النظام السوري يحصد نتائج اتفاقات أستانة: تهجير وتهميش لجنيف

فريق التحرير14 مايو 2017آخر تحديث : الأحد 14 مايو 2017 - 1:32 صباحًا

homs al waeer - حرية برس Horrya press

دخل اتفاق أستانة، والذي تمخّض عنه اتفاق روسي ــ تركي على ترسيم خرائط أربع مناطق سورية لـ”منع التصعيد” في غوطة دمشق ودرعا وإدلب وريف حمص، أسبوعه الثاني، ليبدو النظام في موقع المستفيد الأول في نواحٍ عدة، أبرزها أن الاتفاق سمح له باستكمال تهجير أهالي مناطق طوق دمشق من معارضيه، وتحديداً في برزة والقابون التي أعلن جيشه، بحسب إعلام النظام، السيطرة عليها أمس السبت. أكثر من ذلك، أتاح “مسار أستانة” العسكري، القائم على ثلاثي روسي ــ تركي ــ إيراني، وأد مسار جنيف السياسي، الهادف نظرياً إلى إيجاد آلية تنفيذية للانتقال السياسي، بدليل أن عرابة المسار، أي الأمم المتحدة، انصاعت لرغبات دمشق، وبدأت تقلل من أهمية الجولة المقبلة المقررة بين 16 و19 مايو/ أيار الحالي في سويسرا. أما النتيجة الثالثة لمسار أستانة، فتترجم بالنسبة لكثيرين على شاكلة تحليلات باحتمال تدخل عسكري تركي في إدلب يكون موجهاً ضد “هيئة تحرير الشام” (جبهة النصرة سابقاً)، التي تستثنيها هدن أستانة، وذلك عشية لقاء مرتقب بين الرئيسين الأميركي دونالد ترامب، والتركي رجب طيب أردوغان، على وقع استمرار تفضيل واشنطن لـ”حليف البرّ”، أي للقوات العسكرية الكردية، على حساب الحليف الأطلسي، تركيا.
وتتواصل محاولات النظام لاستغلال اتفاق مناطق “تخفيف التوتر”، بمواصلته سياسة تهجير السوريين من دمشق ومحيطها، ومحاولته نسف مسار جنيف التفاوضي، للتهرب من استحقاق الانتقال السياسي، والتركيز على مسار أستانة، والذي يتيح له فرض حلول على مقاس يبقي بشار الأسد في السلطة، في الوقت الذي لا يبدو فيه المشهد الميداني في حال أفضل، بعد أسبوع من بدء تطبيق اتفاق أستانة، إذ لم يطرأ تحسن واضح على حياة السوريين، ولم تتوقف محاولات الضغط على المعارضة السورية لإخلاء دمشق بشكل كامل، في خطوة تسبق الانقضاض على معقل المعارضة الأهم في غوطة دمشق الشرقية. وعلى الرغم من أن الأسبوع الأول من تطبيق اتفاق “أستانة 4” قد شهد انخفاضاً على صعيد الغارات الجوية، كما انخفضت وتيرة المجازر التي كانت تُرتكب بحق المدنيين، لكن قوات النظام، ومليشيات إيرانية تساندها، لا تزال تقوم بعمليات عسكرية في المناطق المشمولة بالاتفاق، والذي رفضته المعارضة السورية، لكنها لم تسع إلى تقويضه عسكرياً. وكان بدأ في السادس من مايو الحالي سريان اتفاق أستانة بشأن مناطق “وقف التصعيد” في سورية، وهو يشمل ريف إدلب والمناطق المحاذية في شمال شرقي ريف اللاذقية، وغربي ريف حلب، وشمال ريف حماة، كما يشمل شمالي ريف حمص في مدينتي الرستن وتلبيسة والمناطق المحاذية، إضافة إلى الغوطة الشرقية لدمشق، وجنوب سورية. ولم تتوقف الأعمال العسكرية لقوات النظام في المناطق المشمولة باتفاق أستانة، خصوصاً في ريف حماة الشمالي، وريف حمص الشمالي، وفي درعا. كذلك تمت، في الأسبوع الأول من الاتفاق، مرحلة جديدة من مراحل تهجير أهالي حي الوعر الحمصي الى الشمال السوري، حيث هُجر الخميس الماضي 1721 شخصاً، بينهم 573 امرأة، و641 طفلاً.

