هل يرث الرئيس الأمريكي القادم سياسة أوباما من “التقاعس واللامبالاة” في سوريا ؟

فريق التحرير30 أكتوبر 2016آخر تحديث : منذ 4 سنوات
اوباما obama

جرت مناظرة بين المرشحة الديمقراطية للرئاسة الأمريكية هيلاري كلينتون والمرشح الجمهوري دونالد ترامب. وبصرف النظر عن التشدق والهجمات والإهانات التي تخللت نقاشهما، كانت المناظرة كالقصة القديمة والمعروفة عندما تعلّق الأمر بقضايا الشرق الأوسط: التطرق من جديد إلى الخلافات حول حرب العراق (2003)، انسحاب القوات من تلك البلاد (2011)، والاتفاق النووي مع إيران (2015).

وعلى الرغم من أهمية إيضاح هذه القضايا، إلا أنه لم تكن هناك للأسف مناقشة تُذْكر حول القضايا الملحة التي من المؤكد أن الرئيس القادم سيواجهها في يوم التنصيب بحسب مقال للمدير التنفيذي لمعهد واشنطن “روبرت ساتلوف” .

حيث كانت الثغرة الصارخة في السياسة الخارجية خلال المناظرة هي إغفال شبه كامل للتحدي الإنساني الاستراتيجي الأكثر إلحاحاً في العالم.

ففي الوقت الذي تسقط فيه القنابل الروسية والسورية على المدنيين في حلب، لم يقدم المرشحان أي تلميح بأنهما سيتخلان عما يمكن تسميته بسياسة “اللامبالاة الاستراتيجية” التي ينتهجها الرئيس أوباما، واتِّباعَهُما نهجاً أقوى يهدف إلى خلق توازن استراتيجي على الأرض من أجل إجبار “محور موسكو – طهران – دمشق” على التفاوض حول حل سياسي.

يقول “بليك فرانكو” الباحث في السياسة الدفاعية والخارجية والمتخصص في شؤون روسيا وشرق أوروبا ووسط آسيا، في صحيفة “ناشونال إنترست” أن المشكلة الرئيسية بالنسبة للولايات المتحدة كانت افتقار أهدافها في سوريا إلى الوضوح.

فقد انتقل مسؤولو البيت الأبيض من القول إن “على الأسد أن يرحل” إلى لغة التمنيات، واليوم يقولون:” ليس واضحاً بعد ما إذا كان يفترض بالأسد أن يرحل”.

ويضيف” إذا كانت أهداف واشنطن في سوريا تقوم على خلع الأسد ودحر” داعش” فإن أياً من تلك الأهداف لن يتحقق قريبا”.وأن الخطوة العسكرية الروسية يمكن أن تقدم دروساً للولايت المتحدة حول كيفية شنّ حروب مستقبلية.

الدرس الأهم من سوريا كان بسيطاً، وهو أن وضع أهداف واضحة ومحددة، عند التدخل في صراعات، يمكن أن يحل بديلاً عن رؤى رنانة في شأن تغيير نظام ما، أو بناء دولة.

ويقول فرانكو إن أهداف واشنطن الغامضة والمتحولة في سوريا ساعدت الروس، وهم منافسون ذوو جيش ووسائل مالية وديبلوماسية أضعف، على توجيه ضربة مربكة لإدارة أوباما. ولعل التعلم من تلك الأخطاء يمكن أن يساعد الولايات المتحدة على اتخاذ قرارات أفضل، في حال الانخراط في حروب لاحقة.

وقد لمح عدد من المراقبين،  إلى أن سياسة “أوباما” تجاه سوريا اتسمت بـ”الفشل”، مرجعين ذلك إلى عدة أسباب أهمها اتباع سياسة “التقاعس” و”التهرب من المخاطرة”، بجانب غياب رؤية أمريكية لمرحلة ما بعد “بشار الأسد”، ومعارضة المقترح التركي بإنشاء “منطقة حظر للطيران”، شمالي سوريا، الذي كان يمكن أن يحمي حياة الآلاف من المدنيين لو تم تطبيقه على أرض الواقع.

مع اقتراب نهاية خدمته في البيت الأبيض أوائل العام المقبل، تتزايد انتقادات المراقبين لسياسات الرئيس “باراك أوباما” المتعلقة بسوريا، التي مزقتها الحرب الأهلية على مدار خمسة أعوام.

أيضا كان للتذبذب في وضع سوريا على قائمة أولويات السياسة الخارجية لأمريكا في عهد “أوباما” دورا في تفاقم المأساة في هذه البلد العربي، حسب المراقبين ذاتهم.

ففي مطلع الفترة الرئاسية الأولى لـ”أوباما”، التي امتدت من 20 يناير/كانون الثاني 2009، وحتى 20 يناير/كانون الثاني 2013، كانت سوريا على قائمة أولويات سياسته الخارجية، حسب “كيليش بورا كانات”، مدير البحوث في “مركز البحوث الاقتصادية والاجتماعية” التركي (سيتا) بواشنطن.

في ذلك الوقت، ذهب “روبرت فورد”، الذي لم يمض عام واحد على تعيينه سفيراً للولايات المتحدة في سوريا، إلى حماه (وسط غرب) لمقابلة المعارضة السورية، لكن البيت الأبيض فوجئ بـ”انتقاد شديد” لهذه الخطوة من قبل النظام السوري.

