“العربي الجديد” تكشف.. أسرار انضمام 121 انتحارياً إلى داعش

صحافة
فريق التحرير28 مارس 2016آخر تحديث : منذ 4 سنوات

منذ 3 أعوام، تنتظر عائلة الانتحاري المصري أبو الحارث، اتصالاً لم يأت بعد، يعلمها بالمصير الغامض لابنها، منذ أن رحل تاركا بلاده التي خرج من سجونها بعد ثورة يناير، متوجها إلى تركيا، وقرب حدودها أجرى آخر اتصال مع أسرته، ليخبرهم بنيته دخول سورية، “من أجل الالتحاق بدولة الخلافة”، كما قال في المكالمة هاتفية التي لم تتكرر كثيرا مع والده.

ترك أبو الحارث وراءه زوجة وطفلا، لا يعرفان إن كان على قيد الحياة، أم فجر نفسه، إذ ملأ الشاب استمارة انتساب لوحدة “الاستشهاديين”، ما يجعله واحداً من بين 121 انتحارياً انضموا إلى تنظيم الدولة، خلال الفترة من منتصف العام 2013، وحتى نهاية العام 2014، بحسب استمارات التنظيم المسماة بـ”بيانات مجاهد”.

من أين جاء انتحاريو داعش؟

تضم استمارات انتحاريي داعش، 23 خانة، تبدأ بالاسم واللقب ثم الكنية، وتنتهي بتاريخ القتل والمكان والملاحظات. وعبر تحليل مضمون 121 استمارة، تم تسريبها ضمن ملف يحمل اسم “الشهداء”، حصلت عليه “العربي الجديد”، عبر موقع زمان الوصل السوري، يظهر انضمام انتحاريين من 20 دولة إلى فئة “الاستشهاديين”، وتأتي السعودية على رأس قائمة الدول التي سجل مواطنوها بياناتهم لدى التنظيم من أجل التدرب والقيام بعمليات انتحارية، إذ اختار 32 سعودياً فئة استشهادي من بين خيارات مقاتل أم استشهادي أم انغماسي، كما اختار أغلبهم تعريف جنسيته بـ”جزراوي”، نسبة إلى الجزيرة العربية أو استخدام لفظ بلاد الحرمين في بعض الأحيان.

في المركز الثاني، جاء التونسيون بعدد 25 انتحاريا، وفي المركز الثالث يحل المغاربة بعدد 18 انتحاريا، وجاءت مصر في المركز الرابع بعدد 12 انتحاريا، وتلتها ليبيا وسورية في المركز الخامس بعدد 7 انتحاريين لكل بلد منهما، وفي المركز السادس جاءت إسبانيا بعدد 4 انتحاريين، وفي المركز السابع لبنان بعدد 3 انتحاريين، وفي المركز الثامن الكويت بعدد انتحاريين. وجاءت دول تركيا وايطاليا وفرنسا وألمانيا وأوزبكستان وأفغانستان والسودان والجزائر والأردن وفلسطين واليمن، في المركز الأخير، بعدد انتحاري واحد لكل دولة.

بالنسبة للخبير بشؤون الجماعات الإسلامية والقاعدة، حذيفة عبدالله عزام، فإن الأرقام السابقة طبيعية، مفسراً إياها بأن “استراتيجية التنظيم تلخص في العراقي للتفكير (قادة التنظيم)، والتونسي للتكفير (شرعيو داعش)، والسعودي للتفجير (الجنود والانتحاريون)”، لافتاً إلى أن قلة عدد الانتحاريين العراقيين أو السوريين ترجع إلى التحاق عديدين بالتنظيم في البلدين، مضطرين او مكرهين، على حد قوله.

