خطاب الكراهية.. كيف لا نقع في الفخ؟

عائشة صبري26 أكتوبر 2026آخر تحديث :
خطاب الكراهية.. كيف لا نقع في الفخ؟

بين تداخل العوامل السياسية والاجتماعية والإعلامية، تتسع دائرة خطاب الكراهية وتتخذ أشكالاً متعددة. ومن منطلق دوري الإعلامي، أود، عزيزي القارئ، أن أبسّط في هذا المقال مفهوم خطاب الكراهية، من خلال تعريفه وبيان أبرز أسباب انتشاره والمخاطر الناتجة عنه، وطرح مجموعة من الحلول التي قد تساعدك على تجنب الوقوع في فخ الأخبار المقروءة أو المسموعة أو المرئية التي تعزز هذا الخطاب.

يُعرّف خطاب الكراهية بأنه أي تعبير أو تواصل، سواء كان شفهياً أو كتابياً أو بصرياً أو رقمياً، يهاجم أشخاصاً أو مجموعات أو يحط من قدرهم بسبب صفات مرتبطة بهويتهم، مثل العرق أو الأصل القومي أو الإثني أو الدين أو الجنس أو التوجه الجنسي أو الإعاقة، وغيرها من الخصائص الشخصية والجماعية. وقد يتراوح هذا الخطاب بين الإهانات والتحقير والتحريض على التمييز أو العنف ضد الأشخاص بسبب انتمائهم إلى مجموعة معينة.

وتتعدد أشكال خطاب الكراهية في الواقع وعلى منصات التواصل الاجتماعي، وتشمل الشتائم والتعليقات العنصرية، والسخرية من المعتقدات الدينية أو الخلفيات العرقية بقصد الإهانة، ورفض التعامل مع أشخاص بسبب انتمائهم إلى هوية معينة، إلى جانب الشعارات أو اللافتات التي تدعو إلى استبعاد جماعة أو معاقبتها.

ومن أشكاله أيضاً نشر معلومات مضللة تهدف إلى تأجيج العداء ضد مجموعة معينة، فضلاً عن حملات التنمر الجماعية التي تستهدف أفراداً بسبب هويتهم. وهنا تبرز ضرورة التمييز بين خطاب الكراهية وحرية التعبير، التي تُعد حقاً أساسياً بموجب المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وتكفل للأفراد حرية اعتناق الآراء والتعبير عنها، والبحث عن المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها إلى الآخرين.

وبالتالي، ليس كل رأي حاد أو نقد قاسٍ يُعد خطاب كراهية؛ فالنقد الموجه إلى الأفكار أو السياسات أو السلوكيات، حتى لو كان شديداً، يختلف عن مهاجمة الأشخاص أو الجماعات بسبب هويتهم أو انتمائهم.

تسخير التضليل الإعلامي في خطاب الكراهية

من خلال عملي الإعلامي، لاحظت أن خطاب الكراهية يعتمد بدرجة كبيرة على التضليل الإعلامي، الذي يتخذ أشكالاً متعددة، منها تضخيم الأخبار وتغيير حقيقتها، أو اختلاق أخبار لا أساس لها من الصحة. ومن الأمثلة المتداولة مؤخراً في حمص خبر «توقيف رئيس فرع الحماية والحراسات في حمص، أبو أنس طيارة، على خلفية مخالفات إدارية مرتبطة بملفات مالية»، إذ أُضيفت إلى الخبر مزاعم عن «مصادرة 60 كيلوغراماً من الذهب في منزله»، دون تقديم ما يثبت صحتها، فيما جرى لاحقاً تداول معلومات عن إطلاق سراحه بعد انتهاء التحقيق.

ومن الممارسات المنتشرة بكثرة على مواقع التواصل الاجتماعي إعادة نشر مواد قديمة يعود تاريخها إلى سنوات سابقة، وتقديمها على أنها أحداث وقعت اليوم، ما يربك المتابع والصحفي على حد سواء. ولا يقتصر الأمر المثير للاستغراب على تداول هذه المواد في مجموعات التواصل الاجتماعي، بل يمتد إلى بعض الوكالات والقنوات الإخبارية التي تنقل بيانات مجهولة المصدر أو أخباراً غير صحيحة أو مواد قديمة، وتعيد إنتاجها في تقارير مكتوبة أو مصورة، ثم تبثها إلى الجمهور دون التحقق الكافي من صحتها.

