرين أن بيان جنيف لعام 2012 اشترط للعب أي دور مستقبلي عدم تلوّث الأيدي بالدماء السورية؛ وكان يكفي هؤلاء أن يبقوا في أمكنتهم وبصمت، ككثيرين، ليحققوا هذا المعيار. أليس مجرد خروج هؤلاء من فكّي نظام الإجرام إدانةً له وصكّ شرف عَجِز كثيرون عن حمله؟!

وبالمناسبة، مَن كان بيده الكثير، مدنياً كان أم عسكرياً، وفضّل وقفة الحق والشرف على كل هذا الكثير، لا يتطلّع، وليس في وارد “دور” ضمن كل هذا الخراب وبعده؛ وخصوصا إن كان بصحبة مَن تسببوا به. كان بإمكان هؤلاء الرضى بما بين أيديهم وزيادته؛ ولكن الدنيا لا تُقاس فقط بالأدوار التي تشغل بال البعض. وإن كان هناك تحسّس من نوع ما نتيجة أحاديث عن مجالس مستقبلية ومبادرات فرنسية وغيرها، فالأمر لا يستلزم كل هذا الاستنفار والتوتر. مَن يجب أن يحكم سورية للأسف ما عادوا موجودين في عالمنا؛ فهم إما شهداء عند ربهم يُرزقون، أو في غياهب سجون الاستبداد؛ ولكن سورية ولاّدة، وستقوم بشبابها كطائر الفينيق. أما “المراجعة وثقافة المسؤولية” فهي حقٌّ وواجبٌ وضرورة، والأهم، فوق الجميع.

  • نقلاً عن: العربي الجديد
رابط مختصر

عذراً التعليقات مغلقة