أما مستشار المركز العراقي للدراسات الاستراتيجية، الدكتور يحيى الكبيسي، فيشير إلى أن الأمر يرجع إلى طبيعة التدين العراقي، قائلاً “عدد قليل من العراقيين، تورطوا في التفجيرات الانتحارية تاريخياً، لأن التدين العراقي طقوسي، لم يدخل إلى العمق أو التضحية بالنفس كما يحدث في دول أخرى مثل مصر أو السعودية”.

ندرة الفلسطينيين

يفسر الدكتور مروان شحادة، ندرة عدد الفلسطينيين بين انتحاريي داعش، بأنهم أكثر التصاقا بواقعهم، ولا يرغبون في تفجير أنفسهم في مسلمين آخرين، مثلما يحدث من قبل انتحاريي تنظيم الدولة، الذين تكشفت ممارساتهم عبر العديد من المنشقين عنهم، قائلا لـ”العربي الجديد”: “وعي الشباب الفلسطيني كبير وعدوهم واضح وهو المحتل الصهيوني”. بينما يضيف الباحث في الشؤون الفلسطينية رامي سلامة، إلى الأسباب السابقة، عامل الحضور التاريخي والفاعل للفصائل والمنظمات الفلسطينية في المجال العام عكس باقي الدول العربية، التي تتسم الأحزاب التقليدية فيها، بضعف جماهيريتها، ومصادرة المجال العام من قبل الأنظمة السياسية.

الصفات المشتركة للانتحاريين

باستخدام 4 عوامل هي العمر والمستوى الدراسي والحالة الاجتماعية والمستوى التعليمي، توصل معد التحقيق إلى أن 69%، من إجمالي الانتحاريين الـ(121)، من العازبين، وتكررت ذات النسبة (69%)، في تحليل المستوى العمري للانتحاريين، والذي جاء تحت الثلاثين عاما، بينما تم تصنيف 72% منهم بأن مستواهم الشرعي (درجة العلم الديني) من فئة “بسيط”، وتبين من تحليل المستوى التعليمي أن 74% من الانتحاريين يحملون الشهادة الثانوية أو الجامعية.

“لست مفاجأً”، هكذا رد محمد المختار الشنقيطي، أستاذ الأخلاق السياسية في مركز التشريع الإسلامي والأخلاق بجامعة حمد بن خليفة، بعدما سمع نتائج تحليل مضمون استمارات انتحاريي تنظيم الدولة. ويرجع الشنقيطي سر عدم شعوره بالمفاجأة إلى أن دراسات سابقة للمتهمين بتنفيذ عمليات 11 سبتمبر 2001، تتوافق مع ما توصل إليه معد التحقيق حول المستوى التعليمي والاجتماعي والعمري والشرعي، مشيراً إلى أن جميع المتهمين في أحداث سبتمبر دراساتهم العلمية معاصرة باستثناء السعودي عبدالعزيز العمري، والذي كان تكوينه شرعيا.

اللافت أن أعمار الانتحاريين السعوديين (26 انتحارياً) جاء أغلبها ضمن فئة من هم دون الثلاثين، بينما جاء التونسيون في المركز الأول لمن هم دون الأربعين وعددهم 10 انتحاريين من بين 25 تونسياً.

ويتفق الدكتور مروان شحادة، الخبير في تحولات الحركات الجهادية، مع ما كشفه التحقيق حول الفئة العمرية للمنضمين إلى فئة الانتحاريين قائلاً لـ”العربي الجديد”: “بالتأكيد من يتم استقطابهم هم من الفئة العمرية ما بين 16 و26 عاماً وهذا الأمر له دلالته من الناحية السيكولوجية، إذ إن هؤلاء الشباب يكونون في طور تشكيل شخصياتهم، وغياب النضج، والشخصية الثورية الراغبة في التضحية بنفسها في سبيل فكرة ما يسهل إقناعها والتأثير عليهم بها كحلم الخلافة”.