بموازاة ذلك، وبينما تشهد محافظة إدلب شمالي البلاد، والتي تعتبر المنطقة الأولى والأكبر والأكثر كثافة بالسكان بين المناطق الأربع لـ”تخفيف التصعيد”، هدوءاً حذراً، فإن حالة من الترقب تسود هناك، مع أنباء محتملة لدخول تشكيلات من الجيش التركي إلى المحافظة، فيما استبقت “هيئة تحرير الشام” ذلك، بحشد أنصارها، لمواجهة هذا الأمر. وقالت مصادر محلية في إدلب إن خطباء ورجال دين، تابعين إلى “هيئة تحرير الشام”، قاموا بتوجيه خطب صلاة الجمعة للحديث عن تدخل تركي متوقع في محافظة إدلب ضد تشكيلات “الهيئة”، بالاستعانة بفصائل أخرى. وكانت تقارير إعلامية ومصادر محلية تحدثت عن أنه تم رصد تحركات للقوات التركية في عدة مناطق داخل الأراضي السورية على الشريط الحدودي في منطقة أطمة على الحدود الإدارية بين حلب وإدلب. وتواردت أنباء، غير مؤكدة حتى اليوم، بأن الجيش التركي بدأ ببناء قاعدة عسكرية في منطقة جبل سمعان المطلة على بلدات أطمة ودارة عزة وترمانين. وهاجم خطباء المساجد في مناطق سيطرة “هيئة تحرير الشام” ما وصفوه بـ”التدخل التركي والسعي لإعادة الخلافة العثمانية”، كما وصفوا أردوغان بـ”الفاسق”، ودعوا المدنيين إلى “الوقوف في وجه التدخل التركي”. وكانت “هيئة تحرير الشام” قد وصفت، في بيان قبل أيام، اتفاق “خفض التصعيد” الموقع في العاصمة الكازاخية أستانة، بضمانات روسية وتركية، بأنه “خيانة ومؤامرة”، في حين أصدرت فتوى بقتال أي قوة عسكرية تحاول دخول محافظة إدلب.

على صعيد آخر، قال نائب مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى سورية، رمزي عز الدين رمزي، إن المنظمة تتطلع لمساهمة إيجابية من الحكومة السورية في محادثات جنيف المقبلة. وكان رمزي قد وصل إلى دمشق أمس السبت، واجتمع مع نائب وزير خارجية النظام السوري، فيصل المقداد، لبحث التحضيرات للمحادثات المقبلة. وقال رمزي إنه لن يكون هناك محادثات مباشرة بين الحكومة السورية والمعارضة، مضيفاً أن الاجتماع سيكون قصيراً ومركزاً. وكان المبعوث الأممي إلى سورية، ستيفان دي ميستورا، قد صرّح بأن جولة جديدة من محادثات “التقارب” بين وفدي الحكومة السورية والمعارضة ستجرى في جنيف، في الفترة بين 16 و19 مايو/ أيار، لاستغلال التطورات الإيجابية بعد اتفاق أستانة. وأحد الاتفاقات التي تضمنتها مذكرة أستانة هي تبادل الأسرى بين الجانبين. وقال دي ميستورا إن هذه النقطة تم الانتهاء منها تقريباً.