وأضاف الباحث التركي: “عندما قال أوباما إن على بشار الأسد أن يرحل توقع أن يكون لقوله نفس التأثير الذي حدث عندما قال إن على مبارك أن يرحل”، في إشارة إلى الرئيس المصري الأسبق، “حسني مبارك”، الذي أطاحت به ثورة شعبية عام 2011.

وتابع: “بيد أن هذا لم يحدث؛ إذ لم يرحل الأسد، ولم يحدث أي شيء كذلك”. ولفت “كانات” إلى أن سوريا خرجت من قائمة أولويات “أوباما” خلال حملة انتخابه لفترة رئاسية ثانية عام 2012.

لكن تصاعد وتيرة الأزمة السورية عقب تقارير عن استخدام قوات “الأسد” أسلحة كيماوية ضد مدنيين، أعادت سوريا مجددا إلى أولويات السياسية الخارجية الأمريكية، التي تعتبر استخدام الأسلحة الكيماوية “خطا أحمر”.

ويرى “إدموند غريب” الأستاذ في قسم العلاقات الدولية بجامعة جورج واشنطن، أن الاتفاق مع “الأسد” على تسليم ترسانته من الأسلحة الكيماوية، والهجوم على المجمع الدبلوماسي الأمريكي في مدينة بنغازي، شمال شرقي ليبيا، في 11 سبتمبر/أيلول 2012، أدى مرة أخرى إلى رفع سوريا من قائمة أولويات البيت الأبيض.

“كانات” و”غريب” (باحث أمريكي من أصول لبنانية) أوضحا أن هجوم بنغازي، الذي شهد قيام مسلحين مرتبطين بتنظيم “القاعدة” باقتحام البعثة الدبلوماسية الأمريكية في بنغازي وقتل السفير “كريتسوفر ستيفنز” إضافة إلى آخرين غيره، دفع الولايات المتحدة إلى اتباع نهج “خال من المجازفات”، وكان من نتائجه “تقاعسا” أمريكيا بخصوص أحداث سوريا.

ويقول “كانات” إن “نهج الولايات المتحدة في سوريا (بعد حادثة بنغازي) تم استقباله بوضوح من قبل نظام الأسد وروسيا وإيران؛ وبذلك ازدادت مذابح النظام يوماً بعد يوم، كما كان من نتائج ذلك استخدام النظام للأسلحة الكيماوية، وتمكن تنظيم داعش من النمو في سوريا بشكل أكبر؛ حيث صار يلعب دوراً أكثر فاعلية في المنطقة، وأخيراً جاء التدخل الروسي في سوريا لدعم الأسد (في سبتمبر/أيلول الماضي)”.

“سياسة التهرب من المخاطرة” هذه عززتها تجارب الولايات المتحدة في أفغانستان وفي العراق، حسب نائب رئيس برنامج الشرق الأوسط في “مركز ويلسون للسياسة الخارجية”، “ديفيد ميلر”.

ويقول “ميلر”: “الولايات المتحدة يمكنها أن تهزم الأسد، لكن القضية الأساسية بالنسبة لها لا تكمن في تحقيق هذا الهدف”.

ويضيف موضحا: “القضية الرئيسية هي كيفية منع تكرار تجربة الأسد، وكيف سيتم التعامل مع سوريا بعد هزيمته”. ويتابع متسائلا: “لقد هزمنا صدام حسين (في العراق) وجماعة طالبان (في أفغانستان)، أليس كذلك؟، لكن ما الذي حدث بعد ذلك؟”.

ولفت “ميلر” إلى أن أوباما بات مقتنعاً بأن التوصل إلى حل للأزمة السورية “لم يعد ممكناً”.

واستطرد: “سوريا أصبحت جزءا من عملية تشظٍ واختلال (في السياسة الأمريكية)؛ لذلك هناك الكثير من الناس الذين ينتقدون سياسة إدارة أوباما بشكل أساسي (تجاه سوريا)؛ لأنهم يجادلون بأن الأخير كان يستطيع أن يفعل الكثير جداً منذ عام 2011 قبل أن تتفاقم هذه الكارثة التي نراها الآن (في سوريا)”.

ومنتقدا، أيضا، السياسة الأمريكية تجاه سوريا في عهد “أوباما”، يرى “كانات” أنه كان يمكن تجنب سقوط الكثير من الضحايا المدنيين لو لم تعارض الولايات المتحدة المقترح التركي بشأن إنشاء منطقة حظر للطيران، شمالي سوريا، ودعمت تطبيق المقترح على أرض الواقع.

في السياق ذاته، يتصاعد النقد في الأروقة السياسية بشأن عدم استعداد الولايات المتحدة لمرحلة ما بعد رحيل “الأسد”: إذ أنه ربما تعتقد أن “الأسد العلماني” هو خيار أفضل لسوريا من “قائد إسلامي”.

ومع صعود تنظيم “داعش” في سوريا والعراق مطلع العام 2014، تغيرت سياسة واشنطن في سوريا؛ حيث سارعت بتشديد حملتها ضد الإرهاب، التي تعتمد بشكل كبير على شن غارات جوية على مواقع التنظيم في العراق وسوريا، ودعم القوات المشتبكة على الأرض مع التنظيم.

  • المركز الديمقراطي العربي
رابط مختصر

عذراً التعليقات مغلقة