وعبر تحليل المستوى الدراسي للانتحاريين يتضح أن 50 من بين العدد الإجمالي للاستمارات (121)، من الحاصلين على الشهادة الثانوية، و40 من الحاصلين على الشهادة الجامعية أو يدرسون في الجامعة، فيما كان عدد الحاصلين على الشهادة الابتدائية 28 انتحاريا، ولم يسجل 3 مستواهم التعليمي.

ويأتي في المستوى الأول في التحصيل الدراسي، الانتحاريون السعوديون بإجمالي 31 انتحارياً حصلوا على الشهادتين الثانوية أوالجامعية من بين إجمالي الانتحاريين السعوديين وعددهم 32 انتحارياً، ويليهم التونسيون بإجمالي 19 انتحارياً حصلوا على الشهادة الثانوية أو الجامعية، لكن الملاحظة الفارقة هي أن الانتحاريين المغاربة كان أغلبهم من الحاصلين على الشهادة الابتدائبة وعددهم 13 من بين 18 انتحارياً مغربياً.

يتداخل الشنقيطي قائلاً “خالد شيخ محمد، الذي اعترف بأنه العقل المدبر لأحداث سبتمبر 2001، درس في “كلية شوان”، وهي مدرسة معمدانية مسيحية في ولاية نورث كارولينا. ومنها انتقل إلى الجامعة الزراعية والتقنية في الولاية نفسها”. وهو ما يشير إلى أن الربط بين المستويات التعليمية الدنيا والاجتماعية البسيطة ومثل هذه الأعمال، خاطئ تماما ومتحيز.

ويكشف المستوى الديني عن طبيعة التحصيل الشرعي للانتحاريين، إذ تم تسجيل 87 من بين 121 انتحاريا، بأن مستواهم الشرعي بسيط، ويلي ذلك فئة المتوسط والتي حصل عليها 19 انتحارياً، فيما لم يسجل 10 انتحاريين مستواهم الشرعي، وتم اختيار 5 بأنهم في المستوى الأعلى المعروف باسم طالب العلم.

ويوضح الباحث المختص في شؤون الحركات الإسلامية، حسن أبو هنية، بأن عدم وجود “طلاب علم شرعي” بين “استشهاديي” داعش يرجع إلى أن المتعمقين في العلم الشرعي، أقل قابلية للانتحار ممن لديهم تكوين علمي بحت، إذ لديهم قدرة على التعمق والنقاش في مدى جواز هذا العمل من عدمه.

وكانت الملاحظة الهامة في عامل الحالة الاجتماعية، هي التباين الهائل بين المتزوجين والعازبين، في كل من السعودية وتونس، إذ إن 4 فقط من بين الانتحاريين السعوديين هم من المتزوجين فيما تم تسجيل 24 انتحاريا من العازبين، و4 لم يسجلوا حالتهم الاجتماعية. أما التونسيون، فكان من بينهم 1 فقط من المتزوجين، و20 من غير المتزوجين ولم يسجل 4 حالتهم الاجتماعية.

وبحسب أبو هنية فإن دلالة غلبة غير المتزوجين على الانتحاريين، ترجع إلى كون أعمار الانتحاريين بين (16 و26)، وهي ليست سن الزواج الغالب، كما أن التنظيم يفضل غير المتزوجين لتنفيذ مثل هذا النوع من العمليات، إذ يسهل إنهاؤهم لحياتهم دون تردد.


هل الانتحاريون من العاطلين والفقراء؟

للإجابة عن السؤال السابق، وثق معد التحقيق وظائف الانتحاريين السعوديين الذين يأتون في المركز الأول، وتبين أن من بينهم 13 “استشهاديا” يعملون في وظائف حكومية أو في شركات، قال أحدهم إنه يعمل في إدارة الفنادق، ودوّن انتحاري أنه يعمل موظف خدمات أرضية في المطار، وذكر اثنان أنهما عسكريان، أما التونسيون فيتمتعون بوظائف أكثر تميزا، فمنهم من سجل أنه لاعب كرة قدم ومدرب لياقة، وكذلك آخر سجل أنه إعلامي، كما سجل انتحاريون وظائف مثل مصمم حاسب، وفني طباعة. وغلبت وظيفة التجارة على التونسيين إذ سجل العديد منهم عمله بها. المثير للدهشة أن وظيفة إمام مسجد غابت في كل الجنسيات ما عدا التونسيين، إذ سجل أحدهم أنه إمام مسجد.