ويرى المحلل العسكري، العقيد مصطفى بكور، أن اتفاق أستانة “يعتبر من أسوأ الاتفاقات التي يمكن أن تؤثر سلباً على مسيرة الثورة السورية، لأنه أعطى شرعية دولية للوجود العسكري الروسي والإيراني”. وأعرب عن قناعته بأن “الاتفاق مدخل لإثارة الاقتتال الداخلي بين فصائل الثورة السورية، عن طريق وضع مقاتلة هيئة تحرير الشام كبند رئيسي، ووضعها في نفس البوتقة مع داعش”. وأشار بكور، في حديث مع “العربي الجديد”، أن الاتفاق “جاء في مرحلة حرجة للنظام، ويعتبر مخرجاً له في ريف حماة الشمالي، الذي تُرك منفرداً يواجه القوة العسكرية الروسية والإيرانية والأسدية، من خلال جيش العزة وجيش النصر وبعض الفصائل الصغيرة الأخرى”. وأشار المحلل العسكري إلى أن الاتفاق بمثابة “طوق نجاة” للنظام من معركة “كان من المفترض أن تبدأ في الساحل وحلب ومناطق أخرى، وكانت ستكون مؤثرة بشكل قوي فيما لو تمت”، معتبراً أن الاتفاق “فرصة للنظام لاستكمال تهجير المناطق المحاصرة من خلال المصالحات التي يتم إبرامها في العديد من المناطق، والتقاط أنفاسه، وفرض الحصار على مناطق أخرى”، وفق قوله. وواصل النظام سياسة التهجير الممنهجة خلال سريان الاتفاق، إذ هجّر مقاتلو المعارضة وعائلاتهم من أحياء برزة والقابون وتشرين، ما يضمن للنظام “تأمين العاصمة”، في خطوة تسبق عملية عسكرية متوقعة لإخضاع الغوطة الشرقية تحت ذريعة مقاتلة “هيئة تحرير الشام” كما نص اتفاق أستانة على ذلك. وذكرت وسائل إعلام موالية للنظام أن قوات النظام استعادت السيطرة بالكامل على قاعدة الجراح الجوية في ريف حلب الشرقي من يد تنظيم “داعش” بمساعدة قصف جوي نفذته طائرات روسية وسورية.

سياسياً، اختتمت الهيئة العليا للمفاوضات اجتماعات لها في مقرها بالعاصمة السعودية الرياض، وصفتها مصادر في الهيئة بأنها “تقييمية” للجولة الماضية من المفاوضات، إضافة إلى بحث استعدادات وفد المعارضة المفاوض للجولة السادسة من مسار جنيف المقررة في 16 الشهر الحالي. وقال مصدر مطلع، لـ “العربي الجديد”، إن الهيئة “أكدت التمسك بالقرارات الدولية الناظمة للحل في سورية، ورفض كل محاولة للخروج عنها، خصوصاً ما تقوم به روسيا عبر أستانة وغيرها”. وكانت الهيئة قد أعلنت تشكيل وفد للمفاوضات المقبلة، ضم نفس الوفد السابق، وعلى رأسه نصر الحريري رئيساً للوفد والمتحدث الوحيد في المؤتمرات الصحافية داخل الأمم المتحدة، على أن يكون سالم المسلط هو المتحدث الرسمي باسم الهيئة العليا للمفاوضات. كما ضم كلاً من نائب رئيس الوفد المفاوض، أليس المفرج، وكبير المفاوضين، محمد صبرا، وكلاً من الأعضاء محمد علوش، ونشأت طعيمة، ومحمد شمالي، وراكان دوكان، وخالد آبا، وفؤاد عليكو، وزياد الحريري، وبسمة قضماني، وعبد الأحد اسطيفو، وعبد المجيد حمو، وهيثم رحمة، وأحمد عثمان، وخالد النابلسي، وبشار الزعبي، ومعتصم الشمير، وفاتح حسون، وخالد المحاميد.

وبات من الواضح أن مفاوضات جنيف غير مقبلة على اختراق من شأنه تسريع خطوات الحل السياسي، في ظل استمرار النظام في رفض تنفيذ قرارات دولية تدعو إلى انتقال سياسي. وأكد رئيس النظام بشار الأسد، في لقاء تلفزيوني، أنه غير مستعد لتقديم ما سماه “تنازلات”، واصفاً مفاوضات جنيف بـ”لقاء إعلامي”، في تأكيد جديد على نية النظام وحلفائه وأد مسار جنيف، وتفعيل مسار أستانة لفرض حل على مقاس النظام يحقق مصالح الروس والإيرانيين في سورية. وقال أحد مستشاري وفد المعارضة المفاوض، لـ”العربي الجديد”، إن “إعادة تأهيل النظام مستحيلة”، مشيراً إلى أن الروس “ماضون في سياسة تتفيه جهود المجتمع الدولي”، مشدداً على أن أي حل لا يقوم على أساس انتقال سياسي حقيقي “لن يرى النور”، مشيراً إلى أن وفد المعارضة سيكرر طلبه بمفاوضات مباشرة مع وفد النظام في جنيف 6. ويبذل دي ميستورا جهوداً لإقناع النظام بالعودة إلى طاولة التفاوض في جنيف، إذ ذكرت مصادر إعلامية أنه أرسل رمزي إلى دمشق لهذه الغاية.

  • نقلاً عن: العربي الجديد

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

    عاجل