ويتعزز هذا التضليل الإعلامي بفعل التحيز غير الواعي والتحيز التأكيدي، ما يضعف قدرة الأفراد على التمييز بين المعلومات الصحيحة والمضللة. ولا شك أن مختلف الأطراف في سوريا قد تتعرض لحملات تضليل تغذيها دوافع طائفية أو إثنية أو أيديولوجية. وما يزيد من خطورة هذه الظاهرة استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي في صناعة محتوى مضلل قائم على الشائعات، يصعب أحياناً التمييز بينه وبين المحتوى الحقيقي.

ومن هنا، قد تسهم وسائل التواصل الاجتماعي في دفع السوريين نحو مزيد من الكراهية، رغم دورها الإيجابي في كسر احتكار الرواية الرسمية وإتاحة المجال لتعدد الأصوات. فخوارزميات الانتشار قد تمنح المحتوى المثير والمستفز فرصاً أكبر للوصول والتفاعل، بينما يحتاج المحتوى المتزن، الذي يخاطب العقل ويدعو إلى التفكير والتحليل، إلى جهد أكبر لاستيعابه. وهكذا تحول الفضاء الرقمي إلى ساحة تتصارع فيها السرديات المختلفة، بما قد يؤدي إلى إضعاف المجال العام وتراجع القدرة على الحوار، وتطبيع العنف الرمزي الذي قد يمهد للعنف المادي.

أسباب انتشار خطاب الكراهية

قبل أن أطرح حلولاً للحد من خطاب الكراهية، أود الإشارة إلى أن جذور انتشاره في سوريا تعود، في تقديري، إلى عقود طويلة، منذ وصول حزب البعث إلى السلطة في الثامن من آذار عام 1963، ثم تولي حافظ الأسد الرئاسة في 12 آذار 1971. فقد أسهمت سياسات نظام الأسد في تكريس الانقسامات الطائفية والمناطقية والاجتماعية، من خلال توظيف الانتماءات الدينية والسياسية في الإقصاء، وتعزيز المحسوبيات والتمييز بين المناطق والفئات الاجتماعية، وتوسيع الفجوة بين أصحاب النفوذ والطبقات الفقيرة.

ومع اندلاع الثورة السورية في 15 آذار 2011، تفاقمت أسباب انتشار خطاب الكراهية نتيجة الانقسام بين مؤيدي نظام الأسد ومعارضي سياساته وممارساته. وبعد تحرير سوريا، أرى أن استمرار حضور بعض الشخصيات المرتبطة بدعم النظام السابق، إلى جانب التأخر في تطبيق مسارات العدالة الانتقالية ومحاسبة مرتكبي الجرائم والانتهاكات بحق السوريين، أسهم في استمرار التوترات وتغذية هذا الخطاب.

وبعد أحداث الساحل السوري في آذار 2025، وما تلاها من أحداث في السويداء خلال تموز من العام نفسه، برزت حملات إعلامية استغلت هذه الوقائع لإثارة الانقسامات، رغم الإعلان عن فتح تحقيقات رسمية واتخاذ إجراءات بحق عدد من المتورطين. كما جرى توظيف مزاعم تتعلق بخطف أفراد من الأقليات وما يُشار إليه بمصطلح «السبي»، في سياقات تحريضية تستدعي التحقق الدقيق من الوقائع. واستمرت بعض المنصات والحسابات في تأجيج خطاب الكراهية عبر المداخلات الإعلامية والمنشورات الشخصية وتداول المحتوى المثير للانقسام، والتفاعل مع كل موجة جديدة من الجدل على مواقع التواصل الاجتماعي.