أما المغاربة فغلب عليهم العمل بالمهن اليدوية مثل عامل جبص ومعلم زليج (مسؤول ورشة سيراميك)، وميكانيك، وهو ما تكرر في حالة الانتحاريين السوريين، وتنوعت وظائف المصريين بين المحاماة وفني تحاليل طبية والزراعة، وعادت الوظائف العسكرية مع الليبين إذ قال أحدهم إنه عمل شرطيا، وذكر آخر أنه عمل مهندس صوت بإذاعة التوحيد التابعة لتنظيم أنصار الشريعة بسرت. وتجمع وظائف الانتحاريين اللبنانيين الثلاثة الذين تم كشف بياناتهم ضمن ملف “الشهداء”، بين هندسة الكمبيوتر، وهو تخصصهم الدراسي ما يشير إلى علاقة ما تربط بين الانتحاريين الثلاثة.

أما الانتحاريون المنتمون إلى الدول المتفرقة فكانت وظائفهم في الطبخ مثل الانتحاري الفرنسي المكنى بخطاب الفرنسي، أو تصميم الغرافيك مثل أبو أسيد الزرقاوي الأردني، أو العمل في بيع الشوكولاته مثل أبو أنس الشامي الفلسطيني، والعمل في التدفئة المركزية والغاز مثل الانتحاري أبو قتادة التركي.

وينقض الشنقيطي الربط الخاطئ ما بين الفقر والبطالة وارتكاب الأعمال الانتحارية قائلا “من نفذوا 11 سبتمبر، وغيرها من العمليات في مختلف أنحاء العالم، ليسوا من طبقات فقيرة، العديد منهم من شرائح متنوعة من الطبقة الوسطى وبعضهم من الأغنياء”.

أما مروان شحادة فيرى أن العائد المادي ليس له قيمة في حال عمل الانتحاري على الخلاص من حياته، قائلا “الأمر فقط متعلق بالجنة والحور العين، ومن يفجرون أنفسهم بعضهم لديه وظائف عائدها المادي كبير”.

ويتداخل الباحث أبو هنية، مؤكداً أن انتحاريي أوروبا كلهم من الطبقات الوسطى وليسوا من الطبقات الدنيا أو الفقراء، مشيرا إلى دراسة “شهداء الله الجدد” للأنثروبولوجي الإيراني المقيم في فرنسا فارهاد خوسروخافار، تتطابق مع نتائج استقصاء “العربي الجديد”، في هذا الشأن.

مطالب وطرائف “المقبلين على الموت”

في استمارة عضويته، يشتكي الانتحاري اللبناني أبو عبيدة اللبناني من ضعف نظره وعدم الرؤية ليلا، كما أنه لا يعرف سوى قيادة السيارات الأتوماتيكية، وهو ما يعد من أطرف مطالب وملاحظات شهداء حلم الخلافة، لكن السوري عبدالله بن عبدالرحمن، كتب ملاحظة شديدة الغرابة، إذ قال إنه يعاني من شظايا تؤلمه في رأسه راجيا عدم تأخيره في تفجير نفسه. بينما وضع السوري أبو الخير المهاجر رقم هاتف لتواصل التنظيم مع أخيه عبر برنامج المحاثات واتساب كما قال.

أما السعودي خطاب الجزراوي فقال إنه ليس متدرباً، لكنه شارك بما سماه “الغزوات” لوصف خبرته القتالية. وطالب سعودي آخر بتحويل كنيته من أبوجوري الغامدي إلى أبو جهاد.

