ساحات المدن

2016-11-03T17:57:24+02:00
2016-11-03T22:45:08+02:00
آراء
فريق التحرير3 نوفمبر 2016آخر تحديث : منذ 4 سنوات
ساحات المدن
عبد الحفيظ الحافظ
* عبد الحفيظ الحافظ

الوطنية تحصّن المواطن الفرد ضد السلوك العدواني الإقصائي ، وتطرد الحرب خارج الساحة، “خارج أسوار المدينة”. فالوطنية نفسها تحتفظ بحق التعارض والاختلاف في المجال السياسي ، وتضمن التوافق على ما يجمع من أهداف وطموحات مع وضع معايير لخدمة هذه الأهداف بشكل أفضل ، وتغدو تداول المسؤولية سلميّاً وموضوعياً بعد ذلك .

لتصبح الدولة جوهر العقد الاجتماعي ، ولتصبح السلطة الأداة المعبرة والمتغيرة من أجل تنفيذ ما اتفق عليه ، لا يملك عضو السلطة في وضع كهذا أية صفة خاصة غير مسؤوليته عن تنفيذ ما انعقد عليه الأمر ، ومصيره مرهون برضا ناخبيه ، بالتالي لا يملك صفة القداسة ولا الديمومة والأبدية ولا حرق البلد .

إن ضعف “المناعة ” الوطنية , إن وجد , سببه الإرهاب والتطرف والكذب ، وعند تصنيف البشر: إما إلى تابعين ، موالين , مستسلمين ، أو إلى ” زوائد دودية ” مُستعدين للاستئصال، عند ذلك تبدأ الحرب والتقطيع و” ضعف المناعة “.

إن “اللعبة” السياسية الديمقراطية تقوم على النقيض من ذلك ، حيث منافسك ليس عدوك وتسعى دائماً أن يبقى في الحلبة ، لتلعب معه مجدداً , فالسياسة تُبنى على وجودكما معاً , وإلا أصبحتْ السياسة صراع وحوش دموية كاسرة تنتهي دائماً بموت أحد الطرفين أو كلاهما.

المطلوب إيجاد بنية ديمقراطية فعلية ووضع مشروع وطني ، يتوافق عليه الجميع , يحظى بموافقة الأكثرية السياسية ، ويصون اختلاف الأقلية السياسية , المطلوب التعرف على واقعنا المعاش حقيقةً دون أغلفة خادعة ، والتي ادعيناها منذ زمن طويل .

دعونا نعرف ما نحن عليه ونتعارف بصدق وحب رغم آلام الكشف والانكشاف ، لكي نستطيع أن نطور ما يجمعنا ، ونحترم ما يفرقنا، والعالم يملك وسائل وسبل وأدوات بحثية كثيرة تساعدنا في ذلك ، دعونا نستعملها كما استعملنا سياراته وطائراته وأسلحته و”ماركات” دخانه ، فبناء الوطن يتم في كل لقاء ونقاش وكل عمل وكل كلمة . يتطلب إيقاف العدوانية المتراكمة والكره إيقاف الشكل القهري من الحكم ، وطرد الحرب والأسلحة خارج ساحات مدن ، وإيقاف تقطيع الشوارع بحواجز يحرسها مواطنون موهومون بغرائزهم وأسلحتهم وعتادهم بأنهم يحمون الوطن ، فهذه الحواجز تزعج المواطن وتغرّبه عن أرضه وتقززه من انتمائه لرقعة مكسرة من العالم على طريق التشظي.

إن مدننا الصغيرة مقطعة شرايينها , وأكبر جريمةٍ دفع المواطنين إلى النزوح والهجرة ، في حين يمضي العالم في التكتل وتوسيع ساحاته الفعلية . تغيب السياسة ويُمنع النقد إذا صغرت الدولة ، وفُصّلت على حجم سلطتها ، ويصبح النقد مغامرة محفوفة بالمخاطر ، وخيارك يصبح إما الولاء والقبول أو الرفض والفوضى والقتل . ولا يمكن مواجهة سلطاتنا إذا استخدمنا أسلوبها ووسائلها، فهي تملك مصادر القوة “الفيزيائية” المتوحشة .

إن تغيير الساحات وقواعد اللعبة السياسية الديمقراطية ، لا تكون في المعارك العسكرية ولا بالنزعات العدائية ، ولا في ساحات المدن وأزقة الكمائن والقتل ، وهي ليست “كناصات” الأسطح وسكاكين الليل ، وساحات الديمقراطية تستوعب الجميع ، إنها رقع الشطرنج ، التي لا تَعدم أحداً ولا تقصيه , بل تسمح بالفوز في جولة لأحدنا ، وتطرح بدائل وخيارات ليتسلم الراية من هو أجدر في الجولة القادمة . الساحات الجميلة للمدن هي الجامع الحقيقي المشترك لمن يريد التغيير, إنها الساحات التي لا يستطيع أحدٌ أن يحتكرها ، ولن ولم تحمٍ الدبابات سلطة سعَت لتنتصر على شعبها ، فالمجتمع هو أصل الدولة ، ولا دولة بلا شعب حرٍ كريم ، وساحات المدن هي التي توفر تكافؤ الفرص حيث للجميع الحق في الفوز ، والخاسر يبدأ بتطوير شروطه وإمكاناته الجديدة للجولة الجديدة.

إن التحول الديمقراطي يعتمد على الجهد الذي نبذله في استيعاب قواعد ممارسة السياسة والديمقراطية , وبناء المواطنة المتساوية . الأمر الذي يحتاج منا العمل خطوة بخطوة بمواقف متسامحة وإيجابية ، نابذة العنف مع التركيز على التخلص من منظومة الفساد وليس أشخاصها فقط . فعسكرة ساحات المدن , يبعدنا عن الحق والقانون والسلم الاجتماعي ، و حس التغيير وممارسة الثورة في الساحات يحتاج للعقل النظري الهادي خارجها لصياغة مشروع الدولة الجديد , لكي لا نسقط مجددا في حفرة السلطة والسلطة المضادة .

إن شاشات التلفاز تلعب دوراً ذا حدين : تلعب دوراً إيجابياً بنقل الأحداث والتحريض على المشاركة وتلعب دوراً سلبياً ، عندما يتم الاكتفاء بالمشاهدة السلبية وترك الساحات الحقيقة للمدن ، ومقاومتها الموهومة بالنزوح والهجرة ، فهذ ليست أدوات مقاومة دولة الاستبداد ، ولا بديلاً عنها ، مواجهة الاستبداد وممارسة الديمقراطية ليست نوماً في العسل ، وخيارات المواطنين هي التي تحدد صوى المصير:

– إمّا أن تكون ثورة بطريق ديمقراطي طويل فيه الكثير من الجهاد الأكبر( جهاد النفس الأمارة بالسوء) ، وإما أن تتحول إلى حرب تفتيت ، تضيف إلى مكسراتنا ما يحلو لها تحت يافطات ” جديدة ، جميلة” ، و العالم لن يرحم من يقف متفرجاً أو من ينقسم ، والسلام على الصعيد السوري لا يتمّ إلاّ بوحدة سورية أرضاً وشعباً ودولة ، دولة حديثة ديمقراطية ، دولة الكل الاجتماعي والتي تحتاج الكثير من العمل والتفاؤل من قبل مواطنيها ، والبدوة بالمحاسبة والعدالة وبتبعهما التسامح . – دعونا نذهب إلى ساحات المدن ، ساحات الحق والحب في مدننا الجميلة …

رابط مختصر

عذراً التعليقات مغلقة