وفيما يتعلق بالفئات الأكثر تأثراً، أرى أن الشعور بالمظلومية، سواء كان ناتجاً عن انتهاكات فعلية أو عن تصورات تغذيها روايات مضللة، قد يجعل بعض الأفراد أكثر قابلية للتأثر بالخطابات التحريضية. كما أن فقدان بعض الفئات امتيازات أو مواقع نفوذ ارتبطت بممارسات الفساد خلال عهد نظام الأسد قد يدفع بعض أفرادها إلى توظيف خطاب المظلومية في الصراع السياسي والاجتماعي. وهنا تكمن خطورة خطاب الكراهية، فهو لا ينتهي بانتهاء المعارك، بل يترك آثاراً طويلة الأمد في الوعي الجمعي والعلاقات بين أبناء المجتمع.

حلول تساعد في الحد من خطاب الكراهية

أعتقد أن مسؤولية التوعية بمخاطر خطاب الكراهية تقع بدرجة كبيرة على الصحفيين والمؤسسات الإعلامية، من خلال تكثيف المواد التوعوية والالتزام بتوجيه النقد إلى الأفعال والأقوال والممارسات، بعيداً عن العرق أو الدين أو الشكل أو الانتماء السياسي. وهذه المسؤولية مشتركة بين الإعلام الخاص والإعلام الحكومي. ومن هنا تبرز أهمية حملة «الكلمة تبني»، التي أطلقتها الأكاديمية السورية للإعلام بالتعاون والشراكة مع وزارة الإعلام السورية وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP). وأرى أن وزارة الإعلام مطالبة بتطوير برامج توعوية عبر قنواتها الرسمية لتعزيز ثقافة الحوار ومواجهة التحريض.

وإلى جانب الدور الإعلامي، يبرز دور المنبر الديني في تشكيل الوعي العام، من خلال خطب الجمعة والمحاضرات التوعوية، فضلاً عن دور وزارات الأوقاف والثقافة والتربية والتعليم والتعليم العالي والبحث العلمي في نشر الوعي عبر الندوات والأنشطة ووسائل التواصل الاجتماعي، بما يسهم في تعزيز الحوار واحترام الاختلاف. كما تؤدي الأسرة دوراً أساسياً في توعية الأطفال بمخاطر التنمر، وتربيتهم على الاحترام وربط سلوكهم بالقيم الدينية والأخلاقية، وتعليمهم رفض خطاب الكراهية في تعاملهم مع أقرانهم.

وفي هذا السياق، أوجه نصيحة إلى المتابعين والصحفيين: عندما يصلك أي خبر، سواء كان نصياً أو مسموعاً أو مرئياً، فلا تتسرع في نشره على صفحتك الشخصية أو على صفحة عامة تديرها. ولا تجعل هدفك جمع الإعجابات والتفاعلات على حساب الإضرار بالمجتمع أو بالأفراد المستهدفين. انتبه، فبضغطة واحدة على زر النسخ أو المشاركة، قد تسهم في نشر معلومة مضللة تتسبب بمشكلة أو ضرر لأشخاص لا علاقة لهم بما يُتداول عنهم.

واحرص على الحصول على الأخبار من مصادر موثوقة وحسابات رسمية معتمدة، ولا سيما عند التعامل مع البيانات المنسوبة إلى المؤسسات العامة. وعندما تقرأ خبراً أو بياناً، ارجع إلى الحساب الرسمي للجهة المعنية وتحقق بنفسك من صحة المعلومات، ولا تعتمد على الصفحات والحسابات غير الموثوقة التي تنتشر بكثرة على مواقع التواصل الاجتماعي. كما أنصح بإلغاء متابعة الصفحات التي تكرر نشر الأخبار المضللة أو تحرض السوريين بعضهم على بعض، وحظرها أو الإبلاغ عنها عند الضرورة.

وفي الختام، أؤكد أهمية حملة «الكلمة تبني»، لأن إعادة الإعمار لا تبدأ بالإسمنت وحده، بل بإعادة بناء لغة الحوار بين السوريين، وتعزيز التفكير النقدي، وتطوير الرسائل الإعلامية التي تشجع على التحليل والتحقق وصيانة الوعي. فمواجهة خطاب الكراهية مسؤولية مشتركة، تبدأ بالكلمة التي نختارها، والخبر الذي نتحقق منه، والمحتوى الذي نقرر نشره أو الامتناع عن تداوله.

المصدر العروبة

اترك رد

عاجل