ولدى سؤاله هل سبق لك الجهاد؟ رد الإيطالي أبو رواحه: نعم جهاد النفس، وهو غير المقصود بالطبع من السؤال الذي يتحدث عن الخبرات العسكرية. أما خطاب الفرنسي فطالب بعدم الاتصال بأهله حتى بعد الموت لأنهم سيعرفون بموته إذا انقطع اتصاله بهم على حد قوله.

وكشف أبو موسى التونسي أن جواز سفره الذي قدمه للتنظيم مزور، وقال في خانة الملاحظات إن اسمه غير ذلك، واشتكى مواطنه أبو عبدالرحمن التونسي من ضعف نظره. وطالب الانتحاري معاوية الليبي، بأن يخبر أهله بمقتله دون أن يذكر أنه في عملية انتحارية، بينما ترك المصري أبو بسام 5 أرقام تلفونية للاتصال به بعد موته، وهو ما لم يتكرر كثيرا، إذ يكتفي الانتحاريون في أرقام التواصل في استماراتهم، بذكر رقم أو اثنين.

معاناة أهل الانتحاريين

عبر تتبع أرقام هواتف ذوي الانتحاريين، وثق معد التحقيق إغلاق بعضها، أو رنين البعض الآخر دون رد لفترات طويلة، غير أن عددا ممن ردوا على هواتفهم وقبلوا الحديث لـ”العربي الجديد”، كان سؤالهم الرئيسي: “هل ابننا على قيد الحياة أم مات”، مع التشديد على عدم ذكر أي تفاصيل عنهم. من بين هؤلاء والد انتحاري مصري، طلب عدم وضع أي بيانات تربطه بابنه بسبب صعوبة الأوضاع الأمنية.

لم يخف الوالد حزنه الشديد على مصير ابنه الشاب، ملمحا إلى تكفيره لهم قبل سفره إلى سورية، قائلاً “فقط أتمنى أن أعرف مصيره”، وهو نفس ما قاله شقيق انتحاري ليبي، انقطع عن أهله قبل عامين بعد انضمامه إلى تنظيم الدولة، “وحتى في مكالمته الوحيدة هدد أهله بأن عدم مساندتهم لدولة الخلافة تجعلهم مرتدين يستحقون الموت” كما يقول شقيقه قبل أن يقطع الاتصال مع “العربي الجديد”.

خداع داعش للانتحاريين

بحسب فيديو موثق للانتحاري المصري أبو اليسر، محمود عبدالجبار، فإن تنظيم داعش عرض عليه تنفيذ عملية استشهادية، في الجيش السوري، غير أن المصري السبعيني، اكتشف وهو في مدينه حارم، أن المنطقة التي كان من المقرر أن يفجر نفسه بها تابعة لأحد الفصائل السورية المعارضة وليس لجيش الأسد كما روى له أبو أيوب التونسي الذي دعاه لتنفيذ العملية. تكرر الحادث السابق مع الانتحاري السعودي المنتمي إلى داعش أبو طلحة، والذي قال في فيديو موثق، إن داعش دربه على تفجير انتحاري في جبهة النصرة، “المرتدين والمتورطين في اغتصاب أخوات”، على حد قوله.

يمكن الربط بين ما قاله الانتحاريان السابقان، والانتحاري أبو مصعب التونسي، والذي روى في فيديو منشور على موقع “اليوتيوب” أن داعش يمارس ما سماه تغييباً إعلامياً، على المقبلين على الموت، وخداعهم باستغلال عواطفهم الدينية لإقناعهم بأنهم يفجرون أنفسهم في أماكن ليس بها نساء أو أطفال بل فيها فقط من يصفونهم بـ”المرتدين”.

ويكشف حذيفة عزام أن مصير من يرفضون القيام بهذا العمل، إما التصفية بتهمة العمالة وخيانة البيعة الكبرى، أو إرساله إلى جبهة مشتعلة أو محتدمة وشاقة مثل الأنبار أو صلاح الدين. وقال “في البداية كان الأمر يتم على حسب الرغبة، لكن الأمر تطور إلى إلزام بعض الأشخاص بالقيام بهذا العمل، بذريعة أن في عنقهم بيعة كبرى لا خيار للمبايع فيها على نفسه وفقا لما كشفه بعض المنشقين عن التنظيم مؤخرا”.

وأكد خبير الحركات الجهادية أن الذين يقومون بهذه الأعمال كان يتم تدريبهم في السابق في معسكرات داعش في الرقة وتل أبيض، عبر كوادر التنظيم المنتشرة في تلك المناطق المحاذية للنظام.

ويضيف الباحث أبو هنية إلى ما سبق أن الانتحاريين يتم ضمهم إلى كتيبة خاصة بهم، ويتم تجهيزهم وتدريبهم، ووضع سيناريوهات مختلفة للعملية، إذ قد يتراجع الانتحاري في آخر لحظة وهو ما يجعل التنظيم يعمل على تثقيفه وتدريبه قائلا هي عبارة عن 3 مراحل، التثقيف والتدريب والتجهيز للقيام بالعملية.


لماذا ينتحرون؟

يرجع المختار الشنقيطي سبب انضمام هؤلاء الشباب إلى انتحاريي داعش، إلى شعورهم بالظلم داخل البلدان التي يأتون منها، أو بسبب غزو خارجي، مستشهداً بكتاب الموت من أجل النصر: المنطق الاستراتيجي للعمليات الانتحارية الإرهابية، مشيراً إلى أن مؤلف الكتاب روبرت بيب، قام بدراسة العمليات الانتحارية منذ الثمانينيات حتى العام 2005، وتوصل إلى هذين السببين (الظلم والتهميش الداخلي والغزو الخارجي)، منذ انطلاق هذه العمليات بقوة من قبل نمور التاميل في سريلانكا.

ويتابع الشنقيطي تحليله قائلاً “هؤلاء الشباب مشحونون بالغضب ويشعرون بالظلم، ويمتلكون ثقافة شرعية بسيطة ومندمجون في العالم المعاصر عبر تعليمهم ووظائفهم ومجتمعاتهم، ما يسهل إقناعهم بالانتحار من أجل أفكارهم، بينما لو كان لديهم ثقافة شرعية رصينة يترددون ويتحفظون على الأمر، الربط الإعلامي المتحيز بين الدراسات الشرعية الإسلامية وتلك الأعمال خاطئ علميا بشكل تام”.

تطويع النص لإباحة العمليات

يرى الدكتور معتز الخطيب، أستاذ المنهجية والأخلاق في كلية الدراسات الإسلامية بالدوحة، أن ظاهرة العمليات الانتحارية قديمة وسابقة على السياق الإسلامي الحالي، فقد ظهرت في اليابان أثناء الحرب العالمية الثانية، فيما عُرف بعمليات الكاميكازي (قام طيارون انتحاريون بتفجير طائراتهم بتوجيهها إلى الأساطيل الأميركية)، وكذلك استعملت من قبل نمور التاميل في سريلانكا، وحزب العمال الكردستاني وغيرها.

وقال الخطيب في تصريحات خاصة لـ”العربي الجديد”: “أما في السياق الإسلامي فالمسألة ترجع إلى سياق المقاومة الفلسطينية التي استعملت هذا النوع من العمليات، وحصل جدل حول شرعيتها، وكان الشيخ القرضاوي أول من أفتى فيها، ولكن ليس بشكل مطلق، أي أنها ليست هدفا في ذاتها، وإنما وسيلة للمقاومة، إن لم يتعين غيرها، وأنها راجعة لتقدير السياسيين”.

وتابع الخطيب “بعض كبار علماء السلفية ضد جوازها، وعلى رأسهم عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ مفتي السعودية. ولكن أصل الفكرة يرجع إلى مسألة مقررة في كتب الفقه الإسلامي، وهي (الانغماس في العدو) وحقيقته: أن المسلم الواحد له أن يهجم على صف الكفار ويقاتل وإن علم أنه يقتل”.

وتابع “الإشكال في هذا أنه يجب التفريق بين: الانغماس وبين العمليات الانتحارية. لأن المسألة عند الفقهاء مرتبطة بجملة أمور: وسيلة لهدف ومقصد مشروع، وهو “الإثخان في الكفار” وتحقيق “النكاية”. وأنها تكون في ممارسة “الجهاد”، وليس في ممارسة فئة أو جماعة تزعم الجهاد، وأنها تكون في الكفار المحاربين، وليس فيمن تكفرهم هذه الجماعة أو تلك. وليس في كل كافر، بل الكافر المعتدي فقط. فما تقوم به هذه الجماعات لا علاقة له حقيقة بمسألة الانغماس الفقهية هذه”.

ولفت إلى أن الفكرة الرئيسية لكون المستوى الشرعي للمنضمين إلى كتيبة الانتحاريين، بـ”البسيط”، ترجع إلى أن غير المتعمقين في علوم الشريعة أو المبتدئين فيها أو الذين ليس لديهم اطلاع عليها يسهل التحكم فيهم والسيطرة عليهم، لخلوهم من معلومات سابقة مخالفة لما يُملى عليهم. ومن ثم يسهل تلقينهم وتوظيفهم وتوجيههم”. وتابع موضحا”: “هؤلاء أدعى للاستجابة، لأنها استجابة خالي الذهن. ومساحة العقل متراجعة على حساب مساحة القلب والطمأنينة اليقينية لفكرة يؤمنون بها حتى النخاع، على عكس من عنده علم سابق (تقليدي)، إذ يصعب إقناعه بأفكار مخالفة للتقليد الإسلامي”، ولفت إلى أن أفكار داعش لا تتوافق مع التقليد الفقهي الإسلامي، بل هي خارجة على التقليد نفسه، ولا تتوافق مع الفكر الحديث. ولذلك يغلب على الأميين دينيا أو المسلمين الجدد أو التائبين الانضمام إليهم”.

صور الانتحاريين النمطية

يتفق الباحث الأردني أبو هنية، مع نظيره الموريتاني المختار الشنقيطي، في أن الظاهرة لا يمكن ربطها بالإسلام، إذ استخدمت بكثرة لدى التاميل ومليشيا حزب العمال الكردستاني اليساري في تركيا وفي اليابان ضد الحلفاء في الحرب العالمية الثانية وغير ذلك من الحركات السياسية والعقائدية.

ويحذر الباحث أبو هنية من الصورة النمطية الخاطئة وغير العلمية والتي تدور حول أن الانتحاريين من الفقراء والعاطلين، مرجعا الأمر إلى ارتباط بعض مراكز الدراسات بأجهزة أمنية او تبنيها لأفكار أنظمة سياسية وغياب الاستقصاء في ما يتعلق بالحالة الدينية الإسلامية. وهو ما يؤيده الدكتور الكبيسي، قائلاً “الاستسهال في وصم هذه الحركات ومنتسبيها بالانفعالية وأنها تضم المهمشين والفقراء، سببه الهروب من الأسباب الحقيقية وراء بروز هذه الظاهرة”.

المصدر: العربي الجديد

رابط المقال من المصدر: https://www.alaraby.co.uk/investigations/2016/3/28/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%AF%D9%8A%D8%AF-%D8%AA%D9%83%D8%B4%D9%81-%D8%A3%D8%B3%D8%B1%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%86%D8%B6%D9%85%D8%A7%D9%85-121-%D8%A7%D9%86%D8%AA%D8%AD%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%A7-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D8%B4

fd51ec6e-9a8c-4af3-8101-8536537caac1
رابط مختصر

عذراً التعليقات مغلقة